المرة الوحيدة التي شهد فيها حلف شمال الأطلسي (ناتو) تفعيل المادة الخامسة من بند الدفاع الجماعي كانت بعد هجوم 11 سبتمبر (أيلول) 2001 على الولايات المتحدة. بموجب ذلك القرار غير المسبوق في التاريخ، تدفَّق مئات الآلاف من جنود الدول الأوروبية وبلدان أخرى متحالفة إلى أفغانستان؛ لتدور منذ ذلك الحين تروس آلةِ قتلٍ دمويةٍ حصدت خلال العقدين الأخيرين أرواح 3500 من قوات التحالف الدولي وعشرات الآلاف من الأفغان (23 ألف مدني وفق إحصاءات الأمم المتحدة – 58 ألفًا من أفراد الأمن و42 ألفًا من مقاتلي المعارضة وفق بيانات معهد واتسون في جامعة براون).

ومع اقتراب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية، يوم الثلاثاء الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، انبرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب محاولًا استباق الاستحقاق الانتخابيّ بإنجازٍ على صعيد السياسة الخارجية، يتمثل في إنهاء «أطول حرب» في تاريخ الولايات المتحدة؛ بدءًا بتخفيض عدد قوات بلاده من حوالي 13 ألف جندي إلى حوالي 8600 خلال 135 يومًا، وصولًا إلى سحب بقية القوات في غضون تسعة أشهر ونصف. وعلى الرغم من كل التفاصيل الشائكة يعتبر هذا تطورًا ملحوظًا؛ بالنظر إلى أن أكثر من 100 ألف جندي أمريكي كانوا يتواجدون هناك في ذروة الحرب، إلى جانب عشرات الآلاف الآخرين من قوات تحالف.

بيدَ أن المصافحة «التاريخية» بين مبعوث السلام الأمريكي زلماي خليل زاد ورئيس المكتب السياسي لحركة طالبان الملا عبد الغني برادار في الدوحة، والمكالمة الهاتفية التي استقبلها الأخير بعدها بأيام من الرئيس ترامب، لم تكن كافية لتبديد الشكوك حول آفاق السلام الشائك بين العدوين اللدودين، أو حتى لتقديم إجابات حاسمة على عدد من الأسئلة المتعلقة بمستقبل بقية قوات أعضاء التحالف الدولي، الذي أعلن مرارًا وتكرارًا أن جهوده في هذا البلد الواقع في آسيا الوسطى مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتواجد الأمريكي هناك.

تلملم أمريكا رحالها.. لكن ماذا عمن ذهبوا في البدء لمساندتها؟

بمراجعة بنود الاتفاق المُكوَّن من أربع صفحات، والذي أبرمته الولايات المتحدة مع حركة طالبان برعاية قطرية، نجد أنها تنص على أن الانسحاب لن يقتصر على القوات الأمريكية، بل سيشمل أيضًا «قوات حلفائها، بما في ذلك جميع الموظفين المدنيين غير الدبلوماسيين، والأمن الخاص، والمقاولين، وموظفي الخدمات المساندة».

لكن وفقًا لما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية؛ ستحتفظ الولايات المتحدة، بموجب خطة الانسحاب، بما لا يقل عن ست قواعد، من بينها قاعدتين تقودهما ألمانيا، وإيطاليا، في شمال أفغانستان وغربها. بموازاة ذلك طلب الأمريكيون من الناتو أن يحافظ على مستويات قواته الحالية؛ ما أثار استغراب راشيل ريزو، الباحثة في مركز الأمن الأمريكي الجديد؛ لأنه «من الغريب جدًا أن تنسحب الولايات المتحدة، وتطلب من الدول الأوروبية أن تبقي قواتها عند مستوياتها الحالية».

Embed from Getty Images

وتعتقد بعض الدول المشاركة في التحالف، أو المساهِمة في القوة الدولية المنتشرة في أفغانستان، أنها بحاجة أن تتبع خطى الانسحاب الأمريكي، مكتفيةً بألفِ قتيلٍ من قوات الناتو والدول الحليفة الأخرى التي شاركت في الحرب المستمرة منذ 18 عامًا.

يؤكد ذلك برونو ليتي، أحد خبراء مكتب بروكسل التابع لمركز أبحاث «صندوق مارشال الألماني»، قائلًا: «من الواضح أن العديد من العواصم الأوروبية لن تمانع في تقليل وجودها، أو قلب صفحة تواجد حلف شمال الأطلسي في أفغانستان».

في الواقع، هذه خطوة متأخرة، سبقتها إليها دول أخرى أبرزها فرنسا، التي أعلن رئيسها السابق نيكولا ساركوزي، الذي كان في خضم حملة صعبة لإعادة انتخابه آنذاك، إنهاء المهمة القتالية الفرنسية، استجابةً لققتل جندي أفغاني أربعة جنود فرنسيين في عام 2012، قبل أن يغادر ما تبقى من القوات الفرنسية أفغانستان بحلول نهاية عام 2014.

بيدَ أن دولًا أخرى – مثل ألمانيا وإيطاليا – ألمحت إلى إمكانية إبقاء قواتها في أفغانستان، «ذا توافرت ظروف معينة»، وأعينهم على ثمار هذه الحرب، وأبرزها الحد من تدفق المهاجرين واللاجئين. متأهبين في المقابل للمخاطر المرتقبة الناتجة عن عدة عوامل أبرزها: أن معدل الاستنزاف في صفوف الجيش الأفغاني لا يزال يفوق معدل التجنيد والاستمرار في الخدمة، حسبما يؤكده تقرير أصدره البنتاجون في ديسمبر (كانون الأول) 2019.

ربما تكون القوات الأفغانية تُحرِز بعض التقدُّم، حسبما رصد تقرير المفتش العام الخاص بـ«إعادة إعمار أفغانستان (SIGAR)» الصادر في يناير (كانون الثاني) 2020، لكن لا أحد ينسى أن 50 ألفًا من أفراد الأمن الأفغاني قتلوا منذ عام 2014، بالإضافة إلى مَن يلقون حتفهم يوميًا في نقاط التفتيش النائية المتاخمة للمناطق التي يسيطر عليها المتمردون.

انطلاقًا من هذا الواقع، يجادل بعض المسؤولين في الدول الأوروبية بأن الناتو يمكنه تجنُّب التخفيضات واسعة النطاق في قواته، طالما أن الولايات المتحدة لم تسحب قوات الدعم، التي تشمل قوات الصيانة، وطواقم طائرات النقل، وفرق الإخلاء الطبي، وهو الاحتمال الذي يرجحه المسؤولون الأمريكيون.

«حسب الظروف».. لن نبقى للأبد ولكن!

الانسحاب الأمريكي التدريجيّ المشروط، والمستقبل المشروط الذي ينتظر بقية قوات الدول المشاركة في الحرب الأفغانية، يعيد للأذهان زعم البنتاجون المريب قبل ست سنوات أنه أنهى «العمليات القتالية» في أفغانستان، لصالح التركيز على مهام التدريب، معلنًا وصول «عملية الحرية الدائمة» إلى خط النهاية في عام 2014. لكن مثلما كان الخط الفاصل بين «العمليات القتالية» و«المهام التدريبية» فضفاضًا، إذ واصلت الولايات المتحدة بعد هذا التاريخ عملياتها القتالية، بما في ذلك الضربات الجوية؛ فإن التصريحات الصادرة عن الناتو حول التخفيض المستقبلي للقوات، إنما هو مشروط بتطوراتٍ يسهل الطعن في مدى تطبيقها مستقبلًا.

إسرائيل

وبعيدًا عن التكهنات، وبالنظر إلى البيان الصادر عن حلف الناتو بتاريخ 29 فبراير (شباط) الماضي، نجد أنه ينص على أن «التحالف وشركائه في مهمة الدعم الحازم سينفذون تعديلات على أساس الظروف، بما في ذلك تخفيض تواجدنا العسكري». كذلك «يؤكد الناتو من جديد التزامه الراسخ تجاه أفغانستان، ودعمه المستمر لقوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية. نحن ملتزمون بالعمل مع الشعب والحكومة الأفغانية لدعم الخطوات التالية نحو السلام».

وبينما يبدو مقال الرأي شديد الإيجاز، الذي كتبه ينس ستولتنبرج، أمين عام حلف شمال الأطلسي، ورئيس وزراء النرويج سابقًا، في موقع «سي إن إن» تحت عنوان «لماذا نحن في أفغانستان؟ وماذا يمكن أن تتمخض عنه اتفاقية السلام؟»، أكثر وضوحًا لأول وهلة، إلا أنه في مجمله لا يعول عليه.

فقد أعلن ستولتنبرج: «هدفنا ليس البقاء في أفغانستان إلى الأبد، بل تعزيز قدرة القوات الأفغانية على محاربة الإرهاب، وتحقيق السلام الدائم. لذلك نحن على استعداد لخفض مستويات قواتنا دعما لعملية السلام».

ويضيف: «مثلما ذهب حلفاء الناتو إلى أفغانستان معًا؛ سنتخذ القرارات المتعلقة بتواجدنا المستقبلي معا أيضًا. وعندما يحين الوقت المناسب، سنغادر معًا كذلك». لكنه يستدرك: «سيكون هذا القرار مشروطًا؛ لأنه يجب علينا التأكد من أننا عندما نغادر في نهاية المطاف، فإننا لا نسمح للإرهابيين الدوليين بالعودة» مشددا على أن «يظل حلفاء الناتو ملتزمين بمستقبل أفضل لأفغانستان. يعتمد استقرار المنطقة وأمن دولنا على ذلك».

خط غامض بين «العمليات القتالية» و«المهام التدريبية»

خط غامض كان يفصل دائمًا بين ما يسمى بـ «العمليات القتالية» و«المهام التدريبية»، منذ بدء عمل الناتو في أفغانستان في مهمة «القوة الدولية للمساعدة الأمنية (ISAF)» في أغسطس (آب) 2003 بتفويض من الأمم المتحدة، بهدف «تمكين السلطات الأفغانية وبناء قدرات قوات الأمن الوطنية، لتوفير فعالية أمنية تضمن ألا تكون أفغانستان مرة أخرى ملاذًا آمنًا للإرهابيين»؛ وهو الهدف الذي لا يزال بيان الناتو ومقال أمينه العام يتطلعان إلى تحقيقه في قابل الأيام، ويجعلانه شرطًا يترتب عليه مستقبل القوات التي لا تزال موجودة في أفغانستان.

في أوج تلك المهمة، كان عدد القوات يبلغ أكثر من 130 ألفًا من 50 دولة عضوة في الناتو وبلدان أخرى شريكة. وبعد قرابة سبع سنوات، بدأ انتقال المسؤولية الأمنية إلى القيادة الأفغانية في عام 2011، واكتملت هذه العملية – بحسب البيانات الرسمية ولو كان الواقع على الأرض مختلفًا – في ديسمبر 2014، عندما أعلن رسميًا عن انتهاء مهمة «القوة الدولية للمساعدة الأمنية»، وتولى قوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية المسؤولية الكاملة عن أمن بلدهم.

في الشهر التالي مباشرة، يناير 2015، أطلق الناتو مهمة جديدة أسماها «الدعم الحازم» وأعلنها «مهمة غير قتالية»؛ لتدريب القوات والمؤسسات الأمنية الأفغانية وتقديم المشورة لها ومساعدتها، بمشاركة حوالي 17 ألف جندي من 39 دولة من حلف الناتو والدول الشريكة.

بالإضافة إلى مساندة مهمة «الدعم الحازم»، يساعد حلفاء الناتو وشركاؤه في دعم قوات ومؤسسات الأمن الأفغانية ماليًا، كجزء من التزام دولي أوسع تجاه أفغانستان. وفي قمة الناتو التي انعقدت خلال شهر يوليو (تموز) 2018 في بروكسل، التزم أعضاء التحالف وشركاؤهم التشغيليون بتمديد الدعم المالي لقوات الأمن الأفغانية حتى عام 2024.

هذا هو الوضع الآن على الأرض. ومع بدء الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية، والذي لا يتوقع أن يكتمل قبل تسعة أشهر ونصف، لا تزال هناك قوات من 38 دولة يبلغ عددها 16 ألفًا و551 فردًا، ضمن مهمة «الدعم الحازم».

ما مصير القواعد العسكرية والمعسكرات الاستخباراتية؟

عودٌ على بدء. إن الافتقار إلى الوضوح الكامل بشأن مستقبل ما تبقى من قوات التحالف في أفغانستان إنما هو نابعٌ في الواقع من الغموض الذي يكتنف بعض تفاصيل الانسحاب الأمريكي نفسه. صحيحٌ أن مطلب حركة طالبان واضح وضوح الشمس: «صفر يعني صفر»؛ في إشارة للانسحاب الكامل والشامل، حسبما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤول أمريكي كبير، بيدَ أن بعض الضباط العسكريين ومسؤولي المخابرات الأمريكيين في المقابل يصرون على أن احتياجات الأمن القومي الأمريكية طويلة الأمد تتطلب بقاء بعض القوات، وحتى تدريب القوات الأفغانية يستدعي بقاء حوالي 5 آلاف جندي.

دولي

منذ 8 شهور
صراع عمره أكثر من 20 عامًا.. دليلك الشامل لفهم حرب أفغانستان

وفي الوقت الراهن، تعهدت القيادة الأمريكية بإبقاء سبع قواعد مفتوحة، وفقا لمسؤولين في وزارة الدفاع، توجد في: هرات، ومزار شريف، وباجرام، وجلال آباد، وكابول (المطار والقاعدة الأمريكية الرئيسة المجاورة للسفارة)، ومطار قندهار في الجنوب. فيما يلف الغموض مصير بعض المواقع التي تستخدمها «وكالة المخابرات المركزية (CIA)»، مثل معسكر تشابمان الذي تتواجد فيه أيضًا القوات الخاصة الأمريكية بالقرب من مطار مدينة خوست، شرقي أفغانستان. 

وبحلول ربيع عام 2021، من المفترض أن تكون جميع القوات العسكرية الأمريكية قد غادرت أرض أفغانستان، لكن عناصر الاستخبارات قد يستمرون في العمل هناك لمحاربة تنظيمي «الدولة الإسلامية (داعش)» و«القاعدة»، ناهيك عن قوات الدول الأخرى التي قد ترى أنها بحاجة إلى الاستمرار، ولو تحت مظلة «المهام التدريبية».

المصادر

تحميل المزيد