خلال الشهر الماضي، وبحسب موقع سوشيال بليد؛ قام ما يزيد عن 5 مليون متابع بمشاهدة مقاطع على القناة الخاصة بالداعية الإسلامي مصطفى حسني؛ بينما حصل عمرو خالد على نسبة مشاهدة تقل بأربعة أضعاف المشاهدات التي حصل عليها مصطفى حسني بنفس الشهر، و حصدت قناة مصطفى حسني ما يزيد على 20 ألف متابع جديد، بينما لم يصل متابعو عمرو خالد الجدد إلى العشرة آلاف.

وفي حوار له منذ أيام قليلة، وبعد موقف اتخذه من علاقته السابقة بالإخوان المسلمين والداعية الإسلامي عمرو خالد؛ صرح الممثل أحمد الفيشاوي أنه قد قطع علاقته بشكل كامل ونهائي بعمرو خالد، شاكرًا له على المساعدة؛ راغبًا في المسافة التي أصبحت بينهما الآن.

ليكون السؤال الأساسي في هذا التقرير هو متى بدأت شعبية عمرو خالد في التراجع، ولماذا بدأت من الأساس؟

«إنه رمز للشاب المسلم الذي ينتمي الى الطبقة الراقية، والذي يستطيع أن يعيش حياته بشكل عادي بجانب كونه متدينًا، فيسافر إلى الخارج، ويرتدي الملابس العصرية، ويعيش علاقات عاطفية، ولديه الكثير من الأتباع الذين لم يجدوا شخصًا آخر يمثلهم» *مقولة لأحد الخبراء من دراسة منشورة عن الدين والسياسة.

واقع الأمر أن تجربة أحمد الفيشاوي مشابهة لتجربة جيل كامل جذبته أحاديث عمرو خالد والمبادرة التي أخذها في تجديد الخطاب الديني، ولكن سرعان ما فقد معظم شباب هذا الجيل شغفهم وتعلقهم بالداعية الذي كان يمثلهم.

عمرو خالد.. «شيخ ببدلة» شرح الدين بالحب

في ظل انتشار الدعاة المتشددين والكتيبات المنفرة من الدين في نظر البعض التي تتناول بالأساس موضوعات مثل «عذاب القبر»، كان ظهور شاب يدعو للدين، ويتحدث بهدوء ولين، ويقوم بالتركيز على التنمية البشرية من الدين الإسلامي ويرتدي «الجينز»؛ هو بمثابة طوق نجاة للكثير من المراهقين والشباب المشتتين عاطفيًا.

تقول الشابة مروة جمعة، وهي إحدى الفتيات اللاتي تأثرن بشدة بعمرو خالد في بداية الألفية: «تابعت عمرو خالد وأنا أدرس في المرحلة الثانوية، كان كلامه مطمئنًا ومريحًا، خاصةً مع انتشار شرائط الكاسيت الخاصة بمحمد حسين يعقوب والحويني ووجدي غنيم؛ الذين  يشعرونك أن جهنم هي مصيرك مهما حاولت، على العكس كان عمرو خالد يمنحني أملًا».

وتضيف لنا مروة: «تابعت عمر و خالد على القناة الثانية الأرضية، بعد فترة قصيرة، وبعد اختفائه من الظهور؛ انتشرت الأقاويل أن النظام منعه من الظهور على شاشات التلفزيون المصري. ولأن الممنوع مرغوب؛ زادت شعبيته، وازداد فضولي لمتابعته والاستماع لدروسه واقتناء كتيباته الصغيرة التي كانت تتكلم عن موضوعات مثل الصبر والدعاء والحجاب».

هذا المنهج الجديد في الخطاب الديني، الذي قدمه عمرو خالد، شارحًا  فيه علاقة الحب بين الله والإنسان، وليس علاقة الخوف التي اعتدنا عليها؛ كان منهجًا ناجحًا وجذب جيلًا كاملًا؛ ليتحول عمرو خالد إلى رمز للإسلام الوسطي في المجتمع العربي والعالم بأكمله، وأطلقت عليه بعض وسائل الإعلام الأجنبية أنه شيخ ببدله.

لم تتوقف جماهيرية عمرو خالد على المجتمع العربي فقط، ومع الوقت؛ بدأ يتحول إلى أيقونة عالمية عن التسامح في الدين الإسلامي، وتحقيق ثورة في عالم الخطاب الديني، وساعده على هذه الشهرة العالمية تواجده في لندن فترات طويلة، وقد كتبت عنه شبكة البي بي سي في عام 2010 أن «جمهور عمرو خالد يفوق جمهور  الإعلامية أوبرا عددًا»، بينما صنفته مجلة التايمز في عام 2007 من الشخصيات الأكثر تأثيرًا في العالم.

انطفاء نجم عمرو خالد.. «وصلة الدش» والسقوط الإعلامي

عندما تختار بإرادتك أن تكون شخصية عامة؛ سيكون عليك التخلي عن جزء كبير من حريتك الشخصية، سواء في أفعالك أمام العامة أو في التعبير عن رأيك في بعض القضايا، خاصة وإن كنت شخصية تمثل ديانة سماوية، وكان لعمرو خالد أكثر من موقف؛ جعل الإعلام يسلط الضوء عليه من خلال نظارة سوداء.

في إحدى حلقاته التلفزيونية على قناة اقرأ، ذكر عمرو خالد عن بعض المواقف من السيرة التي اعتبر أن الرسول قد خاض فيها تجربة الفشل وشعور الإخفاق، محاولًا أن يمرر حكمة التجربة والخطأ لمستمعيه؛ مشجعًا إياهم على الأمل مهما كانت المحاولات التي فشلوا فيها لتحقيق مرادهم؛ ولكن كان للشيخ محمد حسان؛ وهو من الشيوخ التي تمتلك قاعدة جماهيرية عريضة؛ رأي آخر في حديث عمرو خالد عن فشل النبي؛ ووصفه بأنه إهانة للرسول؛ ووجه كلامه إلى عمرو خالد قائلًا «أنت اللي فاشل، وأفشل أهل الأرض.. ما فشل محمد قط».

وكان لهجوم محمد حسان ومجموعة كبيرة من الشيوخ السلفيين عليه تأثير كبير على شعبيته، خصوصًا أنه اختار عدم الرد على ما يثيرونه من انتقادات على خطابه.

«كنت متابعة جيدة لعمرو خالد في فترة المراهقة؛ ومن أجل نصائحه ارتديت الإسدال الإسلامي، وكنت حريصة على شراء كل شرائط الكاسيت والكتيبات التي كانت تصدر تحت اسمه؛ إلى أن تحدث عن تحريم سرقة القنوات الفضائية؛ الأمر الذي جعلني أندهش من اهتمامه بهذا الأمر» هكذا حكت لنا ريهام سعيد من مصر تجربتها مع عمرو خالد.

واقعة التحذير من الشكل غير القانوني في مشاهدة قنوات فضائية؛ كانت مصدر سخرية ونقد الكثير من الجمهور العربي، حيث عاتبه أحد محبيه على الهواء في أحد برامج الإعلامي عمرو أديب؛ ورد عليه عمرو خالد بالاعتذار.

والأمر الأكثر خطورة، هو كثرة تواجد عمرو خالد – الداعي الإسلامي – على صفحات الجرائد ومواقع التواصل الإعلامي، واسمه يجاور كلمة «فضيحة»؛ تلك الكلمة التي تخشاها أية شخصية عامة، وسواء كانت هذه الأقاويل حقيقة أم مجرد إشاعات؛ فيجب القول إن الأخبار الكاذبة لها خسائر ايضًا، ولأن عمرو خالد داعية إسلام، فمجرد تواجده في مكان عام مع فتاة غير محجبة؛ يظهر الود بينهما، أو يلعب مع فتيات في حديقة عامة؛ في نظر بعض محبيه؛ قد تكون تلك المواقف – بالرغم من صِغر شأنها – تعتبر «فضيحة» بالنسبة لقطاع كبير من جمهوره.

« رحلة مليئة بآخر صيحات التكنولوجيا ممزوجة بقيم جميلة» تلك  الدعايات التي استخدمها عمرو خالد إعلاميًا، بعد نشر رواية «رافي بركات»؛ لم تلق استحسان الجمهور العربي، وانتشرت المقاطع المصورة الساخرة من الرواية بين الشباب العربي.

اقرا ايضا: عمرو خالد والنجاح على طريقة كتب التنمية البشرية (رافي بركات)

داعية أم فقيه؟.. تلك هي المسألة

عمرو خالد.. مصدر الصورة: جريدة الأخبار الانجليزية

في كثير من الأحيان، نسمع عن فتاوي يراها البعض غريبة من شيوخ الأزهر، والتي تكون اجتهاد من جانبهم؛ ويجد البعض صعوبة في تصديقها، على الرغم من كونها منسوبة لشيخ حصل على علمه من الأزهر الشريف، لكن عمرو خالد لم يدرس الدين الإسلامي في أية مؤسسة قبل بداية الدعوة الخاصة به.

يقول مصطفى محمود، شاب مصري: «علمت بوجود عمرو خالد من خلال أصدقاء لي يسمعون دروسه بجامع الحصري، وفي نفس العام كنت أعاني من مشاكل نفسية بسبب وفاة أحد أصدقائي،  وسمعت دروسه الدينية؛ فشعرت بالارتياح وأعجبني اختلافه عن باقي الدعاة المتشددين، ولكني تفاجأت حين علمت بكونه غير دارس للدين، خاصة وأنه يفتي بخصوص الحجاب والغناء».

وفي هذا الشأن، رأى بعض الخبراء المختصين بدراسة الخطاب الديني؛ أن الطريقة التي يستخدمها عمرو خالد هي أقرب للتنمية البشرية والأسلوب التربوي عن كونها دعوة إسلامية، حتى أن عمرو خالد عندما يتعرض للنقد بسبب عدم دراسته شؤون الدين؛ يكون رده عادةً أنه مجرد شخص عادي يدعو لدينه بشكل متسامح.

التكرار.. هل استهلك عمرو خالد مخزونه من المعلومات؟

عمرو خالد مصدر الصورة موقع أخبارك

عندما بدأت شهرة عمرو خالد كداعية إسلامي بنهاية التسعينات، كانت شرائط الكاسيت الخاصة بالأخلاق هي الأكثر تداولًا بين المراهقين والشباب، حيث أصدر كل شريط منها يتحدث عن خُلق كالرحمة أو التسامح؛ ويقوم عمرو خالد بالحكي في هذا التسجيل الصوتي عن مواقف خاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام، والتي تدل بدورها عن خلق الرحمة الذي يتحلى به ليكون قدوة لكل مسلم، وعندما أعلن عمرو خالد عن برنامجه الجديد، الذي سيقدمه في شهر رمضان 2017 تحت عنوان «نبي الرحمة والتسامح»؛ فلن يجد متابعو عمرو خالد صعوبة في توقع المحتوى الذي سيقدمه عمرو خالد في هذا البرنامج.

تقول مروة جمعة لــ«ساسة بوست»: «انتهت فترة الثانوية العامة والجامعة؛ لأكتشف أن عمرو خالد لم يقدم محتوى جديدًا منذ فترة، وعلى مستوى المحتوى أجد أن أي شخص لديه بعض الجرأة يمكنه أن يقول نفس الكلام ويتحول إلى داعية إسلامي بدوره».

الدين والسياسة.. المعادلة التي لم ينجح أحد في حلها

استطاع عمرو خالد أن يجمع حوله الكثير من الشباب، دون أن يعلن بشكل واضح أنه ينتمي إلي جماعة الإخوان المسلمين؛ حتى أقر هذا بنفسه؛ الأمر الذي شجع بعضهم أن يتبعوا خطاه؛ لتجد أن الأمر خرج عن الإطار الديني، لتتحول دعوة عمرو خالد إلى دعوة سياسية في نظر منتقديه، ومن بعد ثورة يناير؛ بدأ خطاب عمرو خالد في وسائل الإعلام يتخلله الآراء السياسية؛ الأمر الذي كان سببًا في نفور بعض الشباب منه، من وجهة نظر البعض.

بدأ الأمر عندما ظهر عمرو خالد بعد تنحي الرئيس مبارك؛ على شاشة شبكة قنوات الـبي بي سي، واصفًا هذا اليوم بأنه «أحلى يوم في حياته» وأن تلك الثورة – ثورة 25 يناير- هي أول ثورة تنجح بلا قائد؛ مؤكدًا أن قائد هذه  الثورة هو الشعب.

