ميرفت عوف

8

ميرفت عوف

8

حرمت إسرائيل قطاع غزة من الكثير من مظاهر البهجة، قبيل السنوات العشرة الأخيرة، لم يكن غالبية الأطفال في القطاع قد رأوا أسدًا أو نمرًا حقيقيًا، لكن تحقق ذلك عبر مرورها من الأنفاق الحدودية. اليوم أصبح الوضع مأسويًا، اضطرت غالبية الحدائق إلى غلق أبوابها، نتيجة الخسائر المادية، أو موت أعداد كبيرة من حيواناتها بسبب الحصار، والغارات والجوع وعدم توفر الرعاية الصحية، حتى إنّ إقبال الغزيين على اصطحاب أبنائهم للترفيه لم يعد البتة كما كان.

وبينما يندب الغزيون حظهم السيئ بسبب عدم القدرة على السفر والتحرك وعدم مراعاة ظروفهم النفسية، تتوالى بين الفينة والأخرى التحركات التي تخرج حيوانات هذه الحدائق للعلاج أو العيش خارج القطاع، لتعج حينها وسائل التواصل الاجتماعي بالسخرية والإعراب عن رغبة هذا الغزي أو ذلك بأن يكون قردًا أو أسدًا أو قطة يحظى بالعلاج والسفر.

انتحار قرد.. آخر تبعات الوضع النفسي لحيوانات غزة

كان خبرًا نوعيًّا وغريبًا، أفاق عليه سكان قطاع غزة أول أمس، عندما تناولت وسائل الإعلام بالصور خبر انتحار قرد في حديقة الحيوانات الكائنة في مدينة رفح (جنوب قطاع غزة)، فقد أقدم القرد «ريكو» على شنق نفسه، بعدما ساءت حالته النفسية.

القرد المنتحر في حديقة بغزة

«ريكو» كان يعيش وسط مجموع من الحيوانات والطيور لا تنال طعامًا جيدًا، ولا رعاية صحية، ولا خبرة لدى من يمتلكها بتربية الكثير من أنواع الحيوانات خاصة المفترسة، لقد بدا الهزال على غالبها، هزال أفقدها الرغبة في القفز أو العواء، أو الصياح، كما أن زوار الحديقة لا يساعدونها، فهم إن أتوا تحت إلحاح الأطفال، بالكاد يوفرون تكاليف المواصلات ورسوم الدخول، لذلك لا يأتون بطعام جيد لهذه الحيوانات.

الوضع النفسي السيئ للحيوانات في قطاع غزة، تسبب في وقت لاحق في رفض الكثير من اللبؤات إرضاع أشبالها، الأمر الذي دفع حديقة حيوان بغزة للاستعانة بكلبة، حديثة الولادة، كي تتولى عملية إرضاع أشبال، حدث ذلك في يونيو (حزيران) العام الماضي، عندما تولّت كلبة أم لثمانية جراء، حديثي الولادة، عملية إرضاع صغير أسد وُلد في حديقة «نماء» الواقعة شمال قطاع غزة.

أسود في حديقة بغزة (جريدة القدس)

يقول صاحب حديقة حيوان في مدينة رفح الفلسطينية «محمد جمعة»: «منذ بدء الحصار تراجعت أوضاع الحديقة أكثر فأكثر وقل المردود المالي الذي لم يعد كافيًا لشراء الطعام للحيوانات الموجودة»، ويضيف جمعة الذي اضطر إلى بيع اثنين من الأسود و12 قردًا واثنين من السلاحف الضخمة إلى حديقة الحيوانات في طولكرم: «تشديد الحصار على القطاع حرم الحيوانات من إيجاد الطعام المخصص إليها والذي كان لفترات يسمح بدخوله عبر المعابر والأنفاق قبل تدميرها، ما أثَّر كثيرًا عليها وتسبب في موت بعضها، يضطر لإطعامها لحومًا مجمدة لإبقاء ما عنده منها على قيد الحياة».

أما صاحب حديقة (غابة الجنوب) «محمد عويضة»، الذي قام بعرض ما يملك من حيوانات في حديقته للبيع، حفاظًا على حياتها من النفوق، فيقول: «كانت حديقة جميلة، لا يسكت فيها صوت الأطفال (..) للأسف الآن الحيوانات أصبحت هزيلة وغير قادرة على الحركة؛ بسبب قلة الطعام، وعدد منها يحتاج لدواء ليس بالإمكان توفيره».

السفر من أسوأ حديقة حيوان في العالم

في يونيو (حزيران) الماضي وبينما كان سكان قطاع غزة تحت وطأة قرار الرئيس الفلسطيني «محمود عباس» بوقف استصدار تحويلات طبية، تناقلت وسائل الإعلام أخبار وفاة المرضى وخاصة الرضع منهم، انتشر خبر نقل قطة من القطاع للعلاج في إسرائيل. إذ سمحت إسرائيل بنقل القطة التي تعود ملكيتها لسيدة أوكرانية متزوجة من فلسطيني، وبالفعل خرجت القطة عبر سيارة إسعاف خاصة للمستشفي وتم علاج كسر فكها ثم أعيدت بعد أيام للقطاع.

تلك القطة كانت آخر ما أخرجته إسرائيل من حيوانات قطاع غزة للعلاج في الخارج أو للانتقال عبر معبر بيت حانون (إيرز) إلى محميات طبيعية في الخارج، لكن سبق خروجها العديد من الحيوانات بذريعة توفير احتياجاتها والحفاظ على حياتها. النمر «لذيذ» الذي كان موجودًا في حديقة حيوان بخان يونس خرج أيضًا من قطاع غزة، فقد انتقل النمر إلى إحدى محميات مقاطعة (فري ستايت) في جنوب إفريقيا بعد رحلة طويلة، عقَّب عليها فريق منظمة (Four Paws) النمساوية بالقول «أخيراً لذيذ في بيته» مرفق ذلك بصورة على إنستجرام للنمر.

وتعدّ واحدة من أشهر عمليات خروج حيوانات غزة، ما حدث قي سبتمبر (أيلول) العام 2014، فبينما كان الغزيون يلملمون جراحهم إثر العدوان الأخير على قطاع غزة، تمت عملية نقل ثلاثة أسود إلى محمية (المأوى) الطبيعية في الأردن، وذلك لتلقي العلاج النفسي من آثار العدوان، وأصبح حينها سفر الأسود حديث الشارع الفلسطيني الذي سخر من مراعاة نفسية هذه الأسود، بينما يبقون هم يعانون الويلات في القطاع المحاصر منذ عشر سنوات.

فبعد مقتل لبؤة خلال القصف، خرج زوجها «وحيد» مع زوجين آخرين تم إطلاق أسماء «صابر» و«صابرين» عليهما برفقة طاقم طبي من منظمة (Four Paws) النمساوية لحقوق الحيوان عن طريق معبر بيت حانون (ايرز)، وقد أشرفت هذه المؤسسة في أغسطس (آب) 2016 على عملية إخراج أخرى للحيوانات في القطاع، فقد نقل وفد متخصص 15 حيوانًا يعاني من اضطرابات نفسية من حديقة حيوان تقع في خان يونس التي صنفتها المنظمة السابقة أسوأ حديقة حيوان في العالم، وقد كانت تكلفة نقل الحيوانات من قطاع غزة إلى الأردن وجنوب أفريقيا في رحلة علاج بلغت 40.000 يورو.

تحنيط الحيوانات النافقة.. حلٌ آخر

بغية التنويه إلى خطر الإغلاق الذي يتهدد الحديقة في ظل الحصار الإسرائيلي لغزة، التقطت قبل فترة عدسة وكالة الأنباء الفرنسية صورة وصفت بالمثيرة لفلسطيني يحمل ثعباناً ضخماً في حديقة الحيوانات في رفح (غزة). لقد قرر صاحب حديقة (غاب الجنوب) تحنيط الكثير من الحيوانات النافقة بسبب نقص الرعاية والجوع، حنط بعد أن اطلع على شبكة الإنترنت على فن تحنيط أجسام الحيوانات، ووضعها في الأقفاص، منها نمر وقرد وضبع وتمساح وثعبان، حتى أصبح الجزء الشمالي من الحديقة خاص بمومياء الحيوانات، يقول صاحب الحديقة «محمد عويضة» : «قمت بتحنيط 40 روحًا أهمها الضبع والنمر والتمساح، وبعد عدوان 2012 بعنا قطعة أرض لنشتري حيوانات، وبدأنا العمل من جديد، لكن عدوان 2014 قتل بقية الأمل في الحديقة».

أسد تم تحنيطه في غزة

الغزيون يحسدون الحيوانات التي تسافر

«عندما يتمنى ما يقارب المليوني شخص في غزة، بأن يكونوا (حيوانات)، نعلم أن الحالة الاجتماعية والسياسية وصلت لأبعد من مجرد حصار سياسي، وإنما سلخ الإنسان عن إنسانيته» جزء مما قاله الكاتب والأكاديمي «هادي عبد الهادي العجلة» تعقيبًا على سخرية الفلسطينيين الذين أعربوا عن أمنيتهم بأن يصبحوا نمرًا أو قردًا من أجل نيل حريتهم.

إذ لم تمر عمليات نقل الحيوانات أو سفرها للعلاج مرورًا عابرًا عند أهالي قطاع غزة، وهي حيوانات وجدت خلال السنوات العشر الماضية فقط، فبالعودة إلى بدايات الاهتمام بإنشاء حدائق الحيوان بغزة، يمكنا القول إن إدخال الحيوانات لقطاع غزة ذي المساحة الضيقة (360 كلم مربعًا)، والكثافة السكانية المرتفعة (4,505 فردًا /كم مربع) تسبب ببهجة كبيرة في نفوس الغزيين لكون القطاع كان يفتقر للحيوانات البرية قبل ذلك، إذ يمنع السياج الحدودي الفاصل الذي أقامته إسرائيل عام 1967 وصول الحيوانات البرية من الداخل المحتل حيث الطبيعة الخلابة والغابات.

عمليات نقل الحيوانات (المصدر: حسن اصليح)

فسرعان ما انتهز الفلسطينيون ازدهار تجارة الأنفاق بين مصر والقطاع، خلال فترة من 2011 – 2013، وأقدموا على إدخال العديد من الحيوانات مثل الأسود والنمور، والتماسيح، ورغم إغلاق غالبية الحدائق يوجد الآن في قطاع غزة أربع حدائق حيوان صغيرة، ومتواضعة، وغير حكومية بها حيوانات برية متعددة، كالأسود والنمور، والثعالب والذئاب، والطيور بأنواعها المختلفة.

وكما أسلفنا، الأمور تدهورت كثيرًا في السنوات الأخيرة بسبب الحصار الإسرائيلي، والعدوان المتكرر، حيث فقدت حدائق الحيوان عامةً في القطاع، الكثير من بريقها، بسبب صعوبة توفير الأغذية، والأدوية المناسبة، وغياب الرعاية الطبية اللازمة.