عادة ما ينظر الأمريكيون إلى المسلمين المقيمين بالولايات المتحدة باعتبارهم دخلاء أجانب جاءوا مهاجرين وفرضوا أنفسهم على أرض لم ترحب بهم أبدًا متغافلين تمامًا عن الحقائق التاريخية التي تُجزم بأن المسلمين قد وطئوا أرض الولايات المتحدة الأمريكية قبل إعلان الاستقلال بفترة ليست بالقصيرة؛ ففي بدايات القرن السابع عشر، رست سفن نقل العبيد على شواطئ الأرض المكتشفة حديثًا آنذاك، التي ستصبح فيما بعد الولايات المتحدة الأمريكية، حاملة معها العديد من العبيد المختطفين قسرًا من دول غرب أفريقيا الذين كان يدين ما يقرب من ثلث عددهم بالإسلام.

معبد العلوم المورية

في أمريكا أُجبر المسلمون الأفارقة على عدم ممارسة شعائرهم الدينية جهارًا ولكنهم خبؤوا إيمانهم في صدورهم مثلما خبؤوا مشاعرهم وتوقهم لرؤية اليوم الذي يحصلون فيه على حريتهم من جديد؛ فهؤلاء القوم الذين نشؤوا في بلادهم – التي اختطفوا منها – على تعاليم الإسلام التي تنبذ التمييز على أساس اللون أو العرق اعتبروا هذا الدين بمثابة خط دفاع أخير ضد العنصرية والإيذاء النفسي والبدني الذي فرضه عليهم ساداتهم من البيض حتى وإن لم يعد مسموحًا لهم بالجهر باعتناقهم له.

وهكذا كاد أن يتحول الإسلام من دين له شعائر وأحكام تتبع إلى مجرد ذكرى بعيدة قابعة في خلفية الذاكرة الثقافية للأمريكيين من أصل أفريقي الذين يدينون به إلى أن تم إعادة إحيائه على يد ما يُعرف بحركة «معبد العلوم المورية» التي تأسست على يد تيموثي درو – الذي عُرف فيما بعد باسم نوبل درو علي – المولود لأبوين مسيحيين أسودين بولاية كارولينا الشمالية وكبر في مزرعة مملوكة لأحد الملاك البيض.

في العشرين من عمره، فر درو إلى نيويورك هاربًا من معاملة سيده القاسية. وهناك تعرف على بعض المسلمين القادمين من روسيا والهند وأفريقيا، ولشدة دهشته علم أن هؤلاء المسلمين يدينون بدين تحض تعاليمه على أن البشر جميعًا سواسية كأسنان المشط لا فرق بينهم على أساس العرق أو الدين أو اللغة بل الفيصل هو جوهر الإنسان  وما يقترفه من خير أو شر.

لقد شعر درو أنه وجد ضالته في هذا الدين الذي يساويه بالرجل الأبيض ورآه الأمل الوحيد لمجتمع الأمريكيين من أصل أفريقي، إذ إنه سيكفل لهم غطاء فكريًا يمنحهم قوة يستطيعون أن يواجهوا من خلالها الرجل الأبيض الذي أمعن في إذلالهم. أضف إلى ذلك أن اعتناق دين جديد يعني هوية جديدة واسمًا جديدًا لا يذكرهم بأنهم ملك لسيدهم الأبيض – إذ درج البيض على محو الأسماء الأفريقية لعائلات العبيد المملوكين واستبداله ألقابهم الشخصية بها.

في أحياء الزنوج، لاقى درو تربة خصبة يبث فيها دعوته وأفكاره وكثر حوله الأتباع حتى تشجع وأنشأ في عام 1913 معبدًا خاصًا بفرقته الوليدة أسماه «معبد العلوم المورية». وسرعان ما انتشرت دعوته في مجتمعات السود التي كانت متعطشة للحرية والمساواة في كافة المدن الأمريكية، وعلى الرغم من قيام درو بادعاء أشياء لا تمت للإسلام الحقيقي بصلة – قيامه بادعاء النبوة على سبيل المثال – إلا أن فرقة معبد العلوم المورية ظلت تحتل صدارة مشهد المناداة بحقوق السود تحت راية الدين الإسلامي حتى وفاة درو وقيام الداعية «والاس فرد محمد» بتأسيس منظمة أمة الإسلام ومن بعده إليجا محمد الذي نجح في إقناع مالكوم إكس بالانضمام لأمة الإسلام.

وبذلك لاقى الإسلام رواجًا واسعًا وسط مجتمع السود في أمريكا إذ إنه كان يمثل حلًا لما نزل بساحتهم من ظلم وإجحاف ومنذ ذلك الحين أصبح أحد أهم الممثلين  عن الهوية السوداء التي ساهمت بشكل كبير في إثراء الثقافة الأمريكية من الناحية الأدبية والفنية، إذ إن السود قد جلبوا معهم من بلادهم فنهم وموسيقاهم التي ستصبح فيما بعد من أبرز معالم الفن الأمريكي.

روح الإسلام في الموسيقى الأفرو-أمريكية

جلب العبيد المختطفون قسرًا من موطنهم في غرب أفريقيا معهم موسيقى البلوز (Blues) الحزينة التي انبثقت منها أنواع موسيقية عدة كموسيقى الجاز والروك آند رول. هذه الموسيقى الحزينة التي كان العبيد يغنون على أنغامها أغانيهم التي تتحدث عن المعاناة والألم اللذين ألما بهم بعد يوم طويل من العمل الشاق في المزارع قد اكتسبت الكثير من صفاتها المميزة من الليتورجيا «الشعائر» الإسلامية، إذ إنها تعتمد بشكل أساسي على ما يُسمى بنغمة «الملسما»، وهي عبارة عن تطويل حروف الكلمات مع كثرة استعمال الزخارف الصوتية مما يجعلها شبيهة إلى حد كبير بحركة المد في الأذان.

وقد قامت الباحثة في الأصول التاريخية الإسلامية لموسيقى البلوز، سيلفيان ضيوف، بعرض تسجيل صوتي للأذان الإسلامي بلحنه الأفريقي الشهير وتلته بتسجيل آخر لأغنية  Levee Camp Holler – الملحنة على الأسلوب الكلاسيكي القديم لموسيقى البلوز والتي كان يتغنى بها العبيد الأفارقة في الفترة التي تلت الحرب الأهلية الأمريكية وهم يؤدون أشق الأعمال ويتنقلون من قاعدة عسكرية إلى أخرى – على عدد من الحضور في إحدى قاعات جامعة هافارد،  وبمجرد أن انتهت الأغنية لم يتمالك الحضور أنفسهم من التصفيق إعجابًا، إذ انتابهم شعور أن هناك تشابهًا حقيقيًا بين كل من نغمات الأذان والأغنية. ويرجع السبب في ذلك إلى أن الأغنية – مثلها مثل الأذان – تعتمد على تشغيل جميع الأحبال الصوتية للمؤذن/ المغني، وكذلك التدرج في طبقات الصوت مع الضغط بطريقة معينة على بعض الحروف واستخدام التنغيم الأنفي.

أغنية Levee Camp Holler.

الأذان باللحن الأفريقي.

وهكذا تغلغلت روح الإسلام وألحان أذانه في أغاني وموسيقى العبيد الأفارقة الذين أخفوا دينهم في قلوبهم ونجوا به رغم المشاق التي كانوا يواجهونها آناء الليل وأطراف النهار. لقد امتد التأثير العربي الإسلامي على موسيقى البلوز ليشمل ليس فقط الألحان وتركيبها بل أيضًا نوعية الآلات التي استخدمها هؤلاء العبيد المختطفون قسرًا في العزف؛ فقد حُرم عليهم استعمال الطبول لاعتقاد السادة البيض بأنها تستخدم كلغة تخاطب بين العبيد يتعذر عليهم فهمها وسمحوا لهم فقط بالعزف على الآلات الوترية كالعود لأنه يشبه إلى حد ما آلة الكمان المشهورة في أوروبا.

وفي هذا الصدد، يقول جيرهارد كوبك – أستاذ علم موسيقى الشعوب بجامعة ماينز بألمانيا – إن الآلات الموسيقية التي كانت تستخدم في دول غرب أفريقيا، كالعود، وحققت انتشارًا واسعًا في المغرب العربي كانت عربية المنشأ ومنها تطورت آلات وترية عدة كالجيتار والكمان وآلة البانجو التي اشتهر العبيد الأفارقة في أمريكا بالعزف عليها. وعليه فإن من ينكر التأثير الملحوظ للإسلام على موسيقى البلوز إنما يفعل ذلك لجهله بالموسيقى العربية الإسلامية.

نهضة هارلم

ظلت الأغاني والموسيقى الأفرو-أمريكية حتى مطلع القرن العشرين عبارة عن بكائيات تحكي عن المعاناة والقهر والعنصرية أو أغان حماسية تشد من أزر العمال في الحقول وتحمسهم للعمل؛ فكانت البلوز الأفريقية مرادفًا لحزن ومعاناة الأفارقة في أمريكا إلى أن قرروا الثورة على العنصرية واسترداد حريتهم التي سُلبت منهم بالقوة. وحمل مطلع القرن العشرين معه نسائم التغيير ومناهضة العنصرية وعلت الأصوات المناهضة لمظاهر التمييز العنصري؛ فلأول مرة استطاع الأمريكيون من أصول أفريقية التعبير عن فنهم لأجل الفن ذاته ولأن بداخلهم مواهب متقدة تجاهد لترى النور وهجروا الغناء والرقص لمجرد إسعاد سيدهم الأبيض – كما كانوا يفعلون في عروض المنستريل Minstrel shows – وغنوا ورقصوا لأنهم هم أنفسهم يريدون ذلك لا تلبية لرغبة أحدهم.

من حي هارلم ذي الأغلبية السوداء بنيويورك انطلقت شرارة النهضة الثقافية لذوي البشرة السوداء في أمريكا حين قامت زمرة من الفنانين الأمريكيين من أصول أفريقية بوضع أسس حركة نهضة هارلم التي مثلت ثورة فكرية وثقافية وسياسية على الممارسات العنصرية للرجل الأبيض. فبدءًا من تاريخ انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى منتصف الثلاثينيات أصبح حي هارلم قبلة تجذب العديد من الأدباء، والشعراء، والسياسيين والموسيقيين، والممثلين ذوي البشرة السوداء الذين قرروا أن يعبروا عن فنهم وهويتهم بحرية بعيدًا عن القيود التي تفرضها عليهم العنصرية البغيضة ضد أصحاب البشرة السوداء في أمريكا. لقد كانت الحركة هي فرصة مجتمع الأمريكيين من أصول أفريقية للتعبير عن أنفسهم بشكل جماعي وكذلك عرض إرثهم الثقافي وقد نجحوا في استغلالها.

كان الفن هو أحد الطرق القليلة المتاحة أمام الأمريكيين من أصول أفريقية في بدايات القرن العشرين، إذ إن العنصرية كانت مستشرية في ذلك الوقت إضافة إلى الظروف الاقتصادية شديدة الصعوبة، وبذلك ساعد الفن والتعبير الإبداعي ذوي البشرة السوداء في التخلص من إحساس الدونية الذي كان يسيطر عليهم بل إنه قد حول ذلك الإحساس إلى حالة من الفخر بلونهم وعرقهم فهم قد أيقنوا تمامًا أن كلمة أسود لا تعيبهم إذ إنها مجرد كلمة تصف لونهم لا لقب يلقبون به.

عصر الجاز

إذا كانت الحرية هي عقلية القرن العشرين؛ فإن موسيقى الجاز هي خلفيته الموسيقية.

كدولة حديثة لا تملك تاريخًا طويلًا تفخر به ولا فنًا خاصًا بها، إذ إن معظم فنونها وآدابها كانت مستودعًا للمؤثرات الأوروبية، سعت الولايات المتحدة الأمريكية سعيًا حثيثًا لخلق فن يحمل الروح الأمريكية، لقد أرادت فنًا أمريكيًا خالصًا من أية تأثيرات أوروبية، ومن أجل تحقيق هذا الغرض دفعت أموالًا طائلة وحاكت العديد من المؤامرات ليكون لها فنها الخاص.

أرادت الولايات المتحدة أن تصنع فنًا يحمل الصفات الأمريكية المثالية ليقتحم المشهد الحداثي في الفن، وقد كانت التعبيرية التجريدية هي الاختيار الأمثل لجهاز المخابرات الأمريكية (CIA). وعلى الرغم من الدعاية الكبيرة التي قامت بها أمريكا للتعبيرية التجريدية وروادها، أمثال جاكسون بولوك ومارك روثكو، إلا أن الكثيرين – ومنهم أعضاء بارزون في الكونجرس – لم يتقبلوا هذا النوع من الفن واعتبروه مجرد هراء نابع من مرضى نفسيين.

لقد أبى الفن الذي يحمل الروح والبصمة الأمريكية أن يأتي إلا على يد هؤلاء ممن لفظتهم أمريكا وأمعنت في التحقير من شأنهم و إذلالهم لعقود وكان هذا الفن الأمريكي الخالص هو فن الجاز الذي أتى به الأمريكيون من أصل أفريقي من نيو أورلينز وتبرأ من أية تأثيرات أوروبية. وعلى العكس من التعبيرية التجريدية؛ فقد أحب الجميع، في أمريكا وخارجها، موسيقى الجاز ورقصوا على أنغامها وكانت مصدر إلهام للكثيرين.

وقد تأثر العديد من أبرز موسيقيي هذا الفن الذي يحمل روحًا ثورية على العنصرية بالدين الإسلامي بشدة؛ فاعتنق بعضهم الإسلام في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية وتأثرت ألحانهم بالألحان والروحانيات الإسلامية إلى حد كبير، لقد أعطاهم الإسلام فرصة للبدء من جديد بفن يعكس هويتهم وكذلك هوية واسمًا جديدين ينقلانهم من تبعية الرجل الأبيض.

في كتابه، To Be or Not to Bop، يروي عازف الجاز الأمريكي ديزي غيليسبي أن الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية قد شهدت تصاعدًا ملحوظًا في شعبية الإسلام بين موسيقيي الجاز لأنه كان الخيار الأمثل في ظل دأبهم للحصول على الحرية والاستقلالية، إذ إنه جعلهم يشعرون أنهم مساوون للرجل الأبيض فلو اعتنق الفرد الدين الإسلامي سيتخلص للأبد من لقب زنجي ويحصل على هوية جديدة؛ فيحكي غيليسبي أن الإسلام لم يمنحهم فقط الحرية بل أعطاهم الجرأة على المناداة بحقوقهم وذكر موقفًا حدث لأحد زملائه الموسيقيين الذين اعتنقوا الإسلام، وكان يُدعى أوليفر ميشو، حين دخل أحد المطاعم التي لا تقدم خدمة لذوي البشرة السوداء وحين رفض النادل خدمته قال له بكل افتخار «أنا لا ألومك، ولكن عليك أن تقدم لي الخدمة فأنا لم أعد ملونًا. أنا اسمي مصطفى دالي».

Embed from Getty Images
ديزي غيليسبي.

لا تقل إنني تخليت عن المسيحية بل المسيحية هي من تخلت عني، أو قُل لقد نبذني معتنقوها.

هكذا رد غيليسبي محتدًا على مراسل صحيفة لايف «Life Magazine» حين سأله عن سبب تركه للدين المسيحي، وتساءل في جدية عن سبب ترك المسيحيين البيض في وطنه أمريكا لتعاليم الإنجيل التي توصي البشر بحب بعضهم البعض بينما يلتزم المسلمون بعدم إعطاء أفضلية لأحد على الآخر بسبب عرقه أو لونه، كما أنهم يصطفون في نفس الصف للصلاة بمختلف أعراقهم وطبقاتهم الاجتماعية على عكس أمريكا التي كان يوجد بها كنائس للسود وأخرى للبيض.

رُسل الجاز

في أحد أقسام الشرطة بالولايات المتحدة، تلقى عازف الجاز الشهير آرت بلاكي Art Balkey ضربًا مبرحًا كاد أن يودي بحياته بسبب رفضه مناداة شرطي أبيض بلقب «سيدي». ومن بعد تلك الحادثة قرر بلاكي، الذي أهين كبرياؤه وخرج بآلام وإصابات مبرحة في جسده، البحث عن فلسفة جديدة يتبناها لمساعدته في مناهضة العنصرية، لقد كان يتوق إلى غطاء فكري يوجهه وقد وجد ضالته في الدين الإسلامي بعد أن دعاه إليه صديقه العازف «طالب داود».

أحب بلاكي الدين الإسلامي حبًا جمًا وجعل من منزله مركزًا لاجتماعات حديثي العهد بالإسلام حيث كانت تتم الكثير من المناقشات والقراءات في ذلك الدين الذي لا يعرف العنصرية. ولم يقتصر بلاكي على ذلك بل غير اسمه إلى «عبد الله بن بهينة» وأنشأ فرقة موسيقية كان كل أعضائها مسلمين أسماها رُسل الجاز – Jazz Messengers – وكان من أبرز أعضاء هذه الفرقة، التي أثرت كثيرًا في موسيقيي الجاز من المسلمين وغير المسلمين وقدمت إسهامات وألحانًا هامة، الملحن الشهير «يوسف لطيف» الذي أحدث ثورة كبيرة في عالم موسيقى الجاز عندما مزجها بالموسيقى الشرقية وكذلك عازف الساكسفون شهاب شهاب.

Embed from Getty Images
يوسف لطيف (المعروف باسم ويليام إيمانويل هودلستون قبل إشهار إسلامه).

الله أعلى وأعظم.. رائعة جون كولترين «لوف سوبريم»

في التاسع من ديسمبر (كانون الأول) عام 1964، أطلق جون كولترين، أحد أبرز وأهم موسيقيي الجاز، ألبومه الموسيقي الذي يعتبر معلمًا هامًا من أعلام موسيقى الجاز وحقق أعلى المبيعات في وقتها بعنوان «لوف سوبريم – A Love Supremeِ»، وقد صرح كولترين أنه قد قام بتلحين هذا الألبوم – الذي تكون من أربع نوتات موسيقية – وكتب كلماته ليعبر عن حبه الشديد لله وعميق شكره وامتنانه له.

كان كولترين يتوق إلى رؤية أفراد مجتمعه يتوحدون تحت راية واحدة وأبدى إعجابه الشديد بالدين الإسلامي الذي نجح في توحيد ناس من أعراق عدة تحت لوائه، كما أن زواجه من زوجته نعيمة، التي كانت مسيحية اعتنقت الدين الإسلامي، قد أحدث تأثيرًا كبيرًا على أفكاره وعرفه الكثير عن الألحان الإسلامية والقرآن الكريم وقد ظهر هذا التأثر جليًا في مقطوعة لوف سوبريم الخالدة.

أحد مقاطع لوف سوبريم.

وعلى الرغم من أن الكثير من النقاد قد أنكروا تأثر لوف سوبريم بالإسلام، إلا أن معاصري كولترين ينفون هذا الأمر تمامًا؛ فالملحن يوسف لطيف يؤكد على أن كولترين، الذي ردد في الأشعار المصاحبة لمقطوعته جملة All Praise Belongs to God لأكثر من مرة، إنما كان يقصد بها «الحمد لله رب العالمين» من سورة الفاتحة التي طالما سمع زوجته نعيمة تتلوها في صلواتها، كما أن الدلالات اللغوية للمقطوعة ككل تشبه تلك الدلالات الخاصة بسورة الفاتحة، إضافة إلى أن الطريقة التي تبدأ بها الفرقة الموسيقية في الغناء تشبه إلى حد كبير الطريقة التي ينشدها المنشدون الصوفيون في حلقات الذكر.

Embed from Getty Images
جون كولترين.

إضافة إلى ذلك، يؤكد البعض على أن كولترين إنما أراد أن يُسمي مقطوعته باسم الله أعظم – Allah Supreme بدلًا من لوف سوبريم A Love Supreme ولكنه خشي من هذا الأمر بسبب التوتر المتزايد وقتها بين أمريكا ومنطقة الشرق الأوسط على خلفية قيام دولة إسرائيل. وعلى الرغم من التأثير الملموس للموسيقيين المسلمين، أو المتأثرين بالإسلام، على موسيقى الجاز، يقول غيليسبي إن ازدياد أعداد المتحولين للإسلام لم يلق ترحابًا في أمريكا إذ شكل قلقًا كبيرًا لليهود الذين عادوا المتحولين للإسلام عداء صريحًا واضحًا وحدثت بينهم الكثير من الاحتكاكات بسبب قيام دولة إسرائيل لدرجة أن اليهود في نيويورك قد قاطعوا أي موسيقيٍ يحمل اسمًا ينم عن كونه مسلمًا؛ فالفرد منهم كان يفضل رمي المال في القمامة بدلًا من تشغيل موسيقي مسلم وإعطائه له – وفقًا لتعبير غيليسبي.

وعلى الرغم من الإنكار لوجود أي دور فاعل للإسلام والمسلمين في أمريكا؛ فإن الوقائع التاريخية قد أثبتت أن أمريكا تدين للفن العربي الإسلامي بالكثير؛ فموسيقاه قد تطورت منها العديد من الأنواع الموسيقية الأمريكية التي أحدثت نجاحًا مدويًا عظيمًا، وبذلك ساهم الإسلام والمسلمون في تكوين المشهد الحداثي في الفن الأمريكي وكان له دور فاعل في مناهضة العنصرية شاء من شاء وأبى من أبى.