“هذا المقال تم كتابته ونشره عام 2002 بالعدد العاشر من النشرة الإخبارية الخاصة بالمعهد الدولي للدراسات الإسلامية بالعالم الحديث، كتبه د/ أسيف بيات أستاذ علم الاجتماع ودراسات الشرق الأوسط حينها بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والذي يدرس حاليًا بجامعة إلينوي بشيكاغو”.

من المفهوم، أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية في الولايات المتحدة الأمريكية، قد دعمت أكثر من غيرها القلق الغربي تجاه الأصولية الإسلامية ورؤية الغرب لها كتهديد. فالهوية الإسلامية للجناة، وما تلى الأحداث من احتجاجات ضخمة في شوارع العالم الإسلامي أثناء القصف الأمريكي لأفغانستان، تركت مجالًا صغيرًا للشك بضعف احتمالية صمود الإسلام السياسي وبقائه في الشرق الأوسط. على الرغم من ذلك، فإن الصورة تخفي بعض التغيرات الضخمة التي مر بها الإسلام السياسي في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة. فهناك تحول واضح من التأكيد على أفكار كيانات الإسلام السياسي إلى إسلام يركز على التقوى والأخلاق؛ من التركيز على جمهور الطبقات الوسطى الفقيرة إلى أتباع أكثر ثراءً.

على الرغم من انفراد كل دولة إسلامية بطبيعتها الخاصة، إلا أنه على ما يبدو هناك تغير عام من الإسلاموية كمشروع سياسي بأجندة مثيرة للجدل، إلى عبادات وقيم معنية بالخلاص الشخصي ومستمدة من الثقافة. أسباب هذا التغير معقدة، لكنها في العموم تشمل أزمات الحكم الإسلامي أينما وضع موضع التنفيذ (كما في العراق والسودان)، وفشل الاستراتيجيات العنيفة (كما في مصر والجزائر)، وسياسات الاحتلال الإسرائيلي المعادية، والتي عتمت على الصراعات الداخلية بالدول الإسلامية، حيث أدى كل ذلك إلى ظهور رؤى جديدة خاصة بالمشروع الإسلامي.

نركز هنا على أحد جوانب هذا التغير، وهو جانب خاص بالنشاط الديني الدعوي في مصر: شعبية فئة جديدة من الدعاة المسلمين في مصر. ونركز بالأخص على ما يتم وصفه حاليًا بظاهرة “عمرو خالد”. عمرو خالد – الداعية الأشهر منذ رحيل الشيخ الشعراوي- يمثل تحول الإسلاموية إلى معتقدات ما بعد الإسلاموية، عبادات وقيم وفكر كثيف من ناحية الشعائر والنصوص، ولكنه ضعيف فيما يخص أمور السياسة. يتميز هذا الفكر بمذاق وأسلوب الأغنياء، بالأخص، شباب ونساء الطبقة الثرية، ويقع اجتماعيًّا تحت النظرية السوسيولوجية لجورج سيمل، عالم الاجتماع الألماني. هذا التقارب بين النخبوية، وثقافة الشباب، وبين الإسلام الشعائري الورع، هو ما أنتج هذا الشكل من الدعوة وأعطاه جاذبيته وانتشاره. جاء نمو هذا التيار من الدعوة على خلفية أزمة الإسلام السياسي، والركود الشديد في المشهد الفكري والسياسي في مصر.

منذ عام 1999، أصبح الداعية عمرو خالد – الذي كان سابقًا يعمل بمهنة المحاسبة– اسمًا مألوفًا ضمن الأحياء الثرية بالقاهرة. ورغم اتباعه لخطى زميليه من الدعاة عمر عبد الكافي وخالد الجندي، إلا أنه تفوق عليهما في الشعبية بين شباب ونساء الطبقة الثرية. متمتعًا بمهارات خطابية عالية ومظهرًا يشبه دعاة التليفزيون، بدأ عمرو خالد بإلقاء محاضرات حصرية داخل المنازل وبعض النوادي الاجتماعية الخاصة، ولكنه سريعًا ارتفع إلى النجومية من خلال منبر مسجد الحصري بالمهندسين، قبل أن يُجبر من قبل السلطات المصرية للانتقال إلى مدينة 6 أكتوبر، مجتمع ثري جديد على أطراف القاهرة. أصبحت حينها دروسه الأسبوعية غذاءً روحانيًّا رئيسيًّا للآلاف من الشباب الذين يحتشدون من مختلف الأحياء الثرية بالقاهرة للاستماع إليه. كانت تصل هذه الحشود قبل محاضراته بساعات للحصول على مقعد، فتمتلئ قاعات المحاضرات والشوارع المحيطة والأرصفة، محدثين في الغالب اختناقات مرورية شديدة. في 1999، ألقى عمرو خالد عددًا من المحاضرات بمعدل 21 محاضرة أسبوعيًّا للطبقات الموسرة اجتماعيًّا، وصل هذا المعدل إلى ذروته في شهر رمضان بـ 99 محاضرة أسبوعيًّا. وكانت شرائط محاضرات عمرو خالد المسجلة على قمة المبيعات بلا منازع في معرض القاهرة للكتاب عام 2002، ووصلت هذه الشرائط المسجلة لأبعد من ذلك حيث تم بيعها بأسواق القدس الشرقية وبيروت ومدن دول الخليج.

الإيمان والمرح

يتعمد الدعاة الجدد استهداف الشباب والنساء من النخبة المجتمعية “أصحاب النفوذ” لأنهم، طبقًا لخالد الجندي، يمتلكون السلطة لتغيير الأشياء. وبما أنه هذه الطبقة بعيدة عن المساجد التقليدية كالموجودة بمناطق الطبقات المنخفضة، فقد ذهب الدعاة بدعوتهم ودروسهم إلى عتباتهم، إلى منازلهم المريحة وأنديتهم الاجتماعية والمساجد الأنيقة بأحيائهم الثرية. والأهم من ذلك، أنه بالإضافة إلى الخطب المباشرة فإن عمرو خالد يستخدم جميع وسائل الإعلام المتاحة لنشر رسالته، منها القنوات الفضائية كقنوات دريم واقرأ وأوربت، والإنترنت كموقعه الإلكتروني العصري، والشرائط الصوتية وشرائط الفيديو والتي تستهدف بالأخص الطبقة المتوسطة والثرية. وقد قامت لبعض الوقت إحدى المجلات الممولة حكوميًّا، مجلة الأهرام العربي، بتوزيع شرائطه كهدية للقراء. وعندما أسس خالد الجندي خطًّا ساخنًا إسلاميًّا “هاتف الإسلام” ليستخدمه العامة لطلب النصائح من الشيخ، خلال عام زادت المكالمات اليومية من 250 إلى 1000 مكالمة. من جانبه، سافر عمرو خالد برسالته إلى العجمي، ومنتجعات الساحل الشمالي وغيرها من المناطق الخاصة بأغنياء الطبقة الوسطى، وسافر أيضًا في جولات لدول الخليج العربي؛ حيث كان قد ذاع صيته بالفعل. الديكور الزاهي والشكل الخاص بالبرامج الحوارية في قاعات محاضراته، على عكس الشكل البسيط للمنابر الأزهرية، يعكس ذوق جمهوره الأساسي، ذكور وإناث تتراوح أعمارهم من الخامسة عشر إلى الخامسة والثلاثين، والذين لم يتعرضوا من قبل لأفكار دينية بهذا الشكل الجذاب والمباشر.

