باتت المواقف المتعارضة بين كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الراهن، وبالتزامن مع جملة القضايا المتنازع عليها في المنطقة العربية والإقليمية وحتى الدولية؛ الأقرب إلى أواخر الستينيات من القرن الماضي قبل سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1990.

عودة الخلافات، والانقسامات المتكررة بين البلدين أفرزتها الأحداث الجارية في الساحة الدولية، لاسيما الأزمة الأوكرانية الأخيرة والمتعلقة بشبه جزيرة القرم، والصراع الدائر في سوريا، إلى جانب الملف النووي الإيراني، والنزاع على مناطق النفوذ في أمريكا اللاتينية وغيرها.

“ساسة بوست” استعرضت أبرز المسائل المختلف عليها بين الدولتين منذ سنوات وحتى الآن، فضلاً عن استطرادها لتطور العلاقات التاريخية بينهما في التقرير التالي:

أهم ستة خلافات طفت على سطح العلاقات الروسية الأمريكية مؤخرًا وحديثًا:

1.الأزمة الأوكرانية:

خلال فض اعتصام المعارضين الأوكرانيين

من وجهة نظر روسيا فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي من خلقت الأزمة الأوكرانية الحالية، ولا زالت تعمل على تضليل الرأي العام الدولي حول ما يسمى بالتدخل الروسي في شبه جزيرة القرم في محاولة للتغطية على مشاريعها وأطماعها الرامية إلى الهيمنة على أوكرانيا وجعلها محمية أمريكية لتطويق الدولة الروسية بقواعد حلف الناتو المزمع إقامتها على الأرض الأوكرانية، والضغط على الحكومة الأوكرانية لطرد الأسطول الروسي المقيم في جزيرة القرم منذ أكثر من 200 عام وفقًا للمعاهدة الموقعة بين روسيا الاتحادية وحكومة أوكرانيا السابقة والتي يقدم بموجبها الروس 7 مليارات دولار سنويًّا كإيجار للقاعدة البحرية في ميناء سيفاستوبول.

أما أمريكا فقد اعتبرت ما يجري في شبه جزيرة القرم تدخلاً عسكريًّا روسيًّا، حتى إنها أرسلت سفنها الحربية لسواحل القرم ردًّا على الحشد العسكري الروسي في شبه الجزيرة، ما أدى إلى توتر العلاقات بين الجانبين.

ويشار إلى أنه منذ اندلاع الثورة البرتقالية في 2004 ومثلها في جورجيا وقرغيزيا، فقد اعتبرتها روسيا منذ البداية محاولة أمريكية لتغيير النظم الموالية والصديقة لروسيا في منطقة أوراسيا والبلقان وشرق أوروبا عمومًا؛ حيث كانت إدارة الرئيس بوش الابن، ومن قبلها إدارة كلينتون، قد تبنت إستراتيجيات “نشر الديمقراطية ” و”تغيير النظم” منذ نهاية الحرب الباردة في محاولة لنشر النموذج الديمقراطية الليبرالية حول العالم.

2- الأزمة السورية:

وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرجي لافروف خلال بحثهما الأزمة السورية

يدرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن سوريا أهم وأخطر من أن تُترك لعناصر متطرفة تهيمن عليها وتتحكم في مصيرها ومصير العراق ولبنان والأردن وربما أيضًا تركيا، حتى إن روسيا تَعدُّ قضية سوريا هي أهم معركة لها في البحر المتوسط لأنه بخروجها من هذه المياه فإنها تكون قد غادرت الشرق الأوسط كله بعد أن خرجت من ليبيا والعراق، ويثبت هذا تحرك الأساطيل والاستعراض بالقوة البحرية من خلال وجود الأسطول الروسي أمام الساحل السوري ووجود الأسطول السادس الأمريكي وبعض سفن الأسطول الفرنسي والبريطاني في عرض المتوسط وأمام السواحل الليبية.

بينما عملت الولايات المتحدة الأمريكية على حشد المجتمع الدولي ضد روسيا والصين في الأمم المتحدة من أجل شن الحرب على سوريا ولكن الحرب الباردة امتدت معاركها إلى داخل أروقة الجمعية العامة ومجلس الأمن وتم إحباط التصويت على شن حرب على النظام السوري من خلال الفيتو الروسي والصيني .

3- الملف النووي الإيراني:

مندوبو الدول العظمى الست بما فيهم إيران وروسيا وأمريكا

يعتبر التعاون النووي الروسي الإيراني من أهم مشاكل الصراع بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، فنجد أن روسيا لا تدعم السياسة الأمريكية التي تقوم على فرض عقوبات اقتصادية جديدة على إيران وعزلها سياسيًّا، وهذا مما يبقي الخلافات بين الدولتين حول الملف النووي الإيراني قائمة حتى الآن.

وأصبح البرنامج النووي الإيراني يطرح في الاجتماعات واللقاءات الرسمية وغير الرسمية لقادة الدولتين الروسية والأمريكية, وذلك نظرًا للمخاوف الأمريكية من سعي طهران إلى امتلاك سلاح عسكري نووي يهدد أمن منطقة الشرق الأوسط والعالم، كما يهدد إسرائيل ويغير التوازن العسكري القائم في المنطقة.

وبناء على ذلك تضغط أمريكا على روسيا من جانب وتسعى لمساومتها في ملفات أخرى من جانب آخر, لأجل أن توقف روسيا تزويد طهران بالتكنولوجيا النووية, ولكن روسيا مستمرة في الدعم الذي تقدمه لإيران في مجال التكنولوجيا وفق اتفاقيات موقعه بين الدولتين.

4- الاستحواذ على الشرق الأوسط:

الرئيسان الأمريكي باراك أوباما والروسي ديمتري ميدفيدف

إن الارتفاع الأخير في أسعار البترول انعكس بالإيجاب على الاقتصاد الروسي, ولهذا بدأت روسيا تستعيد دورها في المناطق التي تراجع فيها هذا الدور منها منطقة الشرق الأوسط، وبسبب الحرب الأمريكية على العراق وتحريكها لجيوش الناتو في إسقاط الأنظمة باسم الشرعية الدولية واحتلالها, والممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني وعدوانها على لبنان، والدعم الأمريكي الواضح لإسرائيل؛ فقد أصبحت المنطقة تعاني من عدم الاستقرار نتيجة سياسة الولايات المتحدة القائمة على استخدام القوة في العلاقات الدولية ولانحيازها لإسرائيل.

وساعد ذلك على زيادة ردود الفعل الشعبية ضد السياسة الأمريكية في المنطقة وساهم في تعزيز الحضور الروسي فيها، لاسيما وأنها تدعو باستمرار إلى حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني بالطرق السلمية وإلى مشاركة كل الأطراف في عملية السلام وشاركت روسيا كعضو في اللجنة الرباعية لحل النزاع في الشرق الأوسط ووقفت ضد نصب الجدار العازل, إضافة إلى إدانتها للممارسات الإسرائيلية, وهذا عزز من الدور الروسي في المنطقة، وتطور إلى عقد اتفاقيات عسكرية واقتصادية مع عدد من البلدان العربية.

وما موقف روسيا الأخير في مجلس الأمن باتخاذ قرار الفيتو ضد فرض عقوبات على سوريا إلا تأكيد على حيوية هذا الدور في السياسة الخارجية وعلى التأثير المباشر على الأحداث في الشرق الأوسط والعالم، الأمر الذي يقلق الولايات المتحدة الأمريكية.

5- الصراع على مناطق النفوذ في أمريكا اللاتينية:

أبرز المناطق الفرعية المشتركة في أمريكا اللاتينية

أصبحت أمريكا اللاتينية أحد مناطق الصراع والخلافات بين الدولتين، بعد أن استعادت روسيا دورها وحضورها في السياسة الدولية، والصراع على النفوذ في هذه المنطقة الحيوية في تصاعد بين الدولتين كما هو في المناطق الأخرى في الشرق الأوسط والقوقاز وفي أوروبا والقارة الإفريقية وغيرها من مناطق العالم، وما يؤشر للحضور الروسي القوي في هذه المنطقة التي يطلق عليها البعض (بالبارك الأمريكي) لقربها من الولايات المتحدة الأمريكية، هو زيارة الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف للمنطقة وحضوره للمناورات العسكرية البحرية المشتركة في البحر الكاريبي في منتصف نوفمبر 2008، ثم زيارته إلى البرازيل وفنزويلا وافتتاحه للمناورات البحرية المشتركة.

وكانت العلاقات قد تدهورت كثيرًا خلال فترة يلتسن، وقد قدمت موسكو مؤخرًا قرضًا لكوبا قدره 20 مليون دولار لاستخدامه في مجالات البترول والمناجم، كما جرت العديد من المناورات العسكرية بمشاركة الطائرات والسفن البحرية الروسية، الأمر الذي يعد مؤشرًا على الحضور والنفوذ الروسي في أمريكا اللاتينية؛ حيث تعكس رغبة هذه الدول في التخلص من التبعية والارتهان للولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب تأكيدها على التقاء توجهات هذه الدول مع روسيا نحو عالم متعدد الأقطاب.

6- الخلافات حول القوقاز:

خارطة توضح أبرز مناطق القوقاز

هناك صراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا حول مناطق النفوذ في منطقة القوقاز، بسبب الموارد النفطية في بحر قزوين، حيث تعتبر مناطق عبور لخط أنابيب بحر قزوين، إلى جانب معارضة روسيا انتماء هذه الدول لحلف الناتو وإقامة قواعد عسكرية للحلف على أراضيها.

وترفض روسيا الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة؛ حيث تعتبر أن جورجيا هي الطرف الذي يسهل هذا الحضور العسكري، وتعتبر جورجيا أن روسيا تعيق استعادة سيطرتها على أبخازيا، ويقف الغرب مع جورجيا في هذا الادعاء، وبسبب إصرار جورجيا على منع استقلال أوسيتيا الجنوبية وضمها إلى جورجيا بالقوة العسكرية، فقد تحول الصراع الإقليمي إلى صراع بين روسيا والولايات المتحدة وأصبحت العلاقات بين موسكو وواشنطن في وضع صعب بسبب الصراع حول القوقاز .

وبالنسبة لتطور العلاقات التاريخية بين البلدين فكانت على النحو الآتي:

1.العلاقات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر:

بدأ التجار الروس منذ أواسط القرن السابع عشر بممارسة التجارة بنشاط في أراضي أمريكا اللاتينية وفي جزر المحيط الهادئ وشبه جزيرة ألاسكا وفي أراضي ولايات كاليفورنيا وأوريغون وواشنطن الحالية، وأسسوا مراكز سكنية ومدنًا خاصة بهم أطلقت عليها تسمية “أمريكا الروسية”.

وجرى أول اتصال روسي – أمريكي على أرفع مستوى حين التقى القيصر بطرس الأكبر مع وليام بين، مؤسس المستوطنة البريطانية بنسلفانيا في أمريكا في عام 1698 والذي يعتبر في الواقع أحد مؤسسي الدولة التي أصبحت فيما بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وناقش الأرستقراطي البريطاني مع القيصر الروسي فكرة نظام الدولة العادل.

وفي أثناء الحرب العالمية الأولى التي بدأت في عام 1914 دعمت الولايات المتحدة بلدان أنتانتا – تكتل البلدان الذي ضم روسيا أيضًا – وبعد قيام ثورة عام 1917 في روسيا رفضت الدولة الأمريكية الشمالية الاعتراف بحكومة البلاشفة التي استولت على السلطة وقدمت الدعم إلى الجيش الأبيض الذي حارب السلطة الجديدة بتزويده بالمال والمواد الغذائية، وفي أعوام 1918–1920 شاركت القوات الأمريكية سوية مع قوات بريطانيا وفرنسا واليابان في التدخل العسكري في شرق وشمال روسيا.

2- التعاون في فترة الحرب العالمية الثانية:

انضم الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة في أثناء الحرب العالمية الثانية إلى الائتلاف المعادي لهتلر، وفور الغزو الألماني للاتحاد السوفييتي في يونيو/ حزيران عام 1941 أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا عن دعمهما للاتحاد السوفييتي وأخذتا تقدمان المساعدات الاقتصادية إليه.

وكانت قوافل السفن الأمريكية والبريطانية تتعرض إلى أخطار كبيرة لأن البوارج والغواصات الألمانية كانت تتابعها بنشاط في البحار والمحيطات، وأرسلت من موانئ إنجلترا وأسكتلندا وآيسلندا إجمالاً إلى ميناء مورمانسك وغيره من الموانئ الشمالية السوفيتية 42 قافلة (722 شحنة نقل) وإيابًا 36 قافلة.

3- التعامل في مجال نزع السلاح:

منذ 31 أغسطس/آب عام 1963 بدأ يعمل خط الاتصال الساخن بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وفي عام 1963 وقعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا العظمى معاهدة موسكو لحظر التجارب النووية في الجو والفضاء الكوني وتحت الماء.

وفي عام 1968 وقع كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة مع الدول الأخرى معاهدة حظر انتشار السلاح النووي، وفي 30 سبتمبر/ أيلول عام 1971 تم توقيع الاتفاقية الخاصة بإجراءات الحد من خطر نشوب الحرب النووية بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة التي نصت على تقديم إبلاغات عن وقوع حوادث لها علاقة بالسلاح النووي عبر خط الاتصال الساخن.

4- العلاقات في القرن الـ21:

تعتبر العلاقات مع الولايات المتحدة من أولويات السياسة الخارجية الروسية وعاملاً هامًّا في إشاعة الاستقرار الدولي، وقد ثبتت مبادئ حوار الشراكة الثنائي في إعلان موسكو حول العلاقات الإستراتيجية الجديدة الذي وقعه الرئيسان الروسي والأمريكي في مايو/أيار عام 2002؛ حيث حددت الاتجاهات الأولية للتعاون الثنائي وهي العمل المشترك لصالح الأمن الدولي والاستقرار الإستراتيجي ومكافحة الإرهاب الدولي ومواجهة الأخطار والتحديات الأخرى الشاملة الجديدة ودعم حل النزاعات الإقليمية وتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية وتوسيع الاتصالات بين الأفراد.

5- العلاقات الاقتصادية:

تعتبر اتفاقية العلاقات التجارية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الموقعة في عام 1990 وبدأ تنفيذها حيال روسيا في عام 1992 الوثيقة الأساسية التي تتحكم بالعلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.

وفي عام 1993 بدأ سريان مفعول المعاهدة الموقعة في 17 يونيو/حزيران عام 1992 بين روسيا والولايات المتحدة حول تجنب الضريبة المزدوجة والحيلولة دون التهرب من الضرائب فيما يخص ضريبة الدخل والرأسمال.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد