يحكي فيلم American Sniper عن الفرق بين الأبيض والأسود؛ بين الخير والشر، إلا أنه يدور بأكمله تقريبًا حول حرب العراق، والتي لا يمكن وصفها سوى بدرجاتٍ مختلفة من اللون الرمادي. كان على صناع الفيلم الاختيار بين تغيير الرواية لتلائم رمادية الموقف، أو تغيير حقائق التاريخ، واختاروا الاختيار الثاني.

تبنى الفيلم منهجًا تضليليًا؛ إذ صوّر الحرب على العراق كأنها حرب الأمريكيين الطيبين ضد الإرهابيين الأشرار، بقيادة ‹‹كريس كايل›› أطيب الأمريكيين. نتيجة لذلك، خرج الفيلم مشابهًا لفيديوهات العمليات الاستشهادية لحزب الله؛ مثل تلك التي تعرضها قنوات فوكس الإخبارية للترويج للحرب الثقافية المتطرفة. حرب العراق في العالم الذي ينتمي إليه الفيلم ما هي إلا امتداد للحرب على الإرهاب، فالأبطال الحاملون للأسلحة هم أملنا الوحيد في الخلاص، وكل من يشكك في ذلك جزءٌ من المشكلة. وإن دل نجاح الفيلم الكبير في شباك التذاكر وترشيحه لعدة جوائز على شيءٍ فيدل على أن الدعاية فعّالة بصورةٍ مخيفة!

حرب الأبيض والأسود

تتلخص الحكمة الأخلاقية المركزية التي يقوم عليها الفيلم بأكمله في صوت والد كايل خلال استرجاعه –كايل- لمشهدٍ من طفولته، يشرح والد كايل لابنه أن هناك ثلاثة أنواع من الناس في هذا العالم؛ الذئاب، والخِراف، وكلاب رعي الأغنام. الذئاب الشريرة تهدد الخِراف، والخِراف أناس طيبون ولكنهم عرضة للأذى لأنهم ساذجون للغاية بحيث لا يفهمون أن الشر موجود بالفعل، مما يعني أن على كلاب الرعي حمايتهم من الأذى.

يمثل كايل وفقًا لهذا التشبيه الكلب الراعي لأمريكا، الذي يحمي الضعفاء من الأذى، والذئاب الكبار الأشرار في الفيلم هم إرهابيو القاعدة، ويقودهم رجلٌ سايكوباتي يعذب الأطفال ورفيقه الرامي. أما الخِراف فهُم الأمريكيون الآخرون الذين يفتقدون لرؤية كايل وشجاعته، ويفشلون في استيعاب مفهوم ‹‹إذا لم تكُن معنا، فأنت ضدنا››، ويشملون حتى أفراد القوات الأمريكية الذين يفتقدون لمهارة كايل، أو يجرؤون على التشكيك في الحرب. أما العراقيون فهم على النقيض، ليسوا خِرافًا؛ ففي هذا الفيلم هُم إما ذئاب أو مجرد خسائر مجهولة، ولكنهم في أغلب الأحيان ذئاب.

الذئاب في الفيلم

تمتلئ قصة الفيلم بشخصياتٍ وتاريخٍ خياليين لخلق عدو شرير ملائم ليقاتله كايل. ليس من الجيد أبدًا أن ترى فيلمًا يزيِّف قصةً حقيقيةً، لكن موقف American Sniper المزدري للحقيقة خادعٌ بصورةٍ خاصةٍ في ضوء رسالته الأكبر

‹‹إما أن تكون معنا أو تكون خروفًا ساذجًا››.

أعاد الفيلم كتابة التاريخ لمضاعفة حجم الذئاب ومدى سوئهم، محولاً حرب العراق إلى ردٍّ على هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001؛ يفسح الفيلم مجالاً لمشهدٍ كامل لكايل يشاهد التقارير الإخبارية عن تفجيرات القاعدة للسفارات الأمريكية عام 1998، واصطدام الطائرات بالبرجين في الحادي عشر من سبتمبر، وعندما يصل كايل إلى العراق يقول قائده إنهم يصطادون قادة القاعدة في العراق. الاستنتاج الذي يُفترض أن نخرج به واضح؛ كايل يحارب نفس الأشخاص الذين هاجموا أمريكا في عامي 1998 و 2001.

وعلى العكس، لم تُذكَر الأسباب الحقيقية لحرب العراق، لم تُنطَق أبدًا خلال الفيلم كلمات مثل ‹‹صدام حسين›› أو ‹‹جورج بوش›› أو ‹‹سنة›› أو ‹‹شيعة›› أو ‹‹أسلحة الدمار الشامل››.

تصوير الحرب بهذا الشكل، كما يقول زاك بوشامب، خادعًا بصورةٍ مذهلة. لم تكن حرب العراق ردًّا على أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ بل كانت حربًا اختارت أمريكا الدخول فيها استنادًا إلى تقاريرٍ عن أسلحة الدمار الشامل، والتي كانت غير قابلة للتصديق آنذاك وثبت خطؤها بعد ذلك.

أما في الحقيقة، فقال كريس كايل أن أمريكا مدينة لجنودها بالدعم لأن هؤلاء الجنود لم يختاروا الحروب التي خاضوها، ولا الاستراتيجية التي اتبعوها؛ فقد كتبوا شيكًا على بياض للحكومة بحياتهم ثم انتظروا ليروا إذا ما كان هذا الشيك سيُصرَف أم لا. يمكن صنع فيلم مثير للاهتمام حول هذه الفكرة، وحول معنى أن يكون الجندي بطلاً في حربٍ مضللة، ولكن American Sniper ليس هذا الفيلم.

يُعلي الفيلم بدلاً من ذلك من قيمة فكرة حرب الخير مقابل الشر من خلال توفير عدوين تخيليين لكايل وهما؛ ‹‹الجزار›› وهو أحد أذرع القاعدة في العراق ويشتهر بوحشيته، و‹‹مصطفى›› وهو سوري حاصل على ميداليات أولمبية في الرماية، ولكنه يقضي أيامه الآن قناصًا تابعًا للقاعدة، ينتقي الجنود الأمريكيين بينما يقومون بعملهم النبيل.

يتجسّد الجزار في صورةٍ شريرة؛ إذ يستخدم مِثقابًا آليًا لتعذيب طفلٍ حتى الموت أمام أسرته. يبدو معمله الكامن في مطعمٍ مهجورٍ كموقع تصوير برنامج طهي يقدمه هانيبال ليكتر، فالجثث المشوهة المقيدة بالسلاسل تتدلى من سقف المطبخ، وتمتلئ أرفف التخزين بأعضاء مبتورة.

أما مصطفى على الجانب الآخر، فهو النسخة غريبة الأطوار من كريس كايل، وهو بارع في استخدام البندقية بالقدر ذاته، ولكن بدلاً من حماية الجنود الأمريكيين كالبطل، يصطادهم واحدًا تلو الآخر، على نحوٍ شريرٍ كما تعلمون!

الخِراف في الفيلم

ليس المدنيين العراقيين الذين يروّعهم الجزار هم الخِراف، فباستثناء الطفل القتيل ووالده الذي طالب بالفدية، يُصوَّر العراقيون كلهم تقريبًا في الفيلم إما كإرهابيين أو متعاطفين مع الإرهابيين. ولكن الخِراف الذين يحميهم كايل هم الجنود الأمريكيون الآخرون، وهي رؤية مزدرية لشجاعة الجنود ومهاراتهم وهو أمر مفاجئ بالنسبة لفيلمٍ تلقى الكثير من الإطراء لدعمه للجنود.

يحكي الفيلم أن افتقاد الجنود العاديين للتدريب الجوي والبحري والبري اللازم يُفقِدهم أهميتهم في صد هجمات المتمردين، وفي أحد المشاهد يترك كايل موقعه ليقود مجموعةً من جنود البحرية في أثناء تفقدهم للمباني في الفالوجة، ويقول، للجنود المنبهرين الممتنين لكرم البطل كريس كايل وانضمامه لهم، أن بإمكانه تعليمهم بعض الأمور. ينتمي حتى شقيق كايل للخراف، إذ ينتشر مع جنود البحرية الآخرين، وعندما يراه كايل لاحقًا على ممر طائرات عراقي يجده يرتجف منهكًا من صدمة المعركة.

لو كان هذا الفيلم مختلفًا لكان اعترف بأن هؤلاء الجنود أكثر بطولةً من كايل من عدة جوانب، فقد أقدموا على مخاطراتٍ أكبر بتدريبٍ أقل، وفقد العديد منهم حياته في المعارك نتيجة لذلك. ولكنه يصوّرهم بدلاً من ذلك كمجموعةٍ من الحيوانات غير المتميزة التي تنتظر إنقاذ كريس كايل لها. والأسوأ من ذلك، أن الفيلم يلومهم بوضوحٍ على الأخطار التي واجهتهم، فالخِراف في خطرٍ لأنهم ساذجون لدرجة أنهم لا يفهمون الشر الموجود في العالم، ليس لأنهم غير مدربين ولا يتمتعون بمواردٍ كافية.

الفيلم واضحٌ بلا شك في هذه النقطة، في مشهدٍ يصور جنازة مارك لي؛ صديق كايل وزميله الذي قُتل في الحرب، تقرأ والدته خطابًا مؤثرًا كتبه قبل وفاته بأسابيع، وشكك فيه في شرف الحرب وأوضح تخوفه من أنها قد تؤدي إلى حملةٍ صليبيةٍ غير مبررة. قد يبدو لبضعة ثوانٍ أن الفيلم يحاول الاصطدام مع عدالة الحرب نفسها، أو على الأقل الوضع في الاعتبار أن الشخص قد يكون بطلاً ومتناقضًا وجدانيًا بشأن المهمة الكبرى في الوقت ذاته.

لكن الفيلم لم يفعل ذلك، بل يظهر في المشهد التالي كايل غاضبًا هائجًا مُصرًا أن هذا الخطاب هو ما تسبب في قتل مارك، وليس الرصاصة التي أصابته. ففي عالم القناص الأمريكي، مجرد الشك في دورك كبطلٍ مدافع عن الخير وعدوٍ للشر حالةٌ قاتلة. 

كلاب الرعي

تعبر نظرة ‹‹إما معنا أو ضدنا›› هذه عن مشكلةٍ كبيرةٍ، فالفيلم لا يروج فقط لرؤية حرب العراق، وإنما يروج لرؤية العنف باعتباره المقاومة الوحيدة الفعالة في وجه قوى الشر. إن كايل في الفيلم معصومٌ من الخطأ، فلا نراه يطلق النار على مدنيٍ ظنًا منه أنه مقاتل قط. عندما يخبره جنديٌ آخر أن زوجة أحد قتلاه –كايل- تزعم أن زوجها كان يحمل القرآن ولم يكن يحمل مسدسًا، يطرد مخاوفه قائلاً: ‹‹أنا لا أعرف كيف يبدو القرآن››، قبل أن يصف له بالتفصيل نوع المسدس الذي كان يحمله الرجل.

عندما يطلق كايل النار على طفلٍ وامرأةٍ في أحد المشاهد، يحرص الفيلم على توضيح انفجار القنبلة اليدوية التي كانا يحملانها، ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن كايل كان محقًا بشأن الخطر الذي شكلاه على القوات الأمريكية. وفي أحد المشاهد عندما يخالف كايل أمرًا بوقف إطلاق النيران ويكاد يتسبب في مقتل فريقه بأكمله، يثبت الفيلم صحة قراره في نهاية الأمر؛ فهو يقتل الشرير وينجو الرجال الطيبون جميعًا دون خسائر.

يعزز ذلك بناء الفيلم القائم على فكرة صراع الخير والشر؛ الخِراف والذئاب. وبما أن كايل على حقٍّ دائمًا فأي حدودٍ تُفرَض على استخدامه للقوة ستُعرِّض الجنود الأمريكيين بلا شك للخطر، وهذا أمر لا يريده سوى الخِراف الساذجة. ولكن الادعاء بأن كلاب الرعي الأبطال المحاربين لم يقتلوا المدنيين عن طريق الخطأ كذبةٌ خطيرة حول الطبيعة الحقيقية للقتال.

في العالم الحقيقي يقتل حتى الجنود ذوو النوايا الحسنة أشخاصًا أبرياء أحيانًا، لأن هذه هي الحرب! وادعاء غير ذلك إهانةٌ للكثير من قدامى المحاربين الأمريكيين الذين أمضوا بقية حياتهم يتألمون بسبب أفعالهم خلال حرب العراق، وإهانةٌ لآلاف العراقيين الأبرياء الذين قُتِلوا منذ بدء الصراع. وهو خطير أيضًا لأنه يقول للأمريكيين ألّا يشعروا بقلقٍ بشأن الأذى الذي قد تسببه حروبنا للمدنيين؛ فجميعهم على الأرجح إرهابيون على أي حال. من السيء إخفاء تلك الحقائق وراء تعبيراتٍ مثل ‹‹أضرار تبعية››، ولكن الأسوأ من ذلك بكثير عدم ذكرها في القصة مطلقًا.

النتيجة

تغريدات بعض المتأثرين بالفيلم

من غير المفاجئ أن نجد بعد كل ذلك أن أثر رسالة الفيلم هي أن المسلمين أشرار وينبغي قتلهم. توضح تلك التغريدات مدى تأثر بعض الناس بالفيلم لدرجة أن يقول أحدهم إن الفيلم:  ‹‹يجعلني أرغب في قتل بعض العرب››، ويقول آخر أنه من الجيد مشاهدة فيلم يصور العرب على حقيقتهم؛ بعض الحثالة الطفيلية التي تريد تدمير أمريكا، بينما يقول ثالث إن الفيلم جعله يقدّر الجنود أكثر ويكره المسلمين أكثر وأكثر.

كان الفيلم سيكون سيئًا بما يكفي إذا كان مجرد تصوير غير دقيق صادم لحرب العراق، وإهانة مروعة للعراقيين أنفسهم، ولكنه أسوأ من ذلك، لأنه يغذي رواية أن العالم المتحضر في حربٍ مع المسلمين، وأن الحل الوحيد هو الرد بالعنف الساحق، وأن من يرفضون تصديق ذلك ساذجون – أو خِراف- يقللون بشدة من أمن أمريكا.

ليست هذه القصة قاصرة على أفلام كلينت إيستوود التي تستغل الحرب، ولكنك ستسمع الشيء نفسه في قناة فوكس الإخبارية؛ حيث طالبت جَنين بيرو في الشهر الجاري في غضبٍ شديد بالقتل الجماعي كحلٍ لمشكلة تطرف المسلمين، وتزعم القناة على نحوٍ متكررٍ أن الإسلاميين الراديكاليين قد سيطروا على أجزاءٍ من مدنٍ أوروبية وحولوها لمناطق للمسلمين فقط. وهي بهذا المنطق تتبع أسلوبها الخاص من التطرف الخطير، فمقدماتها خاطئة ونتائجها خطيرة. ويشكِّل فيلم ِAmerican Sniper بتعزيزه لهذه الرواية جزءًا من المشكلة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد