«حينما وصل كولومبوس جزر سان سلفادور المرجانية، أذهلته شفافية الكاريبي الزاهية، والمشاهد الخضراء، وعذوبة ونقاء الهواء، والطيور الرائعة»، وكان أمريكو فسبوتشي الذي وصل في رحلة أخرى بعد أعوام قليلة إلى ساحل البرازيل يصف كيف جعله جمال الأشجار ورقة الطبيعة المحيطة يشعر وكأنه وصل إلى الجنة.

لكن الجنة التي وصل إليها البحارة الأوروبيون ظلت بلا اسم، ولسنوات اختلف البحارة على تصورهم للأرض التي وطأتها أقدامهم، فمات كولومبوس وهو يعتقد أنه وصل إلى الهند، ومات الملاح الشهير أمريكو فسبوتشي وقد أيقن أنه وصل إلى أرض جديدة، وبعد وفاته جاء من يشتق من أمريكو الاسم الذي سيطلق على القارتين الجديدتين ويميز أقوى وأكبر دولها، فما هي القصة وراء هذه التسمية ولماذا فات كولومبوس هذا الشرف؟

عائلة ثرية ورجل مولع بعلوم الفلك

كان أمريكو فسبوتشي ينتمي لإحدى العائلات الثرية في فلورنسا الإيطالية، وقبل قدومه إلى إسبانيا كان معروفًا بإسهاماته في الحياة الفنية في فلورنسا وبرعاية الفنانين فيها، وفي عام 1480 رافق أمريكو أحد أعمامه إلى فرنسا، بعد أن عينه حاكم فلورنسا سفيرًا في بلاط لويس الحادي عشر، وبقي أمريكو هناك عامًا واحدًا، وعاد بعد شهور حين توفي والده ليتولى إدارة أعمال العائلة، وإلى جانب هذا العمل كان أمريكو على اتصال بالكتاب والشعراء في فلورنسا، وكان شغوفًا بعلم الفلك وعلم أوصاف الكون، فجمع أعمالًا متخصصة ومجموعة ضخمة من الخرائط.

رسم لعائلة فسبوتشي يظهر فيها وجه البحار شابًا في الوسط على يمين الرجل ذي الرداء الأحمر في طرف الصورة. مصدر الصورة: infobae

ومع الوقت حاز أمريكو ثقة آل ميديشي، إحدى أهم العائلات في فلورنسا، ثم أرسله المصرفي الفلورنسي الشهير جيانيتو بيراردي إلى إشبيلية ليكون وكيلًا لأعماله هناك في تجميع السفن الإسبانية وتوريدها، بالإضافة لتجارة الرقيق، كان ذلك في عام 1492، وكانت إشبيلية وقتها المركز الاقتصادي الرئيسي لقشتالة.

اللقاء مع كولومبوس

التقى أمريكو في إشبيلية بالبحارة الإسبان واستيقظ داخله الاهتمام بالملاحة، ويرجِّح المؤرخون أن المصرفي بيراردي شارك في تمويل الرحلة الأولى لكولومبوس عام 1492، وأن هذه كانت المناسبة التي التقى فيها أمريكو بكولومبوس، القادم من مدينة جنوة الإيطالية، وعند عودة كولومبوس من جزر الأنتيل، كان أمريكو في صحبته إلى برشلونة، حيث استقبله الملكان الكاثوليكيان رسميًّا.

شارك أمريكو في الاستعدادات للرحلة الثانية لكولومبوس، وفي أبريل (نيسان) عام 1495 حصل بيراردي على عقد لإرسال قوافل جديدة إلى الأراضي الجديدة، المسمَّاة آنذاك بـ«جزر الهند»، لإمداد المستعمرة التي أسسها كولومبوس هناك. ولكن بيراردي مات قبل أن يتم العمل وكان على أمريكو متابعة تنفيذه، فأعد أسطولًا أبحر عام 1496 إلى «جزر الهند»، وفي الطريق ضربت السفن عاصفة قوية حطمتها فضاعت البضائع، واضطر أمريكو لتصفية شركة بيراردي التجارية، وقرر حينها أن يستغل خبرته التي كونها خلال عمله في توفير الموارد للبعثات البحرية ليصبح ملاحًا.

يقول أمريكو حول الأسباب التي دفعته إلى «الاكتشاف»، إنه قرر التخلي عن التجارة وتحقيق «أشياء أكثر دوامًا وجديرة بالثناء» وهكذا أبحر لـ«رؤية جزء من العالم وعجائبه»، فذهب إليها – على حد قول بعض المؤرخين – في أربع رحلات، اثنتين بأمر من الملك فرناندو الثاني، والرحلتين الأخيرتين بأمر من الملك البرتغالي مانويل الأول بعد أن قضت القوانين الجديدة التي سنها الملكان الكاثوليكيان بألا يذهب بحار أجنبي إلى المستعمرات.

رسائل.. أولى الوثائق التي تصف العالم الجديد

تقول كتابات بعض المؤرخين إن كولومبوس زار الجزر المحيطة بالأراضي الجديدة، وإن أمريكو كان أول من وطأت قدمه أرض القارة، وحتى عام 1500 كان أمريكو قد شارك في ثلاث رحلات إلى الأراضي الجديدة وهو على اقتناع بنظرية كولومبوس بأن الأرض التي وصلوا إليها هي جزر هندية.

في الرحلة الثالثة نزلَ أمريكو جنوبًا نحو أمريكا الجنوبية التي نعرفها اليوم، وأيقن حينها أنهم ليسوا على جزر هندية، بل في قارة جديدة، وكتب أن هذا الجزء الجنوبي مأهول بعدد كبير من السكان والحيوانات يفوق سكان أوروبا وآسيا وأفريقيا.

تمثال أمريكو فسبوتشي في إيطاليا. مصدر الصورة: ويكيبيديا

ويرجح مؤرخون أن أمريكو قام برحلتين، وبعضهم يقول إنها ست رحلات عبر المحيط، خاض بعضها برفقة كولومبوس ثم أبحر دونه في رحلات أخرى بعد ذلك، وهذا استنتاج من دراسة رسائل نُسبت إليه تروي مغامراته، وجهها إلى أحد أفراد أسرة ميديشي، وكان سبب تسمية أمريكا في الأصل هي المعلومات التي عُثر عليها في رسائل أميريكو فسبوتشي، يروي فيها عن رحلاته المتعددة إلى الأراضي الجديدة.

كُتبت أولى الرسائل عام 1500، وأرسلت من إشبيلية، تَصِفُ الرحلة الأولى لأمريكو، ولم يتسن للباحثين العثور على النسخة التي كتبها بخط يده، أما الرسالة الثانية فعثر عليها الباحثون عام 1827، وأُرسلت من لشبونة عن الرحلة التي قام بها أمريكو في العام التالي 1501، وفي بعض الرسائل يقدم أمريكو نفسه بصفته بطلًا، غير أن عددًا من الباحثين يرون أنها إضافات أدخلها آخرون على الرسائل الأصلية.

في الرسائل الأولى يصف أمريكو كيف وصلوا إلى «أرض مأهولة بآكلي لحوم البشر»، ويتحدث عن عري سكان المنطقة، وهي التفاصيل التي يشكك المؤرخون في نسبتها إلى أمريكو، كما تتحدث عن المعارك التي قتل فيها المستكشفون المستعمرون عددًا كبيرًا من السكان الأصليين، ونهبوا قراهم وأضرموا فيها النيران فيها.

وتتضمن الرسائل معلومات فلكية أيضًا، فيشير أمريكو إلى أنه وصل إلى خط الاستواء، وفي رسالة لاحقة يكتب عن رحلة – برتغالية – وصل فيها إلى أرض القارة وليس إلى الجزر، ويصف أيضًا سكان تلك المناطق وحياتهم.

أمريكا وفنزويلا على شرف أمريكو أيضًا

ظلت الأراضي التي وصل إليها الإسبان والبرتغاليون لاحقًا دون اسم لأربع سنوات، ثم عُرفت في إسبانيا باسم «بوهيو Bohío» بينما عرفها الناس في البرتغال باسم «تيرا دي سانتا كروز Terra de Santa Cruz»، وسماها البعض بأرض البرازيل، وحين انتشرت أخبار الاكتشافات في أنحاء أوروبا كان لا بد من اختيار اسم للأراضي الجديدة التي جرى اكتشافها لتحمله الخرائط، وهكذا في مكان بعيد تمامًا؛ في فرنسا، كانت مجموعة من العلماء يجتمعون لإصدار نسخة منقحة من كتاب بطليموس «الجغرافيا»، وكان من المهم تقديم خرائط جديدة تتضمن القارتين الجديدتين، وهنا كان الاسم ضروريًّا، ولهذا ذهب ماتياس رينجمان مدرس اللغة اللاتينية، في رحلتين إلى إيطاليا للتعرف إلى أحدث الاكتشافات، وأُرسلت الخطابات التي كتبها أمريكو إلى فرنسا لترجمتها ولمعرفة المزيد عن هذه الأراضي الجديدة.

حتى تلك اللحظة كان وصف الأراضي الجديدة متوفر فقط في كتابات أمريكو، ولاحقًا كتب رسام الخرائط الألماني مارتن فالدسميلر مقدمة في الكوسموغرافيا يعرض فيها وصفًا للكون، واختار وهو المولع باختيار الأسماء، اسم أمريكو ليُطلق على القارتين الجديدين، غير أنها صارت «أمريكا» ليكون الاسم مؤنثًا مثل آسيا وأفريقيا وأوروبا.

لوحة تصوِّر أول وصول لكريستوفر كولومبوس إلى «العالم الجديد». مصدر الصورة: ويكيبيديا

كان ذلك عام 1507، ولم يغفل الكاتب ذكر اكتشافات كولومبوس الذي توفي عام 1506، لكنه اختار إطلاق اسم أمريكو، وصار هذا هو الاسم الذي يستخدمه رسامو الخرائط، ولم يتسن للمؤرخين معرفة ما إذا كان أمريكو قد علم بإطلاق الاسم أم لا، لكن هناك من يرجح بأنه لم يعلم من الأساس، وهو الذي توفي عام 1512.

وتذكر روايات أخرى أيضًا أن أمريكو لم يكن مسؤولًا عن تسمية القارتين الجديدتين باسمه، فما حدث هو أن الخرائط التي قُدمت للبحارة في إسبانيا كتُب على الأراضي الجديدة فيها «Terra di Ameriques» أي أراضي أمريكو، في مزيج غريب من الكاتالونية والإيطالية، وهكذا شيئًا فشيئًا صار الاسم الذي يعرفه البحارة هو «أمريكا».

ويُقال أيضًا إن أمريكو حين وصل إلى فنزويلا عام 1499 تذكَّر تضاريس مدينة «فينيسيا Venecia»، وأطلق عليها اسم «Venezziola» أو «فنزويلا Venezuela» بالإسبانية، وهي تصغير «فينيسيا Venecia»، وكانت هذه هي رحلته الخامسة والتي أجمع الباحثون على قيامه بالفعل بها على عكس رحلات أخرى شكك الباحثون في مشاركته فيها من الأساس، أما كولومبوس، فبعد سنوات أطلق الاسم المشتق من اسمه على دولة كولومبيا.

شرف كبير، لكن هل كان الرجل محتالًا بالفعل؟

كانت الرسائل إذن سببًا في إطلاق اسم أمريكا على القارتين، لكنها كانت على الرغم من ذلك محل جدل كبير بين المؤرخين، ولم يتسن التأكد من دقة ما كتب فيها، ولا حتى من نسبة كل ما كتب فيها إلى صاحبها أمريكو، إذ وجدوا في بعضها تواريخ مختلفة تظهر تناقضًا في الحقائق التي جاءت فيها، كما لاحظوا أخطاء لغوية تشكك في أنه كاتب بعض الرسائل، وانقسم الباحثون بين من يشكك في أن كاتبها ليس أمريكو فسبوتشي، وبين من يشكك في أن أمريكو سافر أصلًا في تلك الرحلات.

وهكذا صار الرجل الذي نال شرف تسمية قارتين باسمه، وأصبح أشهر بحارة عصر الاستكشاف بعد كولومبوس، متهمًا في أعمال عديدة تروي قصته بأنه ليس إلا محتال كاذب، ادعى أنه قام برحلات لم يقم بها في الحقيقة، واتهمته كتابات أخرى بأنه استولى على إنجازات آخرين.

لكن مؤرخين آخرين سجلوا علاقة وطيدة جمعت بين أمريكو وكولومبوس، حتى إن كولومبوس ذكر في وصيته لابنه هيرناندو أن أمريكو رجل طيب، ولم يحدث أن اعترض كولومبوس أو ابنه أو أحد من أفراد العائلة على أمريكو، ما يشير إلى عدم وقوع مشكلات بينهما، وأنه غالبًا لم يبدر من أمريكو فسبوتشي ما يدل على نيته في الاستيلاء على اكتشافات كولومبوس، بل هناك من يدافع بأنه إذا لم يكن أمريكو قد ذهب في الرحلات التي قال إنه قام بها، فمن الذي رسم الخرائط بين عامي 1502 و1513 التي تصف استكشافاته في شبه جزيرة فلوريدا والأرجنتين وباتاجونيا.

يرى مؤرخون آخرون أن رسام الخرائط الألماني فالدسميلر اكتشف خطأه بعد ذلك بعد أن عرف أن كولومبوس هو أول من وصل إلى الأراضي الجديد، فتوقف عن استخدام اسم أمريكا، لكن الخرائط التي وزِّعت نسخ متعددة منها كانت قد شقت طريقها إلى دول أوروبا المختلفة، ليظل الاسم لصيقًا بالأراضي الجديدة.

بعد ما يزيد على خمسة قرون وعقدين على وفاة الرجل الأشهر في عصر الاكتشافات، والذي كُتب الكثير عن حياته وإنجازاته، لا تزال سيرة الرجل ونواياه محل خلاف بين المؤرخين، وهو خلاف ربما يطول أكثر بالنظر إلى أن الأدلة التي خلفها لا تكفي للتعرف إلى الحقيقة، وإن كانت هي الكتابات الأكثر وضوحًا حول الأراضي الجديدة ورحلات الأوروبيين عبر المحيط للوصول إليها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد