تروج منظمة العفو الدولية لفكرة تبدو في ظاهرها خيرة وإنسانية على غرابتها، ولكن هل هي حقيقية؟ هل يمكننا تغيير العالم في عشر ثوانٍ؟ هل يمكننا حقًّا إنقاذ حياة شخص بضغطة زر؟


«عندما فقط يتم الإفراج عن آخر سجين رأي، وعندما فقط يتم إغلاق آخر غرفة إعدام، وعندما فقط يصبح الإعلان العالمي واقعًا ملموسًا لشعوب العالم، سنكون إذًا قد أنجزنا عملنا».

*بيتر بينيسون، مؤسس منظمة العفو الدولية

منظمة العفو الدولية، حركة عالمية تضم أكثر من سبعة ملايين شخص، في ما يزيد على 150 بلدًا وإقليمًا، و70 مكتبًا إقليميًّا مفتوحًا في إفريقيا، وآسيا، والمحيط الهادئ، ووسط  وجنوب أوروبا، وأمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، حائزة على جائزة نوبل للسلام عام 1977، وتناضل من أجل وضع حدٍّ لانتهاكات حقوق الإنسان، وتتلقى المنظمة دعمها المالي بشكل رئيسي من الأشخاص العاديين من مختلف بقاع العالم، وتتيح هذه المساهمات المالية الفردية والتبرعات غير المشروطة للمنظمة الحفاظ على استقلاليتها الكاملة عن الحكومات، والأيديولوجيات، والديانات، والتحزبات السياسية، والمصالح الاقتصادية.

«أدركت أن حالتي قد أصبحت معروفة على نطاق واسع، وأدركت أنه لم يعد بوسعهم أن يقتلونني، ومن ثم خفت الضغوط عليَّ، وتحسنت الظروف»، هكذا حكى لويز باسيليو روسي، وهو دكتور اقتصاد في جامعة ساو باولو، ورئيس اتحاد التجارة في البرازيل، وكان معارضًا للديكتاتورية العسكرية في البرازيل، عن مدى التأثير الذي تركته حملة التضامن والدعم له حين كان معتقلًا، في حياته.

يعود ميلاد المنظمة لعام 1961، حين أطلق المحامي البريطاني بيتر بينسون حملة عالمية تحت شعار «مناشدة العفو لعام 1961»، مع نشر مقال بارز في صحيفة ذا أوبزرفر البريطانية بعنوان «السجناء المنسيون». وكان دافعه إلى كتابة هذا المقال أنه قرأ خبرًا عن طالبين سُجنا في البرتغال لرفعهما كأسيهما تحيةً للحرية، وقد أعادت صحف أخرى في شتى أنحاء العالم نشر تلك المناشدة طوال عام، فكانت بمثابة الدفعة الأولى لإنشاء منظمة العفو الدولية، وفي اليوم العالمي لحقوق الإنسان من نفس العام -العاشر من ديسمبر (كانون الأول) 1961- أُشعلت الشمعة الأولى لمنظمة العفو الدولية في كنيسة «سان مارتن إن ذا فيلدز» في لندن.

كيف تنقذ ضغطةُ زر حياةَ شخصٍ؟

«ما يربو على مليون شخص قاموا بحملة ناجحة من أجل الإفراج عن مريم يحيى إبراهيم في 2014، وهي امرأة سودانية حكم عليها بالإعدام شنقًا لتركها دينها». منظمة العفو الدولية

صورة لمريم يحيى إبراهيم

في يناير (كانون الثاني) 1962، وصلت أولى بعثات البحوث إلى غانا، وتبعتها بعثة أخرى إلى تشيكوسلوفاكيا في فبراير (شباط) من نفس العام، من أجل قضية سجين الرأي الأسقف جوزف بران، ثم بعثتان إلى البرتغال وألمانيا الشرقية، وتأسس «صندوق سجناء الرأي» لتقديم إعانات للسجناء وعائلاتهم.

شهد العام نشر أول تقرير سنوي للمنظمة، وتضمن تفاصيل عن 210 مساجين، تبنت حالاتهم 70 مجموعة في سبع دول، بالإضافة إلى 1200 حالة موثقة في «سجل سجناء الرأي» الذي فتحه الباحثون للتدوين، وخلال اجتماع عُقد في بلجيكا، اتُخذ قرار بإنشاء منظمة دائمة تحمل اسم «منظمة العفو الدولية»، وبنفس العام حضر مندوب من المنظمة محاكمة نيلسون مانديلا.

وفي قصة أخرى في الجانب الآخر من العالم، تحكي منظمة العفو الدولية «أن الشرطة في الفلبين قالت إن الرسائل التي استلمتها من (منظمة لحقوق الإنسان) حثتها على إجراء تحقيق في مزاعم التعذيب الصادمة التي تعرض لها جيريمي كوري، ومنها الصعق بالكهرباء، واللكم، والتهديد بالقتل. آلاف من أنصار منظمة العفو الدولية شاركوا في الحملة التي نظمتها بعنوان اكتبوا من أجل الحقوق في عام 2014 للمطالبة بالتحقيق في مزاعم التعذيب التي تعرض لها جيريمي».

تحقق المنظمة أهدافها بثلاث طرق تبنتها: الأبحاث التي يقوم بها خبراء المنظمة، والدعوة وكسب تأييد الجماهير للضغط على الحكومات ومتخذي القرار، والحملات والتحرك من خلال العرائض والرسائل والاحتجاجات.

تتبنى المنظمة القضايا التي تدافع عن مبادئها كالحقوق الجنسية، والرأي، والتمييز العنصري، وحرية الاعتقاد، تتبنى المنظمة الحالات وتوثقها من خلال مندوبيها حول العالم، وتوكل محاميها للدفاع عنهم، وجمع تبرعات لأسرهم حتى إطلاق سراح السجناء. وبالرجوع لتاريخ منظمة العفو الدولية، ففي عام 1969 أسفرت جهود المنظمة عن إطلاق سراح ألفين من سجناء الرأي، ما دفع الأمم المتحدة لمنحها الصفة الاستشارية لدى منظمة التربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، ووافقت الأمم المتحدة بالإجماع على قرار يستلهم مبادئ منظمة العفو الدولية، ويدين التعذيب رسميًّا، وانتُخب ممتاز سويسال، من تركيا، عضوًا في اللجنة التنفيذية الدولية، وهي أعلى هيئة قيادية في منظمة العفو الدولية، وكان بذلك أول سجين رأي سابق ينضم إلى عضوية اللجنة.

في اليوم العالمي لحقوق الإنسان، العاشر من ديسمبر (كانون الأول) 1982، أصدرت المنظمة مناشدة تدعو إلى الإفراج عن جميع سجناء الرأي في العالم، وقد وقَّع أكثر من مليون شخص على المناشدة، التي قُدمت في النهاية إلى الأمم المتحدة في العام التالي، وبعد ذلك التاريخ بعشر سنوات نظم نشطاء منظمة العفو الدولية مظاهرة خلال المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان، الذي عقدته الأمم المتحدة في فيينا، وعرضوا خلالها تحركات عاجلة لحالات من مختلف أنحاء العالم.

تبنت الأمم المتحدة اقتراح منظمة العفو الدولية بإقامة محكمة جنائية دولية عام 1998، وجمعت المنظمة 13 مليون توقيع في نفس العام.

وبطرق مبتكرة تجمع المنظمة تبرعات بإقامة حفلات خيرية، فبمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، أُقيم حفل موسيقي في باريس عام 2003 شاركت فيه إذاعة راديو هيد، ومؤسسة آسيان دب، كما شارك فيه الموسيقيون: بروس سبرنغستين، وتراسي شامبان، وألانيس موريسيتي، ويوسو ندور، وبيتر غابرييل، وشهد الحفل حضور الدلاي لاما، وعدد من نشطاء حقوق الإنسان في العالم؛ وقدمت السيدة يوكو أونو، أرملة المغني الشهير جون لينون، هدية لمنظمة العفو الدولية تمثلت في منحها حقوق تسجيل أغنية «تخيل» وأغاني لينون الفريدة.