مظهر عمرو خالد يشبه نمط جمهوره من الشباب الثري، حيث يظهر دائمًا حليقًا ومرتديًّا بنطالًا من الجينز وقمصان البولو، أو مرتديًا بذلة وربطة عنق. يجسد عمرو خالد مزيجًا من عصرية عمرو دياب، ومهارات إقناع المبشر المشهور بيلي جراهام، وقدرات على النصح والإرشاد تشبه ما يفعله دكتور فيل، وهو أحد مقدمي البرامج الحوارية الشهيرين بأمريكا. بالنسبة للشباب، تقول إحدى المعجبات عن عمرو خالد “هو الداعية الوحيد الذي يُقدر ويهتم باحتياجاتنا الروحانية، ويمنحنا الراحة النفسية التي نحتاجها، ويعاملنا كبالغين وليس كأطفال”. على عكس الدعاة التقليدين بمواعظهم الخالية من المرح وطرقهم الصارمة، يستخدم عمرو خالد أسلوبًا يجمع بين الإيمان والمرح. بلهجته الودية وطريقته الرحيمة ولغته العربية العامية، يتحدث عمرو خالد في مواعظه عن أخلاقيات الحياة اليومية، مناقشًا قضايا عديدة كالعلاقات والمظاهر والزنا والمطاعم الفارهة وقيادة السيارات أثناء السُكْر والحجاب وخطايا إجازات الصيف في مارينا. بمعنى آخر يمكننا قول إن هذه الفئة الجديدة من الدعاة تلعب دور المعالجين أو المصلحين الاجتماعيين في مجتمع مضطرب لا يدرك القيمة الحقيقية للعلاج النفسي. تتميز مواعظ عمرو خالد بفيض من المشاعر والبكاء وقيم السلام.

ما يوفره عمرو خالد ومن مثله من الدعاة للشباب هو هذه الرسالة بأنه يمكنك أن تكون متدينًا وفي نفس الوقت الحياة بشكل طبيعي بما تحتويه الحياة من عمل ودراسة واستمتاع كأي شخص بالمجتمع. والأهم من ذلك ما تؤكده كلمات عمرو خالد من أنه يمكنك أن تكون تقيًا وورعًا، وتحافظ في نفس الوقت على نفوذك ووضعك الاجتماعي. وتنتشر رسالته بشكل كبير ضمن الثقافة الاستهلاكية لطبقة الأغنياء الجدد في مصر؛ حيث تتعايش التقوى مع الرفاهية والسعادة كشركاء دائمين. ولهذا فإن أسلوب عمرو خالد في الدعوة يجعل الأغنياء في مصر يشعرون بشكل جيد ناحية ثرواتهم، مشابهًا في ذلك أسلوب الكنيسة الميثودية مع أثرياء شرق ووسط جنوب الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يتزاوج الإيمان والثروة بسعادة.

الالتزام بالقيم الأخلاقية الدينية والسعي وراء الروحانيات ليس جديدًا على مسلمي مصر، ومنهم الشباب الثري. ولكن الالتزام الديني الخاص بهذه الفئة من الشباب الثري يعتبر ارتباطًا سلبيًّا نوعًا ما، فهم ينفذون التزاماتهم الدينية بدون تردد أو تساؤل، ولكن ما طرأ على هذه الفئة من طبقة الأغنياء وبالأخص الشباب والنساء، منذ أواخر التسعينات، أنهم بدأوا يظهرون سعيًا نشطًا وراء الإخلاص والتقوى، مما يبدو بحثًا مذهلًا وراء الأفكار والهوية الدينية. ولم يكتفوا فقط بممارسة إيمانهم، ولكنهم انطلقوا يعظون الآخرين راغبين منهم أن يؤمنوا ويتصرفوا مثلهم.

عولمة النصوص الدينية

عمرو خالد ليس عالمًا بعلوم الدين وليس مفسرًا للقرآن، ولا يصدر الفتاوى، ولكنه يركز على تصحيح القيم الخلقية والسلوكيات اليومية للإنسان، مشجعًا قيمًا مثل التواضع والكرم والثقة والوفاء والتوبة. ورغم ذلك فهو ليس مفكرًا إسلاميًّا متحررًا، فبعض أفكاره تعتبر محافظة إلى حد كبير، وطرقه متلاعبة نوعًا ما. يقدم عمرو خالد محاضرات مليئة بالشغف والصفاء والمزاح، ولكن ينقصها التجديد والقوة، وبينما يمتلئ أسلوبه بالصور المجازية، لكن يظل العلم الديني الذي يقدمه مرتبطًا بالنصوص الدينية إلى حد كبير، بدون وضع التاريخ في الاعتبار أو محالة إدخال التفكير والمنطق في تأويلاته لهذه النصوص.

في الحقيقة، فإن آراء عمرو خالد المذهبية لا تختلف كثيرًا عن شيوخ الأزهر التقليدين الذين ينتقدونه رغم – وفي الغالب بسبب- شعبيته. بل بالأحرى، فإنه في المرحلة الحالية في مصر حيث يفتقد الفكر الديني للابتكار (كما يرى المفكرون الإسلاميون أمثال يوسف القرضاوي وسليم العوا والناشط عصام العريان) فإن عمرو خالد يمكن اعتباره مبتكرًا في أسلوبه. يمكننا أن نعتبر أن جاذبية وقبول عمرو خالد وأمثاله من الدعاة إحدى نتائج نظام التعليم المصري، والذي يقدس الحفظ وتجزئة المعرفة، ويوقر الكلمات المطبوعة، ويُنشئ معلمين سلطويين. بمقارنة عمرو خالد الودود المتعاطف بشيوخ الأزهر التقليدين الجامدين، فإن عمرو خالد يبدو للشباب كديمقراطي حقيقي. ولمن تعلم أن يأخذ أقصر الطرق للبحث عن المعرفة وأن يتعلم بسهولة فإن عمرو خالد يبدو مصدرًا أسمى للحكمة، حيث يتفق جميع معجبيه من الشباب عند التعبير عنه أنه “يمكن فهمه بسهولة”.

هذا الشكل من الدعوة لم يكن فقط مبادرة من هؤلاء الدعاة الجدد، ولكنه أيضًا نتيجة للذوق العام للشباب المتجه للعولمة بشكل متزايد. فالشباب المصري المتعولم يريد ثقافة دينية جديدة يتم التعبير عنها بشكل ولغة ورسالة مبتكرة ومختلفة، وهذا نتيجة لكره الشباب في مصر للسلطة الأخلاقية والسلطة التعليمية الفوقية التي تعاملهم كأطفال. تمتلئ هذه الفئة من الشباب بتناقضات شديدة، فهم يؤمنون بالدين ولكنهم لا يثقون بتيارات الإسلام السياسي إن كانوا يعرفون عنها شيئًا من الأساس، ويتأرجحون جيئة وذهابًا بين عمرو دياب وعمرو خالد، ومن الحفلات إلى الصلاة، ويشعرون بعبء السلطة الاجتماعية القوية المفروضة عليهم من أسرهم ومدرسيهم وجيرانهم، فتربية هذا الشباب في ظروف اجتماعية وتعليمية تقيد فرديتهم وتقيد الإبداع جعلتهم يبحثون عما يفتقدوه اجتماعيًّا من خلال الموضة سواءً في ملابسهم أو أفكارهم وسلوكياتهم.

لهذا، فمن وجهة نظر الشباب، هذه الثقافة الدينية المحيطة بظاهرة عمرو خالد من أفكار ومشاعر وهوية هي أيضًا تعبير عن الموضة، يرونها كمنفذ يسهل تحقيق هذه التناقضات البشرية كرغبتهم في التغيير والتكيف في ذات الوقت مع المجتمع المحيط، ورغبتهم في الاختلاف وفي نفس الوقت الاتساق مع محيطهم، وأيضًا رغبتهم في تحقيق ذواتهم مع عدم الخروج عن الأعراف المجتمعية. فاتباع هذا الفكر يسمح للشباب المصري بتأكيد ذاته والمبادرة بالتغيير، وفي نفس الوقت الالتزام بالأعراف والبيئة المجتمعية المحيطة. ولهذا في المرحلة الاجتماعية الحالية في مصر والتي تتسم بهبوط أسهم تنظيمات الإسلام السياسي، والركود الثقافي وانغلاق الأفق السياسي، فإن عمرو خالد قد أخذ دعوته حرفيًّا إلى مقاعد جمهوره، وأصبح هو وأمثاله من الدعاة أسباب لتحول تدريجي بالسياسيات الدينية بمصر.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد