جمال النشار 20
جمال النشار 20

908

قبل ظهور السينما في أواخر القرن التاسع عشر، كانت فكرة «البروبجاندا» حيّةً ومستخدمة بوسائل شتى، تُعرِّف أغلب المصادر – ومنها موقع «study» الأكاديمي – البروبجاندا بالتعريف ذاته تقريبًا: «إنها شكل من أشكال التواصل بغرض التأثير في/أو التلاعب بمجموعة من الأشخاص لدعم فكرة ما، أو شكل من أشكال المناهج الفكرية، وتتخذ أشكال عدّة، مثل: الرسوم والكتابات، والخُطب والموسيقى، والأفلام».

مع بداية نشوب الحرب العالمية الأولى 1914، كانت البروبجاندا أو الدعاية المؤثرة تتخذ أشكالًا تقليدية من ضمنها السينما التي كانت فنًا مبكرًا وقتها، رغم ذلك يذكر التاريخ السينمائي محاولات بدائيّة لتوثيق بعض أحداث الحرب العالمية الأولى من خلال السينمائيين في فرنسا وألمانيا وروسيا والولايات المتحدة.

ولكن الانتشار الأكبر لفكرة البروبجاندا السينمائية كان عندما نمت شعبية السينما وتطوّرت تقنياتها، وصارت مصب اهتمام وشغف الكثير من الناس؛ إذ وجد بعض الساسة والقادة غايتهم في توظيفها دعائيًا. كانت أولى أكثر المحاولات شهرة في التاريخ على يد أدولف هتلر قبيل الحرب العالمية الثانية، ومنها اشتهرت الأفلام الدعائية بسوء سمعتها، وارتبطت بشكل كبير بالوجود والترويج النازي «للشر»، بينما هناك العديد من الشواهد والاستقراءات التي قد تخبرك بأن البروبجاندا قد توصم بالسوء بحسب المعسكر الذي يستخدمها ليس أكثر.

هتلر.. سيد البروباجاندا

أولى محاولات الحزب النازي لاستقطاب الشباب باستخدام البروباجاندا كانت من خلال فيلم Hitlerjunge Quex أو ما ترجمه الأمريكيون إلى: «رايتنا تقودنا إلى الأمام» والذي أنتج عام 1933، وتتمحور قصته حول حياة ومصرع الشاب «هيني فولكر» عضو منظّمة «شباب هتلر» لكوادر الحزب النازي الذي قُتل أثناء توزيع أحد منشورات النازية في إحدى الأحياء التي تعجّ بالشيوعيين.

الفيلم الذي حمل تقنيات سينمائية بارعة، وموسيقى مؤثرة كان له أثر كبير في إلهاب حماس أعضاء الحزب النازي، والشعب الألماني بشكل عام؛ إذ حمل صبغة الفدائية والتضحية بالنفس التي عادة ما تساهم في التأثير بشكل كبير في نفوس المشاهدين، خاصة عندما يلعب العمل على وتيرة المشاعر الوطنية.

ثم تلا ذلك العديد من الأفلام السينمائية التي أنتجها الحزب بعد سيطرته على صناعة السينما بشكل شبه كامل تقريبًا، واستعان في ذلك بأحد أهم الشخصيات في أروقة ألمانيا النازية وقتها: جوزيف جوبلز، وزير الدعاية النازية، والذي عمل بعد ذلك على صناعة العديد من الأفلام لخدمة أفكار الحزب، مثل Triumph of the Will أو «انتصار الإرادة» وJud Süß أو «سوتس اليهودي»، والذي اعتُبر واحدًا من أكثر الأفلام التي تروّج لأفكار عنصريّة تحرّض على معاداة لليهود، وقد كان الحزب النازي في تلك الحقبة يدعم هذه التوجّهات العنصريّة.

هوليوود تنضم للحرب.. كيف تغزو أمريكا العالم باستخدام الكاميرا؟

لم تغفل أمريكا عن استخدام أيّة أداة مهمّة ومؤثّرة من أجل الترويج لأفكارها وسياساتها؛ فقد استغلت آلتها الإعلامية الكبيرة في إنتاج أفلام الدعاية أو البروبجاندا للترويج لأفكار معادية لدول المحور – أعدائها في الحرب العالمية الثانية – من خلال العديد من الوسائل، وليس الفيلم فقط؛ فقد استخدمت أمريكا الملصقات الدعائية، وحتى القصص المصورة «الكوميكس»، والجرائد المحلية؛ أما الأفلام السينمائية فكان لها نصيب كبير؛ فقد أنتجت هوليوود بعد دخول أمريكا إلى الصراع العالمي، وتحديدًا بعد قصف ميناء بيرل هاربر، العديد من الأفلام الدعائية التي روجت لفكرة «شيطنة» دول المحور، وأبرزت البطولة الأمريكية.

من أشهر تلك الأعمال الوثائقية Divide and Conquer عام 1943، والذي أخرجه المخرج الأمريكي الشهير فرانك كابرا، والذي وثق انضمام أمريكا للحرب، وحتى الموقف الأمريكي شديد العدائية تجاه اليابانيين المقيمين في أمريكا: من عزل، واعتقالات، وترحيل، وقت إعلان الحرب وثقته الولايات المتحدة في عدة أفلام بروباجاندا لاستغلاله في تحذير كل من يتعاون مع قوات الحلفاء ضد مصلحة أمريكا.

الحرب الكورية.. أمريكا تحتاج إلى تجميل

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانت أمريكا قد بدأت في اتخاذ موقعها على قمة زعامة العالم؛ إذ أحكمت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سيطرتها على الجزء الجنوبي من كوريا، بينما كانت السيطرة الشمالية للاتحاد السوفيتي. وفي عام 1950 خلال الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، قررت حكومة الجزء الشمالي من كوريا احتلال الجزء الجنوبي وضمه تحت رايتها الشيوعية، وقد رأت الإدارة الأمريكية وقتها أن الاعتداء الكوري الشمالي الذي يقوده المعسكر الشرقيّ بقيادة الاتحاد السوفيتي والصين على كوريا الجنوبية يمثل ضررًا لأمنها القوميّ، وقررت التدخل المباشر في الحرب.

ولكن بعد نصر كبير لقوات كوريا الشمالية عام 1950، استمرّت الحرب لمدة ثلاث سنوات ضارية لم يستطع أي جانب فيها أن ينجح في الظفر بنصر حقيقيّ، أو سيطرة على أي أجزاء غير تابعة له؛ بعدها اضطرت أمريكا لإنها الحرب وسحب قواتها بعد إعلان اتفاق سلام بين الكوريتين.

هنا كانت الولايات المتحدة في حاجة ماسة إلى «تجميل» وجه تلك الحرب؛ إذ بدت أمام العالم أنها لم تستطيع الظفر بأهدافها بشكل كامل، ولم يكن إلا النصر المُدوّي يتوقّعه العالم من دولة بقوة أمريكا التي تزعّمت العالم بعد الحرب العالميّة الثانية. هنا لعبت هوليوود دورًا هامًا في إنتاج أفلام عن الحرب الكورية، تُظهر بطولة وشجاعة ونُبل الجيش الأمريكي، الذي اتهمته دول المعسكر الشرقي وقتها أنه دخل في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، وقد عملت هذه الأفلام بهدف توصيل صورة المنتصر إلى الشعب الأمريكي أولًا، وإلى العالم ثانيًا.

سباق الفضاء.. سنصل إلى القمر قبلكم!

كانت فترة الستينات تشهد ذروة الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، وبات أحد عناصر هذا الصراع – بخلاف التسلح – سباق ارتياد الفضاء، فبعدما أدهش الاتحاد السوفيتي العالمَ بوضع أول قمر صناعي في العالم عام 1957 باسم «سبوتنيك»، ثم تلا ذلك إرسال أول رجل إلى الفضاء: «يوري جاجارين» عام 1961، بدأت أمريكا في حشد كل ما تستطيع من قوى للحاق بالخصم المتقدم في هذا المجال، وبات تخطي تلك الإنجازات يمثّل أولويّة قصوى؛ وقد وضعت الولايات المتّحدة هدفًا من أجل ذلك، تمثّل في تحدّي الوصول إلى القمر، ومن ثم بدأت حرب البروبجاندا بين الطرفين في إبراز التقدم في مجال ارتياد الفضاء.

هنا بدأت هوليود في اتخاذ موقعها المعتاد في دعم الأهداف والمصالح الأمريكية، وبدأت في إنتاج العديد من أفلام الخيال العلمي، وارتياد الفضاء والكواكب، وقد تربعت على قمة تلك القائمة من الأفلام فيلم 2001:space odyssey عام 1968 الذي تناول أفكار مستقبلية طموحة، من أهمها ارتياد القمر الذي كان وقتها يمثل تحدياً كبيراً، والذي لم يلبث أن تحقق بعد صدور الفيلم المبهر القريب من الواقع بعام واحد فقط، بهبوط الأمريكيين على القمر عام 1969.

رامبو.. حلم النصر الذي لم تنله أمريكا في فيتنام  

ألقت أمريكا بجنودها في أتون معركة ضارية عام 1965، دون أن يكون هناك أي اعتداء مباشر عليها، وقررت التدخل في حرب ضارية بدأت عام 1955 إثر خلافات بين دول جنوب شرق آسيا، تكبّدت على إثرها أمريكا خسائر فادحة، ورغم رفض الكثير من المؤرخين الاعتراف الكامل بهزيمة أمريكا كقوة عظمى في حرب فيتنام، إلا أن الأرقام الرسمية – التي عادة لا تكذب – أثبتت خسارة ما يقرب من 60 ألف جندي أمريكي.

اقرأ أيضًا: كيف استخدم «سي. آي. إيه» هوليوود لتنفيذ أغراضه السياسية

بعد سحب قواتها من مستنقع الحرب في فيتنام؛ عكفت هوليوود على صناعة العديد من الأفلام التي حاولت التصالح مع الهزيمة بإبراز ويلات الحرب، ومعاناة الجنود الأمريكان، مثل: full metal jacket للمخرج ستانلي كوبريك، كما عملت أفلام أخرى على إبراز البطولات الأمريكية في تلك الحرب التي خسرتها، مثل: Apocalypse Now.

أما الفيلم الأكثر شهرة في دعم بروباجاندا الجندي الأمريكي، فهو First Blood الذي تناول قصة خيالية لضابط أمريكي يدعى «جون رامبو»، والذي ينجح في الفرار والنجاة بحياته من قبضة أحد سادة الحرب الشرسين في فيتنام بعد معارك أسطورية خاضها بمفرده، وقد لاقى نجاحًا كبيرًا، رغم عدم تطابق النهاية فيه مع الواقع المؤلم، بالإضافة إلى الخروقات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها القوات الأمريكية ضد الشعب الفيتنامي. وبينما نجا رامبو بمفرده دون أي خسائر من جحيم الحرب في فيتنام على شاشات السينما، خرج الجيش الأمريكي في الواقع بهزيمة وخسائر كبرى؛ إذ كان الفيلم بمثابة حلم خيالي، لم يتحقق بالنسبة للشعب الأمريكي.
شاهد المقطع التشويقي لفيلم first blood:

ستتدخل أمريكا المُنقذة.. كل شيء سيكون بخير!

منذ الثمانيات وحتى اليوم، تدخّل الجيش الأمريكي في أكثر من حرب في الشرق الأوسط، وخلال تلك العقود أنتجت هوليوود العديد من أفلام خيالية الأحداث، حقيقية الإطار، وتناولت التدخل العسكري الأمريكي في دول أخرى، من أشهرها black hawk down المنتج سنة 2001، والذي يروي قصة التدخل الأمريكي في الصومال عام 1993. امتلأ الفيلم بالحركة والتشويق، وأبرزَ بطولة المقاتلين الأمريكيين في التصدي العنيف لأحد الزعماء المتمردين، بالإضافة إلى فيلم American sniper المنتج سنة 2014، الذي يظهر بطولة أحد القنّاصين الأمريكان في اغتيال العراقيين أثناء حرب العراق، والتي راح ضحيّتها مئات الآلاف من العراقيين.

حكى فيلم Zero Dark Thirty عمليّة الجيش الأمريكي لاغتيال زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن، إذ يتعمّد صنّاع الفيلم إظهار تفوق العناصر الأمريكية في الوصول إلى هدف استراتيجي ظل على قمة أولوياتها لـ10 سنوات. 

كما أنتجت هوليوود العديد من الأفلام غير الحربية التي هدفت إلى إظهار التفوق الأمريكي في مجالات أخرى، مثل فيلم Argo، الذي تناول قضية رهائن السفارة الأمريكية أثناء الثورة الإيرانية، وكيف نجحت الاستخبارات الأمريكية في التدخل لإنقاذهم ببراعة وبطولة. ولا تقتصر هوليوود على إنتاج أفلام دعائيّة حربيّة، أو خيال علميّ، بل تتّجه إلى تصنيفات أخرى قد تخدم أفكارها بشكل غير مباشر، مثل الفيلم الكوميدي the interview، الذي يتناول قصة استعانة المخابرات الأمريكية بمذيع تلفزيوني لاغتيال زعيم كوريا الشمالية، وغيرها من الأفلام التي من السهل أن تلمح فيها إبراز التفوق الأمريكي، سواء عن طريق الكوميديا، أو الحركة، أو حتى الترميز من خلال إنقاذ العالم بواسطة أبطال أمريكا الخارقين، أو التصدي للغزو القادم من الفضاء.