«قالت الحكومة النرويجية إنها ستغير القانون لكي تسمح للأفراد الذين يرغبون في تغيير وضعهم الجنسي من الناحية القانونية بالمضي قدمًا في ذلك، وجاء هذا التطور في أعقاب الحملة التي نظمتها منظمة العفو الدولية لصالح جون جنيت سولستاد ريمو، وهي امرأة متحولة جنسيًّا لكنها لم تستطع تغيير جنسها القانوني بدون العلاج الطبي الإلزامي». *منظمة العفو الدولية

قضايا تبنتها المنظمة ونجحت

منظمة العفو الدولية تدعم إدوارد سنودن ضابط الاستخبارات الأمريكية السابق الذي كشف وثائق أمريكية سرية خطيرة

«شكرًا لكم. بسببكم وقف الملايين من الأحرار إلى جوار رائف. بسبب دعمكم تغير الوضع كثيرًا. رجاءً لا توقفوا الدعم حتى يتم الإفراج عن رائف»، هكذا حكت زوجة رائف بدوي الذي سجنته السلطات السعودية، عن دعم المنظمة وأهميته لقضية زوجها.

القضايا التالية ليست حصرًا لأعمال المنظمة، لكنها الأبرز في عامي 2015- 2016:

1- منذ 1977، ومنظمة العفو الدولية تحاول وضع حد لعمليات الإعدام، ونجحت في ذلك إلى حد ما عندما ألغت 16 بلدًا عقوبة الإعدام في القانون أو التطبيق العملي، وأما اليوم، فقد ارتفع العدد إلى 140 بلدًا، أي ما يقترب من ثلثي بلدان العالم أجمع.

2- أصبحت أيرلندا أول بلد في العالم يطرح المساواة الكاملة في الزواج المدني لأي  شخص بغض النظر عن ميوله الجنسية، وقال المدير التنفيذي لمنظمة العفو الدولية في أيرلندا، كولم أوغورمان، إن «هذا (القرار) يرسل رسالة إلى المثليات والمثليين ومزدوجي الجنس والمتحولين جنسيًّا وثنائي الجنس في كل مكان، ومؤداها أن علاقاتهم وعائلاتهم تهم».

3- إطلاق سراح محمد فهمي، وباهر محمد في سبتمبر (أيلول) 2015  بموجب مرسوم رئاسي تضمن عفوًا عن 100 سجين في مصر، لإدانتهما بنشر أخبار غير صحيحة إلى جانب زميلهما، بيتر غريستي بعدما اعتقلوا في 2013.

محمد فهمي وباهر محمد بعد الإفراج عنهما

«نحن ننشئ نوعًا جديدًا من القوة لحقوق الإنسان، تجمع بين القوة العالمية وسمعة منظمة العفو الدولية، بأصوات النشطاء في كل مكان». *أتيلا روكيو، مدير الفرع البرازيلي لمنظمة العفو الدولية

4- أفرج عن الناشط والصحافي حسام بهجت، بعد أيام من إدانة منظمة العفو الدولية والمجتمع الدولي لاعتقاله. ورأت العديد من الجهات الدولية الضاغطة حينها أن احتجازه كان دليلًا آخر على الهجمات التي تشنها السلطة في مصر ضد الصحافة المستقلة، والمجتمع المدني.

5- وحد متطوعون من اليونان إلى ألمانيا جهودهم لمساعدة اللاجئين والمهاجرين الذين وصلوا حديثًا إلى أوروبا؛ لكي يحصلوا على الطعام، والملابس، والعناية الطبية، وذلك بسد الثغرات الصارخة في نظام اللجوء المتعنت للاتحاد الأوروبي، ورفع المتطوعون شعار:«مرحبًا باللاجئين».

ادعم شوكان

الآن توجد حملة لدعم المصور الصحافي شوكان، الذي قبض عليه أثناء تأديته لعمله وقت فض اعتصام رابعة العدوية، ولم يفرج عنه حتى الآن. إذا كنت قد اقتنعت بعد هذا التقرير بأن ضغطة الزر يمكنها أن تغير الواقع، وتريد مساعدة شوكان، اضغط على الصورة التالية، ووقع على العريضة المقدمة للنائب العام المصري لدعم المصور الصحافي.


عرض التعليقات
تحميل المزيد