المشكلة الرئيسية التي تمثلها أوكرانيا لروسيا، بعيدًا عن التهديد الجغرافي طويل المدى، هي أزمة الشرعية الداخلية. فبعدما أنفق الرئيس بوتين عمره في السلطة لإعادة بناء سلطة الدولة الروسية داخل روسيا، وإعادة بناء سلطة روسيا داخل دول الاتحاد السوفيتي السابق، أتت أحداث أوكرانيا لتقوض الاستراتيجية الثانية، وربما الأولى أيضًا. وإذا ما عجز بوتين عن الحفاظ على حياد أوكرانيا -على الأقل- فإن نظرة العالم له كاستراتيجيّ حاذق ستنهار، وستهتز-على أحسن الأحوال- الشرعية والسلطة اللتان بناهما للدولة الروسية.

وأيًّا كانت الشرارة الأولى التي أشعلت الأحداث في أوكرانيا، فقد انخرطت أمريكا الآن في مواجهةٍ ضد روسيا، التي تعتقد بأن الولايات المتحدة كانت المحرك الرئيس وراء تغيير النظام في أوكرانيا. وما اعتزام الروس عكس مسار الأحداث في أوكرانيا إلا الحد الأدنى لسقف مواجهةٍ ترتفع لتصل إلى استنتاج الروس أن الولايات المتحدة تنوي تقويض السلطة في روسيا (صراع وجود لا معركة نفوذ!). وكلاهما سيقاوِم؛ لكن أمام أمريكا خيارين: (1) إما التراجع عن المواجهة، وتطبيق عقوبات لا معنى لها ضد الأفراد، وترك الأحداث لتأخذ مجراها، (2) أو اختيار المواجهة.

وفشل المواجهة في هذه المرحلة قد يدفع الدول المحيطة بروسيا، من إستونيا إلى أذربيجان، لاستنتاجٍ مفادة: أن الانسحاب الأمريكي والتفتت الأوروبي يوجب التوصل لتسوية مع روسيا؛ الأمر الذي من شأنه توسيع قوة روسيا، وفتح الباب أمام انتشار تأثيرها في شبه الجزيرة الأوروبية ذاتها.

ولأن الولايات المتحدة خاضت ثلاثة حروب (العالمية الأولى، والعالمية الثانية، والباردة)؛ لمنع الهيمنة المتسلطة على المنطقة، سوف يصبح فشل الانخراط الأمريكي عكسًا لمسارِ استراتيجيةٍ عمرها مائة عام.

وتكمن المعضلة الأمريكية في كيفية التعامل مع السياق الاستراتيجيّ، في ظل وضعٍ عالميِّ يشهد تراجع انخراطها في الشرق الأوسط، ومواصلة سعيها صوب “محور آسيا”، كما لا يمكنها ببساطة أن تترك الأحداث تأخذ مجراها. من أجل ذلك تحتاج أمريكا إلى استراتيجية اقتصادية، متماسكة عسكريًا وسياسيًا وماليًا، وهي في ذلك مدعومة بميزتين: (1) أن بعض الدول في محيط روسيا ترفض هيمنة موسكو، (2) وعلى الرغم من امتلاكها بعض نقاط القوة، فإن روسيا تعاني من ضعف كامن، ولا تحتاج إلى مجهود أمريكي على غرار الحربين العالميتين والحرب الباردة، أو حتى الارتباطات الشرق الأوسطية طيلة العقد الماضي.

 الخيارات الروسية والاستراتيجية الأمريكية

أمام روسيا خياران اثنان: (1) إما قبول محاولات عكس مسار المشهد ببساطة، وهو ما أزعم أنها لا يمكنها القيام به. (2) أو اتخاذ إجراءات في أماكن يمكن أن تحقق فيها انتصارات دبلوماسية وسياسية سريعة ضد الغرب -البلطيق أو المالديف أو القوقاز- بموازاة دفع الحكومة الأوكرانية إلى الانهيار والوصول إلى طريق مسدود، وتطوير علاقات ثنائية على طول خط إستونيا-أذربيجان. وهذا من شأنه منع استراتيجية الاحتواء الأمريكية؛ التي طُبِّقت خلال الحرب الباردة، ولا يستطيع الأوروبيون تطبيقها بمفردهم.

هذه الاستراتيجية التي كانت الولايات المتحدة تطورها، بشكل افتراضي تقريبا، لا تقوم على فك الارتباط، بل على التدخل غير المباشر. فما بين عامي 1989 و2008، كانت استراتيجية الولايات المتحدة قائمة على استخدام القوات الأمريكية، افتراضيًا، للتعامل مع القضايا الخارجية. من بنما إلى الصومال، مرورًا بكوسوفو وأفغانستان والعراق، انتهجت الولايات المتحدة استراتيجية التدخل العسكري المباشر والمبكر. لكن هذا لم يكن الاستراتيجية الأمريكية ما بين عامي 1914 و1989، فحينئذٍ كانت الاستراتيجية هي توفير الدعم السياسي للحلفاء، ثم تقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية، يليها مستشارون وقوات محدودة، وفي بعض الأحيان  قوات متمركزة سلفًا. فيما احتفظت الولايات المتحدة بقواتها الرئيسية تحسبا لظروف يعجز فيها الحلفاء عن احتواء الهيمنة المحتملة (كما حصل في عامي 1917 و1942، وبدرجة أقل في كوريا وفيتنام).

كانت هذه، في المقام الأول، استراتيجية الحفاظ على توازن القوى، التي لم تهدف لإجبار الاتحاد السوفيتي على الاستسلام، بقدر حرصها على تعظيم مخاطر أي عمل هجومي، باستخدام دول التحالف (الذي تَشَكَّلَ -كجزء من استراتيجية الاحتواء- من الدول المعرضة لخطر الهجوم السوفيتي) كحاجز أول. وبالفعل نجح التهديد بتدخل أمريكي كامل، مع احتمالية استخدام أسلحة نووية، إلى جانب بنية التحالف، في تقييد قدرة الاتحاد السوفيتي على اتخاذ أي مخاطرة.

ولأن الاتحاد الروسي الحالي أضعف بكثير مما كان عليه الاتحاد السوفيتي في ذروته، ولأن المبدأ الجغرافي العام في المنطقة لا يزال هو ذاته؛ من المرجح أن تظهر استراتيجية توازن قوى مماثلة بعد أحداث أوكرانيا، ومشابهة لسياسة الاحتواء التي شهدتها الفترة ما بين عامي 1945 و1989، مرة أخرى من حيث المبدأ إن لم يكن بالتفاصيل، في خليطٍ من اقتصاد القوة والمال والحد من تطور روسيا كقوة مهيمنة، بموازاة تعريض أمريكا لمخاطر محدودة وخاضعة للرقابة. هذا الالتحام هو ما تنبأتُ به في كتابين: العقد القادم، والمائة عام القادمة، وهو ما يتحول الآن من مجرد توقع إلى تصور ملموس، إن لم يكن حقيقة واقعة لا تزال في طور النشوء.

ظهور التحالف

التدخل الأمريكي المباشر عسكريًا في أوكرانيا مستحيل. أولًا، لأن أوكرانيا بلد كبير، والقوة المطلوبة لحمايتها تفوق قدرة الولايات المتحدة. وثانيًا، لأن توفير مثل هذه القوة سيحتاج إلى نظام لوجستي غير موجود وبناؤه سيستغرق وقتًا طويلًا. وأخيرًا، لأن مثل هذا التدخل لا يمكن تصوره بدون وجود نظام تحالف قوي يمتد إلى الغرب ويطوق البحر الأسود. صحيح أن بإمكان الولايات المتحدة توفير الدعم الاقتصادي والسياسي، لكن أوكرانيا لا يمكنها تحقيق توازن قوى أمام روسيا، وأمريكا لا يمكنها التصعيد لدرجة استخدام قواتها الخاصة، فضلًا عن أن أوكرانيا تعتبر ساحة قتالٍ، اليد الطولى فيها للقوات الروسية، والهزيمة المحتملة فيها يمكن أن تكون من نصيب أمريكا.

وإذا اختارت أمريكا مواجهة روسيا عسكريًا، فإنها بحاجة إلى استراتيجيةٍ يُعتبر الناتو أداتها الأمثل؛ لأنه يضم تقريبًا كل البلدان الحرجة. لكن المشكلة أنه أنشِئ لخوض الحرب الباردة على خط مختلف تمامًا، والأهم غياب الوحدة التي كانت مبنية على أساس أن الاتحاد السوفييتي يمثل تهديدًا وجوديًا لأوروبا الغربية. هذا التوافق لم يعد موجودًا، مع اختلاف تصورات الدول واهتماماتها بشأن روسيا؛ حيث يعتقد كثيرون أن تكرار الحرب الباردة، حتى في مواجهة الإجراءات الروسية في أوكرانيا، أسوأ من التسوية، كما أن نهاية الحرب الباردة أدت إلى تراجع هائل للقوى في أوروبا.

ببساطة.. يحتاج الناتو إلى إجماع للقيام بذلك، وهذا الإجماع ليس موجودًا.

والدول التي كانت في خطر ما بين عامي 1945 و1989 ليست هي ذاتها المعرضة للخطر اليوم، والتحالفات القديمة لم تبنى لمثل هذه المواجهة، وبقية أوروبا ليست في خطر، وهذه الدول ليست مستعدة لتكبد فاتورة مالية وعسكرية لحل مشكلة يعتقدون أنها يمكن أن تدار بقدر ضئيل من المخاطرة. وبالتالي، يجب على أي استراتيجية أمريكية تجاوز حلف شمال الأطلسي، أو على أقل تقدير إنشاء هياكل جديدة لتنظيم المنطقة.

خصائص التحالف

ويجب أن تُعامَل كافة دول التحالف باعتبارها فريدة، وهي بالفعل كذلك. بيدَ أنها تتقاسم الخطر المتمثل في أن أحداث أوكرانيا يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على مصالح أمنهم القومي، بما في ذلك استقرارهم الداخلي. ولأن دول البلطيق والمالديف والقوقاز تمثل مناطق يمكن للروس أن يسعوا باتجاهها للتعويض عن هزيمتهم، وبسبب أهميتها الجغرافية، يجب على بولندا ورومانيا وأذربيجان أن تكون المحور الذي يبنى حوله هذا التحالف، الذي هو ليس سلاحًا هجوميًا بل قوة ردع للتوسع الروسي.

وتحتاج كل هذه الدول إلى عتاد عسكري حديث، سوف يؤدي الاستعداد الأمريكي لتوفيره إلى تعزيز القوى المؤيدة للولايات المتحدة في كل دولة وبناء جدار يمكن للاستثمارات الغربية أن تتترّس خلفه. وهذا يمثل منظمة يمكن لآخرين الانضمام إليها، بعكس الناتو الذي لا يمنح كافة الأعضاء حق الاعتراض.

التطبيق العملي

هناك من ينتقدون هذا التحالف؛ لأنه يضم أعضاء لا يتشاركون كافة القيم الديمقراطية الأمريكية. قد يكون هذا صوابًا، وصحيح أيضًا أن الولايات المتحدة تحالفت خلال الحرب الباردة مع شاه إيران وتركيا واليونان والصين في ظل الدكتاتورية. لكن ليس بإمكان الولايات المتحدة، بتمثيلها 25% من حجم الاقتصاد العالمي وهيمنتها البحرية العالمية، التهرب من المشاركة، كما لا يمكنها الاكتفاء بعقوبات هزيلة على 20 شخصًا؛ لأن هذا ينظر إليه باعتباره ضعفًا. وهو ما يقودنا إلى خيار إنشاء تحالف طبيعي، كالذي أشرتُ إليه آنفًا، من رحم الأزمة.

وفي رأيي أن القوة الروسية محدودة، وما ازدهرت إلا في غفلة من انشغال أمريكا بحروبها في الشرق الأوسط وكفاح أوروبا مع الأزمة المالية. لكن هذا لا يعني أن روسيا لا تمثل خطرًا، بل لديها مميزات قصيرة المدى، وانعدام أمنها يعني أنها سوف تقدم على المخاطرة. فالدول الضعيفة، غير الآمنة، التي تمتلك مزايا مؤقتة، تشكل خطرًا. والولايات المتحدة لديها مصلحة في التصرف مبكرًا لأن ذلك أرخص من التحرك متأخرًا. هذا يعني صواريخ مضادة للطائرات ومروحيات هجومية وأنظمة اتصالات، بجانب أشياء أخرى، تمتلكها أمريكا بوفرة. حيث يستطيع البولنديون والرومانيون والأذربيجانيون وبالتأكيد الأتراك الدفاع عن أنفسهم، لكنهم بحاجة إلى الأسلحة والتدريب، وهذا من شأنه استمرار احتواء روسيا داخل المِرجل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد