في أوائل القرن العشرين، أصاب الحكومة الأمريكية بعض الذعر بسبب الأمراض المنقولة جنسيًا، وبدلًا من توعية الشعب بالمتابعة الطبية، والتحاليل اللازمة، قررت الحكومة الأمريكية أن تذهب إلى أبعد من ذلك، وهو القبض العشوائي على النساء، واعتقالهن، لفحصهن عنوة، فيما عرف باسم «الخطة الأمريكية»، وأطلق على رجال الشرطة المنفذون «فرقة الأخلاق الأمريكية».

اغتصاب ومثلية وإدمان للجنس.. أبرز «الأسرار الجنسية» لرؤساء أمريكا

«لاحقوا النساء»

ارتبطت معسكرات التدريب العسكرية للمجندين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الأولى؛ بالإفراط في استهلاك الكحول، والأنشطة الجنسية غير المشروعة مع النساء المحليات، وإلى جانب الشائعات عن انتشار الأمراض التناسلية بين جيوش أوروبا أنشأ الجيش الأمريكي لجنة لمراقبة أنشطة معسكرات التدريب؛ والتي سعت إلى التحقيق في الثقافات الجنسية والأخلاقية لهذه المعسكرات التدريبية. وخلص التقرير من اللجنة إلى سرعة اتخاذ تدابير وقائية ضد الدعارة، وانتشار الأمراض الجنسية.

باعتبارها تدابير وقائية؛ منحت الحكومة الأمريكية للجيش سلطة القبض على أي امرأة يشتبه في إصابتها بمرض ينتقل عن طريق الاتصال الجنسي، ومتواجدة على بعد خمسة أميال من التجمع العسكري؛ وبموجب هذه السلطة تخضع المرأة المشتبه بها للفحص الطبي، وإذا وجدت مصابة بالأمراض المنقولة جنسيًا، فقد يكون هذا دليلًا على الدعارة، وبحلول نهاية الحرب، كان عدد النساء المقبوض عليهن يقدر بالآلاف؛ أغلبهن لم يتلقين أي علاج طبي.

Embed from Getty Images

إبان الشهور الأخيرة للحرب العالمية الأولى، أرادت الحكومة الأمريكية التوسع في ملاحقة النساء المصابات بالأمراض الجنسية، دون الاكتفاء بالمناطق القريبة من التجمعات العسكرية، لذا أصدر الكونجرس الأمريكي عام 1918 قانون «تشامبرلين-كان» وهو قانون اتحادي ملزم لكل الولايات الأمريكية، لتنفيذ برنامج للصحة العامة؛ أصبح يُعرف باسم «الخطة الأمريكية»، وكان هدفه المعلن مكافحة انتشار الأمراض الجنسية. 

بموجب قانون «تشامبرلين-كان» كان يمكن إيقاف النساء المشتبه في أنهن عاهرات واعتقالهن وتفتيشهن، وإذا خرجت النتائج إيجابية، أي أن المرأة مصابة بمرض جنسي، ترسل إلى مركز إعادة التأهيل، وبحلول عام 1919 شيدت 30 ولاية منشآت لغرض احتجاز النساء المصابات بأمراض تناسلية وعلاجهن؛ بالإضافة إلى ذلك أغلقت عشرات المنازل التي تقدم الخدمات الجنسية في جميع أنحاء أمريكا.

وعلى الرغم من أن العاملات في الجنس كن المستهدفات، إلا أن أي امرأة كانت تُعتبر «مشتبهًا بها»، وهو ما قد يعني في ذلك الوقت أن أي امرأة تسير وحدها في الشارع، أو تتناول الطعام بمفردها في مطعم، أو تحدثت إلى رجل غريب في الشارع؛ يمكن أن تكون مشتبهًا بها، نظرًا لأن البرنامج أصبح أكثر تأصلًا داخل النظام القانوني، وبات هناك حقيقة صارخة واضحة؛ أي امرأة في أي وقت، يمكن إلقاء القبض عليها قانونيًا، وتنقل إلى السجن دون محاكمة، ولا محام، ودون أي فكرة عن موعد إطلاق سراحها. 

ليلة القبض على مارجريت

في عام 1919 في مدينة ساكرامنتو، بولاية كاليفورنيا؛ كانت مارجريت هينيسي تسير مع شقيقتها في سوق اللحوم، كانت مارجريت متزوجة وتقيم في المدينة، وكانت ذهبت إلى منزل شقيقتها ثم خرجا للتسوق، حتى ظهرت «فرقة الأخلاق» أمامهما، وألقت القبض عليهما، وأخبروا المرأتين أنهما رهن الاعتقال بوصفهما «شخصيات مشبوهة».

حاولت مارجريت الشرح للضباط من هي، وماذا كانت تفعل في ساكرامنتو، وأخبرت الضباط أن ابنها البالغ من العمر ستة سنوات في المدرسة، وإذا قبض عليها، سيجب على شخص ما العناية به، لكن الضباط لم يلتفتوا لحديثها، واقتادوها هي وشقيقتها إلى مقر الكشف الطبي، حيث تم فحص الأعضاء التناسلية لهما؛ بحثًا عن الأمراض المنقولة جنسيًا، ولم يجد الطبيب أنهما مصابات بأي أمراض وأطلق سراحهما في المساء، شريطة أن يذهبا للمحاكمة في صباح اليوم التالي.

وفقًا لكتاب سكوت ستيرن؛ مؤلف كتاب «The Trials of Nina McCall: Sex, Surveillance, and the Decades-Long Government Plan to Imprison “Promiscuous” Women»، فإن مارجريت روت للصحافة ما شعرت به من إهانة، حيث قالت: «في المستشفى اضطررت إلى الخضوع لفحص كما لو كنت واحدة من أكثر النساء تدهورًا في العالم.. ولم أتعرض للإهانة هكذا في حياتي».

نظرًا لأن القانون لم يقيد تحركات فرقة الأخلاق المكلفة بتنفيذ القانون، كان رجال الشرطة يتحركون وفقًا لأهوائهم، مثلًا فحصت امرأة بالقوة لأنها شوهدت تأكل في مطعم بمفردها، وقد اشتبه في النساء ذوات البشرة الملونة بأعداد كبيرة؛ ولعبت العنصرية دورًا؛ فعانت النساء المهاجرات أكثر من النساء الأمريكيات، وكان يعتقد أن النساء غير البيض أقل أخلاقًا، أما النساء السود فكانت «فرقة الأخلاق» تنظر إليهن باعتبار أنهن غارقات في الأمراض الجنسية.

Embed from Getty Images

حملة تطعيم ضد الأمراض المنقولة جنسيًا

احتجزت العديد من النساء أيضًا إذا رفضن ممارسة الجنس مع رجال الشرطة أو موظفي الصحة، وفي أواخر الأربعينيات، هدد ضباط شرطة سان فرانسيسكو النساء بفحصهن عن طريق المهبل؛ إذا لم يوافقن على تقديم خدمات جنسية لهم.

حال النساء المصابات بالأمراض الجنسية كان أشد إيلامًا،فقد حبسن في مؤسسات عقابية، ودون اتباع الإجراءات القانونية، وكان الاعتقال القسري يتراوح بين بضعة أيام إلى عدة أشهر، وكان يتم حقن النساء داخل هذه المؤسسات بعقاقير تحتوى على مواد سامة وغير فعالة مثل الزئبق والزرنيخ، وهو العلاج الأكثر شيوعًا لمرض الزهري في أوائل القرن العشرين، أما إذا أسأن التصرف، أو لم يظهرن الاحترام المناسب لمعتقليهم، فيتعرضن للضرب، أو إلقاء الماء البارد عليهن بجانب الحبس الانفرادي.

كيف انتهت «الخطة الأمريكية»؟

بعد فترة قصيرة من عيد ميلادها الثامن عشر، اقتيدت نينا ماكول لفحصها من الأمراض المنقولة جنسيًا، كانت نينا مرتبكة، وأجرى الموظف الصحي فحصًا متسارعًا، وشخصها بالسيلان بسرعة، على الرغم من أن نينا أصرت على أنها لا يمكن أن تكون مصابة بالعدوى المنقولة جنسيًا، إلا أنها أُرغِمت على الاحتجاز الصحي، وقضت فيها ما يقرب من ثلاثة أشهر بائسة تتعرض لأشغال شاقة، وحقن مؤلمة من الزئبق.

بعد إطلاق سراح نينا، توجهت إلى المحكمة، ورفعت دعوى قضائية ضد الذين اعتقلوها وفازت بالدعوى، وقررت المحكمة أن الطبيب أخطأ في معاملته لها، لأنه لا يوجد لدي أسباب معقولة للاشتباه في إصابتها بالعدوى.

لم تكن نينا البريئة الوحيدة التي احتجزتها الشرطة، وشخصها الأطباء بالمرض الجنسي، كان هناك الكثير من النساء المحتجزات الأبرياء، لذا قاومت النساء القانون، منهن من تمكن من الفرار من مرافق الاحتجاز التي احتُجزن فيها، قفزت امرأة واحدة على الأقل من نافذة وتوفيت على إثر ذلك؛ وقفزت امرأة أخرى من قطار متحرك لمحاولة تجنب السجن، بينما قامت أخريات بأعمال شغب وتدمير مواقع احتجازهن؛ بينما أضرب بعضهن عن الطعام.

يرى الكاتب سكوت ستيرن صاحب الكتاب المشار إليه سابقًا؛ أنه بسبب إقرار هذه القوانين وإنفاذها من قبل السلطات المحلية، فإن الحصول على عدد دقيق من النساء المحتجزات أمر شبه مستحيل، ويقدر عدد النساء اللاتي احتجزن بموجب الخطة الأمريكية بعشرات الآلاف كحد أدنى، ويرجح أنهن أكثر من 100 ألف امرأة.

انتهى تنفيذ الخطة الأمريكية بحلول سبعينيات القرن الماضي، وسط صعود حركات الحقوق المدنية، وحركات حقوق المرأة، بعد أن استمرت في العديد من الولايات لمدة نصف قرن، وعلى الرغم من تغيير بعض هذه القوانين أو تعديلها، فقد استوعب بعضها في قوانين الصحة العامة، ولا تزال لدى كل ولاية أمريكية القدرة على فحص الأشخاص «المشتبه فيهن بشكل معقول»، وعزل الأشخاص المصابين، إذا رأى مسؤولو الصحة أن هذه العزلة ضرورية. 

مصحات أقرب إلى سجون.. «التاريخ الأسود» لأمريكا في معاملة المرضى النفسيين

المصادر

تحميل المزيد