وكان تصريح عمرو خالد الأشهر حينها مع الإعلامي محمود سعد عندما قال: «أنا رأيت الله في ميدان التحرير»؛ هذا التشبيه المجازي الذي جعل عمرو خالد عُرضه للهجوم من قِبل بعض رجال الدين؛ والذين يمتلكون قاعدة جماهيرية تستمع لهم وتصدقهم؛ حيث وصفوا تصريح عمرو خالد بالـ«ضلال».

وتطور اهتمام عمرو خالد بالسياسة من التصريحات؛ إلى تأسيس حزب سياسية، في منتصف عام 2012؛ وأسماه «حزب مصر» تحت شعار «معًا نبني المستقبل»، وعلى الرغم من تصنيف الحزب بكونه حزبًا سياسيًا؛ إلا أن عمرو خالد كان يصرح بأن هذا الحزب تنموي، وليس لتحقيق أغراض سياسية.

وعلى الرغم من تأكيد عمرو خالد أن حزبه لا يسعى إلى السياسة؛ إلا أنه بعد تأسيس الحزب؛ صرح على قناته الخاصة على موقع يوتيوب؛ عن أهمية المشاركة في الانتخابات الرئاسية؛ التي أعقبت أحداث يناير؛ من خلال اختيار المرشحين الذين ينتمون إلى أحزاب متشعبة ولها جماهيرية في جميع أنحاء مصر؛ وأن «التفكير الإستراتيجي يقول لا بد من وجود كيان حزبي مؤسسي قوي ممتد ومتشعب في محافظات مصر».

وتعمق عمرو خالد بشكل أكبر في الإعلام السياسي؛ عندما بدأت في استضافة أعضاء من المجلس العسكري في برنامج بكره أحلى، والذي كان يذاع على قناة المصرية؛ ليتحول عمرو خالد في تلك الفترة من داعية إسلامي إلى محاور سياسية من منبر قناة تنتمي للسلطة.

وفي فترة تولي الرئيس محمد مرسي لرئاسة مصر؛ شارك عمرو خالد في اجتماع الرئيس مرسي مع القوى الوطنية حول أزمة سد النهضة، وشارك في هذا الإجتماع بكلمة تضمنت اقتراحات سياسية ومحاور إستراتيجية حول تلك الأزمة.

وبعد فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة؛ من قِبل الجيش المصري؛ انتشر مقطع مصور على مواقع التواصل الإجتماعي؛ يظهر فيه عمرو خالد وهو يؤدي التحية العسكرية لمجهودات الجيش في سيناء؛ ولكن هذا المقطع تم استغلاله ونشره على موقع يوتيوب وكأنه رد فعل عمرو خالد على ما قام به الجيش المصري في فض اعتصام رابعة؛الأمر الذي نفاه عمرو خالد للصحافة المصرية.

وكان لعمرو خالد مداخلة تليفونية مع قناة الجزيرة، رفض خلالها التعليق على تلك الحادثة، أو أي شيء يخص فض اعتصام رابعة، وكان حازمًا في رفض تقديم أي رأي سياسي في هذا الشأن شاكرًا الله أنه قد قرر الخروج تمامًا من العمل السياسي، الأمر الذي أغضب محبيه من شباب الأسلاميين؛ شاعرين أن هذا الموقف الحيادي قد يدل على الجبن وعدم قدرته على المواجهة والرفض.

تلك التصريحات السياسية؛ كان لها تأثير سلبي على شعبية عمرو خالد؛ وهو أمر أدركه بنفسه واعترف به في أحدى اللقاءات التلفزيونية، واعتذر عن خوضه في السياسة؛ مؤكدًا أنه سيستكمل طريق الدعوة الدينية والأعمال الخيرية فقط.

يقول مصطفى محمود لـ«ساسة بوست» «توقفت عن متابعة  عمرو خالد بعد أحداث يناير (كانون الثاني) 2011، وشعرت أنه متلون، وليس له رأي سياسي ثابت، إلى جانب شعوري أنه كان سببًا في انتشار موضة الشاب الداعية، وتحولت الدعوة الإسلامية على يدهم إلى مجرد (أكل عيش) وموضة».

وربما يكون هذا هو السبب الأخير؛ أن عمرو خالد فتح الباب للكثير من الشباب ليكونوا دعاة للدين الإسلامي، ويقدموا نفس نهج الخطاب الديني الذي بدأه عمرو خالد، ليتحول عمرو خالد؛ مع تقدمه في العمر، إلي قدوة لهم، ومجرد ذكرى لجيل كامل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد