حين تبدأ في لعبة من فيديو فأنت تصير جزءًا لا يتجزأ من الأحداث وتساهم بنفسك في صُنعها، إذ إنها على العكس تمامًا من الأفلام والمسلسات التي تكتفي فيها بالجلوس متفرجًا دون قدرة على تغيير أي تفصيلة ولو عابرة على الشاشة أمامك، لذا تعد ألعاب الفيديو من أكثر الوسائط تفاعلية في العصر الحالي.

ووصلت درجة التفاعلية إلى أن بعض الألعاب توفر خاصية «النهاية البديلة (alternate ending)» وفي تلك الحالة يكون اللاعب قادرًا على اختيار نهاية قصة اللعبة من بين عدة سيناريوهات، وهي كلها أمور لا تتوفر في أي وسيط ترفيهي آخر، ولكن ألعاب الفيديو، مثل كل الوسائط الأخري، ليست مجرد ترفيه بحت، ولا تكتفي بتوفير التسلية المحضة، ففي أحيان كثيرة تكون محملة برسائل خفية ذات بعد سياسي، أو اجتماعي، أو ثقافي.

 أمريكا: اللعبة في يد الجيش وضد أعدائه دائمًا

الاهتمام الأمريكي الحكومي بوسيط مثل ألعاب الفيديو قديم قدم ظهور الألعاب نفسها، فأمريكا هي مهد صناعة البرمجيات الحديثة التي هي مجرد خليط من المعادلات الرياضية واللغة الإنجليزية (اللغة الأولي في أمريكا) تُكتب في صورة تعليمات لأجهزة الكمبيوتر.

وطبقًا لأحد تقارير مجلة «فايس» الأمريكية فهناك علاقة طويلة ومتشابكة بين شركات إنتاج ألعاب الفيديو ووزارة الدفاع الأمريكية، فالتطور الرهيب في الرسوم، والمؤثرات الثلاثية الأبعاد، والواقع الافتراضي الذي تمتلئ به الألعاب حاليًا كان الدافع الرئيسي خلفه صناعة برامج محاكاة لبيئات الحروب بغرض تدريب العسكريين عليها.

لكن بعض الشركات التي تعمل في برامج المحاكاة العسكرية اتجهت مع ظروف تقليص الإنفاق العسكري في بعض المراحل، إلي تعديل برامجها لتصبح ألعابا تجارية ناجحة، فيما استمرت بعض الشركات في إنتاج ألعاب وصناعة برامج محاكاة عسكرية في آن.

وفي أغسطس (آب) 2021 تحدث تقرير عن حالة من السخط بين العديد من المبرمجين في شركة «يونيتي» (المسؤولة عن تطوير محرك ألعاب الفيديو الشهير unity الذي يستخدمه الملايين من مبرمجي الألعاب حول العالم) بعد أن تنامي إلي مسامعهم وجود عقود سرية بين الشركة والعديد من الجهات العسكرية الأمريكية تستخدم بموجبها البرمجيات المطوّرة من قبل الشركة في محاكاة ظروف الحروب في بلدان مختلفة حول العالم بغرض تدريب المجندين عليها قبل خوضها فعليًا.

ألعاب الفيديو المتطورة عن برامج المحاكاة العسكرية

إلا أن المكاسب الأمريكية فاقت الاستخدام المباشر لتقنيات ألعاب الفيديو في المحاكاة العسكرية وتتعداها إلي مكاسب إيديولوجية عديدة تجني ثمارها من خلال العديد من الألعاب التجارية، ولعل المثال الأوضح علي الإطلاق هو لعبة «America’s Army» وهي لعبة أنتجها الجيش الأمريكي بشكل معلن؛ مما عرضه للعديد من الانتقادات كون تمويل صناعة لعبة بهذا الإتقان يأتي من جيب المواطن الأمريكي دافع الضرائب مباشرة.

الإتقان في اللعبة لا يهدف لتدريب اللاعب علي المهام الصعبة فحسب، بل يتخطي ذلك ليصل إلى إظهار الجيش الأمريكي بصورة ملائكية في أعين اللاعبين، ولم يُخف المسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية حقيقة إن هذه اللعبة تحديدًا تعد من أكثر الأدوات فعالية في جذب مجندين جدد للجيش الأمريكي.

Embed from Getty Images

ألعاب الفيديو الأمريكية 

وبموازاة الصورة البطولية التي ترسمها اللعبة للجيش الأمريكي تعمل على ترسيخ صور نمطية وسلبية عن أعداء أمريكا طبقا للحروب التي خاضتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وهو الأمر الذي لا يقتصر فقط علي الألعاب التي تُمول مباشرة من وزارة الدفاع، فحتي في الألعاب التجارية التي تصنعها شركات الألعاب بغرض الربح علمت على تحقيق الغرض نفسه.

ومن أبرز الأمثلة مؤخرًا لعبة «Sniper Ghost Warrior Contracts 2»، إذ صممت البيئة التي يتفاعل معها اللاعب بالتصويب بالأسلحة والقتل لتبدو مشابهة للبيئات العربية، الأمر الذي أثار استياء أحد الصحفيين ممن ذهبوا لتغطية مؤتمر تدشين اللعبة، ودفع الشركة المنتجة للعبة للاعتذار رسميًا.

 المفارقة هنا أن الشركة ليست أمريكية أصلًا، بل بولندية المنشأ، ولكن جرى تصميم اللعبة بهذا الشكل لتكون موجهة للسوق الأمريكية؛ مما يثير العديد من التساؤلات حول صورة الشعوب الأخرى داخل ألعاب الفيديو الأمريكية، والتي بدورها تعتبر وسيطًا ثقافيًا تفاعليًا يُكوّن من خلاله اللاعب (الصغير في السن غالبًا) انطباعاته الأولى عن الثقافات الأخرى في العالم.

فالعديد من ألعاب الفيديو الأمريكية ذات الشهرة العالمية، مثل «Call of Duty»، و«Battlefield 3» وغيرها، رسخت صورًا نمطية شبيهة عن العرب، والمسلمين، وسكان الشرق الأوسط، باعتبارهم همجًا أو أهدافًا متاحة دائمًا للقتل، لتكمل حلقة نزع الإنسانية عنهم التي بدأتها أفلام هوليوود منذ عقود طويلة.

لكن الشرق الأوسط لم يكن العدو الوحيد في الألعاب الأمريكية إذ تناولت بعضها النازيين خلال الحرب العالمية الثانية، والشيوعيين خلال الحرب الباردة، ولكن القاسم المشترك بين جميع تلك الألعاب هو تمجيد العسكرية الأمريكية بشكل يجعل اللاعب يري الجندي الذي يرفع العلم اﻷمريكي يمثل الحق المنتصر، وأفعاله مهما بلغت من الوحشية والعدوان فهي مبررة داخل اللعبة، لكن الوجه الآخر للحروب الأمريكية العدوانية والتي أسفرت عن فظائع إنسانية ومساهمات الجيش الأمريكي في دعم الانقلابات العسكرية على أنظمة ديمقراطية تغيب تمامًا عن جو هذه الألعاب، فهل يعود هذا الغياب لأسباب تجارية فقط أم هناك بعد أيديولوجي؟

ألعاب الفيديو في الصين.. تدريب الجنود واستقطاب جدد

ليست أمريكا وحدها من تستخدم ألعاب الفيديو كأداة ترويج أيديولوجية، فالصين أيضًا اتجهت لهذا المسار، فلعبة «Resistance War Online» التي تحكي قصة الحرب بين الصين واليابان قد طورتها شركة «PowerNet» ذات الصلات الوثيقة بالحزب الشيوعي الصيني الحاكم، وكذلك لعبة «Glorious Mission» جرى تصميمها من قبل الجيش الصيني مباشرة لنفس أغراض لعبة «America’s Army الأمريكية»، وهو تدريب المجندين الحاليين، والسعي لاجتذاب مجندين جدد.

ألعاب الفيديو الموجهة أيديولوجيًا في الصين

لكن في هذه المرة كان العدو في اللعبة الذي يُطلق عليه النار عدوًا غربيًا، وقد صرح القائمون علي اللعبة بأنهم جعلوها متاحة للتحميل المجاني بغرض «غرس الروح والقيم الوطنية» للجيش الصيني علي حد تعبيرهم.

الجماعات الراديكالية تدخل على خط توظيف ألعاب الفيديو 

مع التطور الفائق الذي شهدته صناعة البرمجيات في العقود الماضية، ومع سهولة الوصول إلى المعلومات المتوفرة عبر شبكة الإنترنت، لم يعد دخول مجال صناعة ألعاب الفيديو مقصورًا فقط علي الشركات العملاقة ذات الميزانيات الضخمة، فقد صار بإمكان الأشخاص العاديين برمجة ألعاب ذات مستوي جيد، وهم قابعون في منازلهم.

لذا أصبحت الفرصة متاحة أيضًا للتنظيمات المسلحة والراديكالية لإنتاج نسختها الخاصة من ألعاب الفيديو، فلم تغفل تلك التنظيمات، على اختلافاتها، الأهمية الكبرى لصناعة الألعاب في تشكيل وعي الأجيال، فصارت الألعاب جزءًا من إستراتيجيتها في الدعاية واستقطاب أعضاء جدد، تمامًا مثلما تفعل أمريكا والصين، فالنازيون الجدد لم يتأخروا كثيرًا في برمجة ألعاب الفيديو للترويج لأفكارهم المعادية لغير المنتمين للعرق الآري، مثل لعبة «Ethnic Cleansing» أو «التطهير العرقي» الذي يقوم به اللاعب ضد كل الأقليات في المجتمع الأمريكي.

ولم يمض كثير من الوقت حتي أصدر تنظيم «القاعدة» لعبة بعنوان «ليلة القبض علي بوش» وتمتلئ اللعبة بصور لشخصيات عدة برزت أسماؤها في العقد الأول من القرن العشرين، والتي شهدت ذروة الصراع بين التنظيم وأمريكا، مثل أسامة بن لادن، والسيستاني، وأبي مصعب الزرقاوي، ودونالد رامسفيلد، وجورج بوش بالطبع. 

ومع انحسار تأثير ووزن تنظيم «القاعدة» لصالح تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» أصدر التنظيم لعبة خاصة به بعنوان «صليل الصوارم»، فيما أصدر حزب الله اللبناني هو الآخر لعبة بعنوان «الدفاع المقدس» وفيها يستهدف اللاعب المقاتلين المنتمين لـ«داعش»

لم تكن اللعبة الأولي التي أصدرها «حزب الله» إذ سبق له برمجة ألعاب موجهة ضد إسرائيل، لذا فإن تغيير العدو في الألعاب يعكس تغير أنواع الصراعات، أما الثابت الوحيد فهو استخدام تلك الأطراف جميعها ألعاب الفيديو باعتبارها وسيلة استقطاب أيديولوجي للأنصار الجدد مع تثبيت أنصارهم الحاليين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد