«مرحبا أنا أميرة محمد علي»؛ عبارة مقتضبة استهلت بها الزعيمة الجديدة للكتلة البرلمانية لحزب اليسار الألماني حديثها للصحافيين فور انتخابها، لكنها حملت التقاء فريدًا بين الشرق والغرب، وبين مينائي بورسعيد وهامبورغ، وبين سيدة مسلمة وحزب يعد الأكثر يسارية في أوروبا.

أميرة اختارت شعارًا متفردًا للتعبير عنها، وهو «صخب في الغابة»؛ ويمنح قصتها المزيد من الإثارة، ويربطها بقصة محمد علي كلاي، الذي اختار الشعار نفسه في أشهر مباراة ملاكمة في التاريخ؛ والتي جمعته بجورج فورمان، وفاز فيها محمد علي كلاي بالضربة القاضية.

وبالفعل، أحدث الشعار أثره، وأثار وصول أميرة محمد علي (39 عامًا) لرئاسة كتلة حزب اليسار صخبًا في غابة السياسة الألمانية، وباتت السياسية الصاعدة بقوة؛ نموذجًا وعنصرًا أساسيًّا في جهود كسر موجة صعود اليمين المتطرف، ومصدر إلهام للمهاجرين، ودافعًا للاندماج في المجتمع.

ورغم أن أميرة محمد علي ورثت الجينات المصرية عن والدها المنحدر من مدينة بورسعيد، فإنها لا تحمل ملامح عربية، إذ تسيطر عليها ملامح أوروبية توارثتها عن والدتها المنحدرة من هامبورغ.

دولي

منذ سنة واحدة
التمويل إسلامي والدعم إسرائيلي! سر خلطة صعود اليمين المتطرف الإسباني

«لن تكون دمية».. انتصار مفاجئ لمبتدئة غير معروفة

في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، انتخبت كتلة حزب اليسار (حزب معارض) في البرلمان الألماني، أميرة محمد علي، وديمتار بارتش لرئاستها، إذ يتبع الحزب مبدأ الرئاسة المشتركة، وينتخب رجلًا وامرأة لرئاسة كتلته.

وعلى مقعد المرأة، حصدت أميرة أصوات 36 نائبًا، بنسبة 52.2%، مقابل 29 صوتًا (42%) لمنافستها كارن لاي. وفي كلمة مقتضبة عقب انتخابها، قالت أميرة إن «رئاستها للكتلة البرلمانية هو بالأساس تكليف من النواب لتوحيد المجموعة الممثلة لحزب اليسار في البرلمان، وتجاوز خلافاتها».

وتخلُف أميرة، في منصبها القيادي الجديد، زعيمة الكتلة السابقة سارة فاغنكنيشت، ذات «الكاريزما» الطاغية والشعبية الواسعة، التي قررت الانسحاب «لأسباب صحية». 

ورغم أن حزب اليسار هو ثاني أصغر كتلة نيابية في البرلمان، ويبلغ عدد نوابه 69 نائبًا، فإنه من الأحزاب المعارضة المهمة. فهو إلى جانب حزب الخضر (يسار) (67 نائبًا)، والحزب الديمقراطي الحر (يمين وسط) (80) يشكلون كتلة معارضة في مقابل كتلة حزب البديل لأجل ألمانيا (91 نائبًا)، صاحب أكبر كتلة برلمانية معارضة.

وكان فوز أميرة محمد علي بالمنصب مفاجأة، و«ذروة مسيرة سياسية خاطفة»، حسب وصف صحيفة «فرانكفورتر إلغماينه»، التي أضافت في تعليقها على الخبر «النجمة فاغنكنيشت خلفتها مبتدئة غير معروفة». 

ولفتت الصحيفة إلى أن نجاح السياسية ذات الأصول المصرية يعود «بشكل أقل للكاريزما التي تتمتع بها، وبدرجة أكبر لعلاقات القوة التي تربط بين أعضاء كتلة الحزب المنقسمة على نفسها».

ووفق الصحيفة، فإن أميرة محمد علي تنتمي للجناح الأكثر يسارية في الحزب، وحظيت بتأييد دائرة فاغنكنيشت على حساب منافستها التي خسرت السباق «لأن الأخيرة تتمتع بعلاقة قوية مع زعيمة الحزب كاتيا كيبنغ». ولفتت الصحيفة إلى أن «ديتمار بارتشن، الرئيس المشترك للكتلة، لم يشأ العمل مع كارن لاي لأسباب شخصية، فأقنع أميرة محمد علي بالترشح، وهو ما قبلت به». 

ويعاني حزب اليسار خلافات عميقة منذ السنوات، بين الجناحين المتشدد الذي تمثله زعيمة الكتلة السابقة، فاغنكنيشت، وبين الجناح الوسطي، ما دفع أميرة محمد علي لتأكيد أن مهمتها الرئيسية هي توحيد الحزب.

ورغم ملابسات وصولها إلى منصبها، قالت صحيفة «ذود دويتشه»: «استنادًا لظهور أميرة الأول، إذ بدت مسترخية وواثقة، فإن أي شخص يقول إنها ستكون دمية للزعيم المشترك بارتش، مخطئ».

رئيسة كتلة اليسار لم تكن مهتمة بالسياسة قبل 2015!

كان فوز أميرة بمنصبها الجديد مفاجأة كبيرة؛ لأنها تعد من النواب غير المعروفين كثيرًا، ولا يزيد عدد متابعيها على موقع التدوينات القصيرة «تويتر» عن الألفين. كما إنه لم يمضِ على وجودها في البوندستاغ (البرلمان الألماني) أكثر من سنتين، فقد انتخبت لعضوية البرلمان لأول مرة عام 2017. 

شعار حزب اليسار الألماني

ودخلت أميرة عالم السياسة منذ أربع سنوات فقط، وبالتحديد في عام 2015، عندما انضمت لحزب «اليسار» في مدينة ألدنبرغ بولاية ساكسونيا السفلى شمالي ألمانيا، التي انتقلت إليها من هامبورغ قبل 10 سنوات. 

ولم تعكس حياة أميرة المهنية اهتمامًا كبيرًا بالسياسة قبل 2015، فقد كانت تعمل محامية لشركة سيارات في ألدنبرغ، بعدما درست الحقوق في جامعتي هامبورغ وهايدلبرغ. 

إلا أن منفذها للسياسة كان زوجها الذي كان ناشطًا سياسيًّا والتقته لأول مرة في ألدنبرغ. ومع تطور علاقتهما، بدأت اهتمامات أميرة محمد علي السياسية تزداد، رغم أنها كانت تطمح لأن تصبح قاضية. 

ومع دخولها عالم السياسة، ووصولها إلى البوندستاغ عام 2017، كانت اهتماماتها الرئيسية آنذاك تتركز على البحث في حماية المستهلك والحيوان.

«أول مسلمة».. وتحارب العنصرية أيضًا

باتت أميرة محمد علي أول مسلمة تترأس كتلة نيابية في البرلمان الألماني، ما يعد ذا دلالة كبيرة في ظل صعود اليمين المتطرف؛ إذ يعد حزب «البديل لأجل ألمانيا» المعادي للمسلمين، ثالث أكبر كتلة برلمانية، وحزب المعارضة الرئيسي.

Embed from Getty Images

شعار حزب «البديل لأجل ألمانيا»

وفي مقابلة سابقة، قالت أميرة محمد علي إنها «لا تزور المساجد باستمرار، لكن دينها مهم بالنسبة لها». لكن تكوينها الديني وأصولها المهاجرة يلعبان دورًا كبيرًا في توجهاتها المعادية للعنصرية والتمييز، وتنشط كثيرًا في مكافحة الظاهرة.

فبعد انتخابها رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب اليسار، نشرت على حسابها بموقع التدوينات القصيرة «تويتر» رابطًا لمقال حول عزل شتيفان براندنر، النائب البرلماني عن حزب «البديل لأجل ألمانيا» من رئاسة اللجنة القانونية في البرلمان.

وعلقت السياسية الألمانية قائلة «أنا فخورة أننا صوّتنا لصالح عزل براندنر من رئاسة لجنة الشؤون القانونية. هذا القرار الصحيح وإن جاء متأخرًا. لا مكان للعنصرية واليمين المتطرف». 

وأثار براندنر جدلًا كبيرًا بعدما شارك تعليقًا على «تويتر» يهزأ من «السياسيين الذين يستلقون أمام دور عبادة اليهود» بعد الاعتداء على الكنيس في مدينة هاله، في إشارة إلى السياسيين المتضامنين مع اليهود بعد الاعتداء المسلح الذي وقع الشهر الماضي وأوقع قتيلين، وتبناه مجموعة من النازيين الجدد.

وفي 14 نوفمبر الماضي، أحيت ألمانيا ذكرى مقتل عدة أشخاص من أصول مهاجرة بين عامي 2000 و2006 على يد مجموعة من النازيين الجدد، ما دفع أميرة محمد علي للتعليق عبر «تويتر» قائلة: «ثماني سنوات مرت على القبض على أعضاء الجماعة اليمينية المتطرفة. اعتداء هاله واغتيال لوبكه يظهران كم هو خطير اليمين المتطرف. والأهم كم هو أساسي أن ندافع عن أنفسنا منه». 

وفالتر لوبكه هو سياسي منحدر من «الحزب الديمقراطي المسيحي» (يمين وسط) في ولاية هيسه، وقد قُتل برصاصة في رأسه في حديقة منزله، في يونيو (حزيران) الماضي، على يد يميني متطرف، بسبب تعاطفه مع اللاجئين. وتسبب مقتله بصدمة في ألمانيا وجرى على إثر الجريمة اتخاذ إجراءات لتشديد العقوبات ضد من يروج لأفكار اليمين المتطرف ومراقبة المتطرفين.

دولي

منذ 8 شهور
بعد 75 عامًا من سقوط النازية.. هل يعود اليمين المتطرف لحكم ألمانيا؟

في البدء كانت العائلة.. من هنا بدأت القصة

تعد أميرة محمد علي حديثة العهد بالسياسة، بل إن السياسة لم تكن في صدارة اهتماماتها، لكنها نشأت في عائلة يمكن وصفها بالسياسية؛ فوالدها المصري المهاجر كان عضوًا في «الحزب الاشتراكي الديمقراطي» (يسار وسط)، ثاني أكبر أحزاب ألمانيا، وأحد أقطاب الحكومة الحالية.

ورغم نشاط والدها السياسي، لم يكن غنيًّا، ما دفع ابنته للعمل في سن صغيرة لاستكمال دراستها. وعملت أميرة محمد علي في سن 16 عامًا، بائعة ونادلة في مهرجانات شعبية في هامبورغ، وبررت ذلك في حديث صحفي نشر مؤخرًا بأنه «كان ضروريًّا لأسباب مادية».

أميرة محمد علي، رئيس كتلة اليسار في البرلمان الألماني

 أميرة محمد علي، رئيس كتلة اليسار في البرلمان الألماني

حاجة أميرة محمد علي إلى المال، وعملها المبكر دفعها لأقصى اليسار، وتبني الأفكار المعادية للرأسمالية، على حد قولها. ودفعها لتبني منظومة فكرية تعلي من «كرامة الإنسان»، وضرورة وجود «دولة رفاهية توفر خدمات قوية لمواطنيها وبيئة عمل جيدة وآمنة، وتعليم مجاني»، فضلًا عن اهتمامها الكبير بحقوق الحيوانات.

وتماشيًا مع أفكار حزبها الرافضة للحروب، تتبنى أميرة محمد علي سياسة خارجية داعية للسلام بشكل مستمر، لذلك صوتت خلال عضويتها في البرلمان، ضد تمديد مهمات القوات الألمانية لحفظ السلام في لبنان وكوسوفا، بل صوتت أيضًا ضد مشاركة القوات الأمريكية في أي دور قتالي في إطار التحالف الدولي لمكافحة «داعش». 

ويرفض «حزب اليسار» بشكل قاطع أي دور خارجي للجيش الألماني، حتى ولو كان في إطار عمليات حفظ السلام الدولية أو الأممية. ولا يشاركه هذا التوجه سوى «حزب البديل لأجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

«لستُ مزحة»..

«ماذا تعني أميرة؟» طُرح هذا السؤال على السياسية الألمانية في أوج فوزها بمنصبها الجديد، لكنها ردت على الصحافية، كريستينا دونتس، بعبارة واضحة «تعني الأميرة المنحدرة من عائلة ملكية أو الحاكمة».

بل إن أميرة محمد علي تمتعت حقيقة بهدوء الأميرات، حينما سئلت عن المشاكل التي يسببها لها اسمها، والنكات والسخرية التي تربط بينها وبين محمد علي كلاي، وردت قائلة في المقابلة نفسها: «يوجد الكثير من النكات والمقارنات التي تتكرر بلا نهاية، وكثيرًا ما أسمع تعليقات ساخرة مثل «ستهزمين نفسك» وأشياء من هذا القبيل».

وأضافت «هذا يبدو لطيفًا أحيانًا، وفي أحيان أخرى يكون مزعجًا. كثير من الناس يعتقدون أن اسمي نفسه مزحة، ويعتقد آخرون أنني رجل، لكن هذا هو اسمي».

ولا تقف خصال السياسية المصرية الأصل عند الهدوء والثقة بالنفس، فهي شخصية ثرية تغني كثيرًا في إطار حياتها الخاصة ودائرة أصدقائها، وتعزف الموسيقى على الجيتار، ولا تتوقف عن القراءة.

أميرة محمد علي.. مستقبل واعد وخطوة لكسر موجة التطرف

لا يمكن بأي حال التعاطي مع فوز أميرة محمد علي برئاسة كتلة «حزب اليسار» في البرلمان الألماني، بمعزل عن السياق العام في السياسة الألمانية التي تشهد موجة صعود كبيرة لحزب اليمين المتطرف «البديل لأجل ألمانيا»، تتزامن مع زيادة مطردة في حوادث العنف اليميني، وحدوث جرائم اغتيال سياسي، مثل اغتيال السياسي فالتر لوبكه، والتي تحدث لأول مرة منذ عقود.

وفي هذا الإطار، يقول الخبير السياسي الألماني تورستن فاس إن «انتخاب سيدة مسلمة ذات أصول مهاجرة لرئاسة كتلة برلمانية لحزب ألماني لأول مرة في تاريخ البرلمان، ذو دلالة كبيرة»، موضحا: «هذه خطوة في طريق كسر موجة صعود اليمين المتطرف، وتقديم نموذج سياسي غير مسبوق للشارع ممثل في أميرة، التي تجمع بين الأصول المهاجرة والقيم الألمانية».

ويتابع «هذا نموذج مهم في الوقت الراهن، ويثبت أن اليمين المتطرف الذي يعادي المهاجرين لا يملك تأثيرًا كبيرًا في المجتمع والنخبة؛ لأن سيدة مسلمة من أصل مصري نجحت رغم البروباجندا اليمينية في أن تصبح رئيسة لكتلة برلمانية». ويضيف «كما أن أميرة تملك كاريزما، وشخصية ثرية يمكناها من إحداث فرق في السياسة الألمانية، وتسطير مستقبل جيد».

«دلالات هذا الفوز لا تتوقف عند ذلك؛ لأنه بكل تأكيد يلهم ملايين المهاجرين المقيمين في ألمانيا على الاندماج في المجتمع، والبحث عن الترقي المستند للكفاءة»، يقول فاس قبل أن يضيف: «أميرة ستكون نموذجًا لألمانيا الجديدة التي تستوعب الجميع، ومصدر إلهام للمهاجرين».

دولي

منذ سنة واحدة
«ديلي بيست»: ماتيو سالفيني.. «ترامب إيطاليا» الذي أطلق حملة قومية لتدمير أوروبا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد