يقول معظم الأمريكيين إنهم يعرفون القليل عن الإسلام، أو لا يعرفون شيئًا على الإطلاق، بحسب استطلاع رأي أجراه مركز «بيو» للأبحاث، وحتى هذا القليل مصدره وسائل الإعلام التي تهيمن عليها التغطية السلبية بأغلبية كاسحة تناهز 80%، بحسب مشروع مسلمون من أجل التقدم الأمريكي.

في خضم هذا الاغتراب بين أبناء الوطن الواحد، يستند الخطاب المعادي للإسلام في الولايات المتحدة إلى افتراضٍ تاريخي خاطئ مفاده أن المسلمين الأمريكيين هم في الغالب مهاجرون، دخلاء على المجتمع الأمريكي، وأن الإسلام ظاهرة جديدة نسبيًا في الولايات المتحدة، إلى جانب مغالطات أخرى حول الاندماج والقيم والإسهامات، ويتناسى الكثيرون أن الإسلام حاضر في أمريكا منذ عصر العبودية.

جذور الإسلام في أمريكا منذ تأسيسها 

ما لا يعرفه كثير من الأمريكيين أن المسلمين لطالما كانوا متشابكين مع التاريخ الأمريكي، وأن جذور الإسلام في الولايات المتحدة تمتد إلى أيام التأسيس الأولى. بل إن تجليات الإسلام وإسهامات المسلمين خلال المحطات الرئيسة في التاريخ الأمريكي قد تفاجئ حتى معظم الأمريكيين أنفسهم، لا سيما ما يتعلق بمسيرة المسلمين المثيرة للإعجاب من العبودية إلى التحرر، كما تحكي جنيفر ويليامز.

«بغض النظر عن مدى قلق الأمريكيين بشأن الإسلام، فإن فكرة (الغزو الإسلامي) لهذه الدولة ذات الغالبية المسيحية، لا أساس لها في الواقع»، على حد قول بيتر مانسو في صحيفة «نيويورك تايمز». «علاوة على ذلك، وصل المسلمون إلى هنا قبل تأسيس الولايات المتحدة – ليس فقط بأعداد قليلة، بل بالآلاف».

تواجد المسلمون في أمريكا حتى قبل أن تصبح أمة، حيث وصلوا إلى الولايات المتحدة قبل 400 عام كجزء من تجارة الرقيق. ويقدر العلماء أن ما يصل إلى 30% من العبيد الأفارقة الذين نُقلوا قسرًا إلى الولايات المتحدة، من دول غرب ووسط أفريقيا مثل جامبيا والكاميرون، كانوا مسلمين. ويذكر الباحث ريتشارد برنت تيرنر أن عدد العبيد المسلمين الذين أُحضروا إلى الأمريكتين يتراوح بين 40 ألفًا (في الولايات المتحدة فقط) و3 ملايين عبر أمريكا الشمالية، والجنوبية، ومنطقة البحر الكاريبي.

حتى أن هناك تمثالًا يجسد صورة الرسول محمد، كما تخيلها الأمريكيون – على الجدار الشمالي للمحكمة العليا في الولايات المتحدة، الذي بني في عام 1935، يقف بين الإمبراطورين شارلمان وجستينيان، ضمن نخبة تضم 18 من كبار آباء القوانين في التاريخ. ولهذا دلالة كبيرة ترتبط بالجذور المسلمة في الولايات المتحدة الأمريكية، كما يشير الباحث تيموثي مار.

إستراتيجية الاختطاف.. ما جمعه الله هل يفرقه المستعمر الأبيض؟

هناك العديد من الروايات المثيرة للانتباه، تكشف الستار عن الإستراتيجية التي كانت متبعة لاختطاف الأفارقة من قبائل متنوعة في مختلف أنحاء القارة في زمن العبودية؛ حتى لا يتمكنوا من تبادل الأحاديث والتخطيط للثورات أو الهرب، بحسب موقع «Why Islam – لماذا الإسلام» الناطق بالإنجليزية.

لكن بينما اعتقد الكثير من المستعمرين البيض أن هذه المجموعات الأفريقية المجلوبة من أماكن متباعدة مختلفة عن بعضها البعض، اتضح أن الكثيرين منهم يعتنقون دينًا مشتركًا هو: الإسلام، وبالتالي تمكن الكثيرون من التواصل أو استخدام اللغة العربية كأرضية مشتركة.

استطاع المستعبَدون المسلمون الحفاظ على لغتهم الدينية بالكتابة، ونجحوا في توريث الدين للأحفاد عن طريق التلاوة الشفوية. لكن العديد من ملاك العبيد عارضوا هذا النهج بشدة، وطلبوا من عبيدهم أن يعتنقوا المسيحية، أو يسموا أنفسهم بأسماء مسيحية، أو يحضرون الصلوات المسيحية. وكان المالك يعتبر قدرة العبد على القراءة والكتابة بلغة أخرى بمثابة تهديد لسلطته.

ممارسة المسلمين شعائرهم علانية في عصر العبودية مغامرة محفوفة بالمخاطر، لذلك أبقى كثيرون ممارساتهم الدينية داخل بيوتهم، وكانوا يجتمعون سرًا لأداء العبادات الجماعية، وبينما أُجبِر الكثير منهم على التحول إلى المسيحية، تظاهر البعض الآخر بترك الإسلام، تماشيًا مع القواعد والقوانين المتبعة في المستعمرات.

اختار آخرون تحدي تلك الأوامر، وممارسة الإسلام علانية؛ كما حدث في جزر جورجيا ومنطقة البحر الكاريبي. وعلى الرغم من أن بعض العبيد المسلمين أُجبروا على ترك الإسلام بالإكراه البدني وسوء المعاملة، إلا أنهم لم يتخلوا بسهولة عن دينهم، وناضلوا بضراوة للتمسك بأصول الإسلام، ودفهم إيمانهم العميق إلى رفض اعتناق الكاثوليكية أو البروتستانتية، وفي بعض الحالات، كانوا يتحولون ظاهريًا فقط.

وبحسب المؤرخ سام هاسلبي، فإنَّه بحلول سنة 1503 كان مسلمو غرب أفريقيا أنفسهم قد أتوا بشكل مؤكد إلى العالم الجديد، ففي ذلك العام أرسل حاكم هيسبانيولا التابعة للتاج الملكي إلى إيزابيلا، يطلب منها التوقف عن استجلاب مزيدٍ من المستعبدين المسلمين. فقد كانوا كما كتب في رسالته «مصدرًا للهرج ودعاةَ عصيانٍ بين الهنود الأصليين» بإصرارهم على «الهروب من ملَّاكهم» مرارًا وتكرارًا.

تعرية التاريخ.. هكذا وصف المسلمون المستعبدون ما حدث معهم

بين عامي 1734 و1857، أنتج المسلمون المستعبدون في الأمريكتين مجموعة من الأدبيات التي ظهرت كنصوص منشورة، وأعمدة صحافية، ومداخلات في المجلات. من خلال هذه الأعمال المتداولة علنا، ساهموا في الخطاب القائم حول العرق والدين والانتماء في الولايات المتحدة، حسبما كتبت أنيت جوزيف جابرييل في مدونة «Black Perspectives». 

في العديد من هذه الروايات، وصف المؤلفون خاطفيهم بأنهم مسيحيون، وكشفوا اللثام عن نظام العبودية العنيف الذي لا يمكن فصله عن القومية الأمريكية التي عرَّفت نفسها بأنها بيضاء ومسيحية. تشير الروايات التي كتبها المسلمون المستعبدون إلى الانتقال – أي: الحركة المستمرة بعيدًا عن أماكن الاضطهاد – باعتباره فعلًا للمقاومة، لا يتضمن فقط السفر، بل يشمل أيضًا المراسلات والإنتاج الأدبي.

تُعرِّي هذه الروايات تاريخًا طويلًا، لا تُجسد فيه العنصرية والإسلاموفوبيا مظهرين منفصلين لمشكلة القومية الإقصائية، بل لونين متقاطعين من الاضطهاد الذي رسخ الإقصاء على طول الخطوط العرقية والدينية، على حد قول جابرييل.

يقول المؤرخ كامبيز غاني باسيري، الذي يعد كتابه «تاريخ الإسلام في أمريكا» – أحد أكثر الكتب شمولًا في هذا الموضوع – إن المسلمين في أمريكا الاستعمارية، وما قبل الحرب جاءوا من خلفيات عرقية وتعليمية واقتصادية متنوعة. في أمريكا، تنوعت تجاربهم اعتمادًا على متى وأين وكيف نقلوا إلى هذه الشواطئ.

نسف الكليشيهات.. السيرة الذاتية الوحيدة المعروفة في زمن العبودية

السيرة الذاتية الوحيدة المعروفة في أمريكا باللغة العربية من عصر العبودية، مؤلفة من 15 صفحة، كُتبت في عام 1831، وتحكي قصة عمر بن سعيد، المولود عام 1770 في السنغال الحديثة. حصلت عليها مكتبة الكونجرس من دار المزادات البريطانية سوثبيز في يونيو (حزيران) 2017، وأتاحتها للجمهور عبر موقعها على الإنترنت مجانًا.

اختُطِفَ عمر من السنغال في عام 1807 وهو في سن الـ37 ونُقِل قسرًا إلى تشارلستون في ولاية كارولينا الجنوبية ليُبَاع كعبد. هرب في عام 1810، لكنه أُسِرَ مرة أخرى حين توقف للصلاة في فايتفيل – نورث كارولاينا. هناك، اشتراه جيمس أوين، وبقي مستعبدًا حتى وفاته في عام 1864. مثل قرابة 30% من الأفارقة المستعبدين الذين نقلوا إلى الأمريكتين قسرًا، كان سعيد مسلمًا. وكان أيضًا واسع الإطلاع والثقافة الإسلامية، درس في كنف أخيه وغيره من العلماء المسلمين، وفق ما نشره موقع ريليجن نيوز.

تقول ماري – جين ديب، رئيسة قسم أفريقيا والشرق الأوسط في مكتبة الكونجرس: «ترسم هذه السيرة الذاتية صورة مختلفة تمامًا عن الأشخاص الذين جُلِبوا إلى أمريكا في عصر العبودية، وتُظهِر أن الكثير منهم كانوا من الموحدين أتباع الدين الإبراهيمي، وأن بعضهم كان يحظى بدرجة عالية من التعليم. لذلك فإنها تنسف تصوراتنا عن حقيقة هؤلاء العبيد وتقلبها رأسًا على عقب». يؤكد تيرنر أن العديد من المسلمين المستعبدين تلقوا قسطًا وافرًا من التعليم، وكانوا يتقنون اللغة العربية، وشغلوا في كثير من الأحيان أدوارًا قيادية في إطار المهام التي كانت توكل إلى العبيد في مزارع الجنوب الأمريكي.

«حياة عمر بن سعيد» ذات قيمة خاصة للباحثين؛ لأنها مكتوبة باللغة العربية، وهي الرواية الوحيدة المعروفة المكتوبة بهذه اللغة في عصر الاستعباد. «إذا كتب شخص مُستَعبَد باللغة الإنجليزية، فقد تكون مصداقيته مختلفة»، حسبما توضح ماري – جين ديب؛ حيث «يمكن لأي شخص أن يسترق النظر من فوق كتفه، أو يُعَدِّل ما كتبه، أو يملي عليه، أو يعاقبه على كتابته شيئًا سلبيًا. لكن عندما يكتب الشخص باللغة العربية، يكون الأمر أكثر أصالة. إنه صوت حقيقي».

أحدث مخطوطة معروفة كتبها سعيد بالعربية تضمنت آيات سورة النصر، وفق ما ورد في كتاب ريتشارد برنت تيرنر «الإسلام في التجربة الأفريقية -الأمريكية». لكن بينما اعتقد سيده – وبعض الباحثين – أن عمر كان يترجم «صلاة الرب»، كان الرجل في الواقع يحافظ على إيمانه، بالرغم من الظروف الصعبة التي كان يعيشها.

ولأن الغائب قد يكون أكثر ثراء من الحاضر، تلفت ماري – جين ديب إلى احتمالية وجود مخطوطات عربية أخرى لم يكتشفها الباحثون بعد، قائلة: «أود أن أحث الناس على النظر في عَلاليّهم (الغرفة في الطبقة الثانية من الدار وما فوقها) ومعرفة ما إذا كان أجدادهم قد تركوا شيئًا هناك. إذا رأيت شيئًا ما مكتوبًا بلغة صعبة، فلا تتخلص منه. ربما يكون ثمينًا للغاية».

عبر موسيقى البلوز وغيرها.. هكذا خاض العبيد حرب الحفاظ على إسلامهم 

يشير تيرنر، الذي وصف سعيد بأنه «أشهر عبد أفريقي مسلم في فترة ما قبل الحرب»، إلى أن حالة سعيد تظهر كيف تكيَّف العبيد المسلمون الأفارقة من خلال «الجهاد الداخلي للحفاظ على إيمانهم في بيئة غريبة». وعلى الرغم من بعض الإشارات التي تشير إلى احتمالية تحوُّل سعيد إلى المسيحية ظاهريًا في عام 1821، إلا أن العلماء يؤكدون احتمالية بقائه على الإسلام؛ مستشهدين بصلوات ونصوص إسلامية أدرجها في كتاباته، ومقاطع قرآنية استهل بها سيرته الذاتية. يقول تيرنر كان يُنظَر إلى أسمائهم، ولباسهم، وطقوسهم، وشعائرهم الغذائية، باعتبارها مؤشرات قوية على الهوية الإسلامية في مجتمع العبيد.

وبصفته باحثًا في المجتمعات المسلمة في الغرب، يؤكد سعيد أحمد خان، المحاضر في جامعة وين ستيت عبر موقع ذا كونفرزيشن أن ملاك العبيد الأفارقة أجبروهم على التخلي عن عقيدتهم وشعائرهم الإسلامية؛ لفصلهم عن ثقافتهم وجذورهم الدينية، وكذلك «تمدينهم» باعتناق المسيحية.

لكن على الرغم من هذه الجهود، تؤكد المؤرخة سيلفيان ضيوف أن «العديد من العبيد حافظوا على جوانب من عاداتهم وتقاليدهم، ووجدوا طرقًا جديدة ومبتكرة للتعبير عنها». حتى أن موسيقى البلوز، أحد المكونات الجوهرية للثقافة الأمريكية، يمكن تتبع أصولها إلى التأثيرات الإسلامية في عهد العبيد، كما تقول ضيوف، مستشهدة بأغنية البلوز الشهيرة «Levee Call Holler» بأسلوبها ولحنها المقتبس من أذان المسلمين. 

أثرت موسيقى البلوز أيضًا على مجموعة أخرى من أنواع الموسيقى الأمريكية، بدءًا من موسيقى الروك أند رول، وحتى موسيقى الجاز الأمريكية الأكثر شهرة. ويبدو أن عازف الجاز الشهير جون كولترين، المعروف برائعته «A Love Supreme» متأثر بإيقاع الصلوات والتعبيرات الإسلامية، على نحو ما يؤكده الباحث هشام عايدي، مؤلف كتاب «Rebel Music». 

كيف حافظ المُستَعبَدون على إسلامهم؟

كيف يستطيع المسلمون المستعبدون الحفاظ على معتقداتهم بينما يُكرهون على تغيير اسمهم وتناول لحم الخنزير؟ هناك العديد من القصص اللافتة عن المستعبدين الذين ظلوا صامدين وحافظوا على إيمانهم في أشد الظروف قسوة، يرصدها موقع «Why Islam»:

(1) بعض العبيد، مثل كونتا كينتي الشهير، لم يسمحوا أبدًا لسيدهم بالسيطرة عليهم، ورفضوا تغيير اسمهم. حتى أثناء تعرضه للجلد، حين يسأله سيده مرارًا وتكرارًا: ما هو اسمك؟ كان يجيب في كل مرة: كونتا كينتي.

(2) البعض الآخر أُجبِر على تغيير اسمه، مثل أيوبا سليمان ديالو الذي سموه جوب بن سولومان. لكن إيمانه العميق بالله كان يهديه إلى قراءة الشهادتين كلما وجد نفسه في موقف عصيب. وكان يهرع إلى الغابة لأداء الصلاة، وفي النهاية حصل على حريته من العبودية. 

(3) على الرغم من أن معظم الصلوات كانت منفردة، إلا أن بعض العبيد استطاعوا أداء الصلوات الخمس في الأماكن العامة. بل تمكن بعض المسلمين من إقامة صلاة الجمعة.

(4) قصة المستعبَد السابق محمد يارو لا تزال مجهولة للكثيرين. كان قادرًا على القراءة والكتابة باللغة العربية، ويعتقد المؤرخون أنه جاء من عائلة مسلمة ثرية في غرب أفريقيا. اختُطِف ونقل إلى ولاية ماريلاند حيث استُعبِد لمدة 44 عامًا قبل أن يفوز بالحرية. لكنه لم ينشغل بنفسه، بل شرع في إقراض الأموال للتجار لتسيير أمورهم، حتى أنه امتلك أسهمًا في بنك كولومبيا – جورج تاون.

(5) كان العديد من العبيد يحفظون القرآن بالفعل، مما ساعدهم على الحفاظ على اللغة العربية من خلال قراءتها و/أو كتابتها. واستخدموا معرفتهم بالعربية للتواصل مع بعضهم البعض، وتدوين ما يحتاجه ملاكهم، حتى أن بعضهم تمكن من الكتابة إلى عائلته في الوطن.

من أجل هذا كله يقول موقع «Why Islam»: «إن القول بأن المسلمين المستعبدين كانوا يمارسون الشعائر الإسلامية ببساطة، لهو بخس لقيمة ما فعلوه، والأصح القول: إنهم كانوا يتنفسون الإسلام. كان الإسلام هو مصدر إلهامهم وأملهم، ومنه يستمدون المشورة في أحلك الظروف.

المصادر

تحميل المزيد