لمطالعة الجزء الأول: دراسة عن السياسة الخارجية لروسيا من خلال أطروحة صدام الحضارات (1/4)

ثانيا : روسيا وأوكرانيا نظرة عبرة التاريخ

كانت العلاقة بين روسيا وأوكرانيا في القرون الأخيرة غارقة في الكراهية. بدأت بالأطماع الإمبريالية للإمبراطورية الروسية في البحر الأسود عام 1453 بعد سقوط * القسطنطينية. سقوط القسطنطينية في 1453، في يد الأتراك العثمانيين، سمح لإيفان الرهيب بحمل اللقب الإمبراطوري من قياصرة الشرق وسقوط السلطة الجمعية للإمبراطورية البيزنطية التقليدية (هالي عام 1967، 17). وقد سمح استيلاء إيفان على هذا اللقب الإمبراطوري للقادة الروس بتوالي المطالبة بقيادة الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية. في التاريخ، يبدو أن تلك هي المطالبة الأولى لزعيم روسي ليتحدث باسم منظمات ثقافية ودينية. ثم بعد أن يكون قد عزز هذا الموقف، فيبدأ في المطالبة بسلطة على الأراضي جسديا. عام 1746، خلال حقبة  كاترين العظمى، أصبحت أرض تريادا Tuarida جزءا من روسيا (ماتفيينكو، 21 مارس 2014). في العصر الحاضر يتكون القرم  من هذه الأراضي تريادا Tuarida . منذ أول اتحادها مع روسيا، أصبحت شبه جزيرة القرم ذات أهمية تاريخية كبيرة بالنسبة لموسكو.

ففي خلال الحرب العالمية الثانية، أصبحت سيفاستوبول معركة محورية ضد تقدم النازيين، فلقد أوقفت البحرية في سيفاستوبول النازيين من التقدم العسكري من الجنوب (ماتفيينكو، 21 مارس 2014). تماما كما تذكر لينينغراد بأنه انتصار عسكري كبير في التاريخ الروسي. وحتى قبل الحرب العالمية الثانية كان لها سمعة عظيمة،  فقد كانت  **سيفاستوبول تدافع بنجاح ضد القوات الغازية خلال حرب القرم (ماتفيينكو، 21 مارس 2014). سيفاستوبول وشبه جزيرة القرم، بشكل عام، تحتل مكانًا مقدسًا ضمن الأحداث التاريخية العسكرية الروسية.

ولقد أوضح  الروس وخاصة الرئيس بوتين بأن ضم شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا في ظل خروتشوف كان خطأ كارثيًا. وقد ذكر بوتين أن خروشوف اتخذ قرارا تعسفيا في عام 1954 ويعد انتهاكا لدستور الاتحاد السوفييتي (ماتفيينكو، 21 مارس 2014). وعلى الرغم من الأهمية التاريخية للأساطير الروسية، فلقد صوّت وقتها المواطنون من شبه جزيرة القرم لصالح استقلال أوكرانيا. الغريب أن مواطني شبه جزيرة القرم الذي يمثل فيهم العرق الروسي  70٪ في ذلك الوقت ، دعموا  بشكل كبير استقلال أوكرانيا عن الاتحاد السوفيتي في ديسمبر 1991 (هنتنغتون عام 1996، 167). لذا   يبدو أن الدعم الكبير للاستقلال بين الروس في القرم يشير إلى أن الهوية الحضارية لم تكن سائدة بين السكان المحليين. وهذا قد يكون عليه الحال في عام 1991  ولكن هذا البحث سوف يظهر أن السياسة الخارجية لروسيا في عهد بوتين الآن تعمل على استقطاب السكان بكل خطوط التماس الثقافية والحضارية.

اللافت للنظر أن العلاقة التاريخية بين روسيا وأوكرانيا  من أكثر العلاقات وحشية واستبدادا وقمعيىة. و كما ذكرنا سابقا، القرم تحتل مكانة مقدسة في التاريخ الروسي. و في انتقالها نحو توجه أكثر تحضرًا كانت روسيا تستخدم نفوذها على نحو متزايد  لحماية الروس في الأماكن الأقرب لها. ويعتبر ذلك أمرا طبيعيا تماما من وجهة نظر موسكو، أنها ينبغي أن تمارس رقابة خاصة على المساحات التي تقع بجوار الحدود الروسية والتي يعيش فيها 25 مليونًا من الروس (مالكوم عام 1994، 32). وقد تجلى هذا الموقف مرارا خلال تسعينات القرن الماضي وبداية الألف الثالثة للتاريخ في وقت مبكر. على سبيل المثال، استخدمت روسيا رابطة الدول المستقلة (CIS)، وهي منظمة إقليمية، لتكسب لنفسها مميزات سياسية وإستراتيجية (مالكوم عام 1994، 31). بشكل أكثر تحديدا، كان الضغط الروسي من خلال رابطة الدول المستقلة في أوائل 1990 التي أجبرت الرئيس الأوكراني كرافتشوك لتسليم كامل أسطول البحر الأسود والرؤوس النووية الروسية المتبقية إلى روسيا في مقابل إلغاء ديونها التي تبلغ  2.8 مليار دولار. (مالكوم عام 1994، 31). باختصار، اعتمدت روسيا بشكل متزايد على المنظمات الإقليمية، وهي القوة العظمى الوحيدة، لإضفاء الشرعية على الميول الاستعمارية لديها. الاستخدام التاريخي للمنظمات الإقليمية يقوي فرضيات هنتنغتون. ومن خلال هذه التجمعات الإقليمية الدول ستتصرف. والأزمة الحالية في أوكرانيا هي مثال ساطع على هذا أيضا.

كما ستتم مناقشته في القسم التالي، فإن الصوت المميز للسياسة الخارجية لروسيا أصبح أكثر تعاليا واستعمارية، وأصبحت الثقافة السياسية الروسية مشبعة بمفاهيم الإيذاء وكراهية الأجانب ومسؤوليات اليهودي المسيحي، والإقصائية (راشولد 2011، 126). هذه الاتجاهات واضحة خاصة في خطابات الرئيس بوتين. تطوير ثقافة سياسة اليهودي المسيحي وآثارها على السياسة الخارجية لروسيا لا يمكن إلا أن يفهم من خلال الأطروحة  الحضارية. وفي وقت لاحق هذا النموذج يوفر لنا أيضا أفضل عدسة لعرض الأزمة الأوكرانية الحالية.

ثالثا: الأزمة الأوكرانية

يمكن فهم الأزمة الحالية في أوكرانيا من خلال منظور حضاري. مكونات الحضارات المبينة في القسم الأول من هذه الورقة قد لا تكون السبب الوحيد للاضطرابات الحالية. وانتشار الفساد في المجتمع الأوكراني يمكن أن ينظر إليه باعتباره واحدا من المحفزات الرئيسية كذلك. لسنوات عديدة أصبح الأوكرانيون مقتنعين أن الطبقة الحاكمة هي من بين الأكثر أنانية وتمحورا حول الذات في العالم (إيفانز عام 2014، 27) وفقا لموقع منظمة الشفافية الدولية، في عام 2013 أوكرانيا في المرتبة 144 من أصل 177 في العالم في الفساد، برصيد 25 من أصل 100. وفي العام نفسه، في المرتبة الشفافية الدولية روسيا إلى 127 من 177 برصيد 28 من 100. وحقيقة أن روسيا نسبيا أقل فسادا من أوكرانيا لا يعطي برهانا على الادعاء بأن احتجاجات الميدان كانت فقط ضد الفساد المنظم في أوكرانيا .بل يمكن اعتبار الفساد واحدا من الأسباب الرئيسية للاحتجاجات. ومع ذلك، فإن الروايات التي لا تزال تستخدم من قبل كل من السلطات الأوكرانية والروسية تركز على دور المكون الحضاري و دور الثقافة في الأزمة. وسيبحث هذا القسم كيف أن الروايات المشتركة في اللغة والتاريخ والثقافة والدين والقيم المشتركة الأخرى شكلت استجابات روسيا وأوكرانيا.

وتمشيا مع فرضية صموئيل هنتنغتون، شهدت أزمة أوكرانيا رفض الأطروحة الأيديولوجية. فلقد تحدث الرئيس بوتين مؤخرا ضد البلاشفة. وذكر أن “البلاشفة، لعدة أسباب – حسابهم عند الله – قد أضافوا مناطق واسعة من الأراضي الروسية تاريخيا إلى جمهورية أوكرانيا  (18 مارس 2014). رفض الرئيس بوتين التفسيرات الأيديولوجية لذلك الفعل التاريخي، لأنها لا تفيد الأهداف الحالية لروسيا في السياسة الخارجية. على نحو متزايد، يعتمد بوتين على الخطاب التاريخي للإمبراطورية الروسية  لتبرير أفعاله، وليس على الهوية الأيديولوجية.

ونجد أن خطابات الرئيس بوتين حول الأزمة الأوكرانية غارقة في المحسنات التاريخية لسيادة الثقافة الروسية. في خطاب ألقاه في تجمع “نحن معا” يوضح الرئيس على نطاق واسع كيف أنه يستخدم الخطاب الثقافي في تبرير القوة العسكرية العنيفة. وذكر أن “بعد رحلة طويلة وشاقة ومتعبة كيف أن القرم وسيفاستوبول يعودان إلى مرساهم إلى شاطئهم الأم إلى ميناء وطنهم إلى روسيا” (مارس 18، 2014b). وواصل  بوتين حديثه بتوجيه الشكر إلى سكان شبه جزيرة القرم وسيفاستوبول على شجاعتهم ومثابرتهم . وأكمل حديثه لهم “علينا البقاء أوفياء لذكرى الأسلاف الأبطال وحمل حبهم لوطننا الأم لروسيا للأبد “(18 آذار، 2014b). رئيس الاتحاد الروسي يلمح باستمرار إلى هذه المعارك التاريخية والانتصارات في القرم الروسية في خطابه. هذه الإشارات تعزز الهوية الحضارية لروسيا وتحاول توفير شرعية لأفعاله.

الإشارات إلى هوية مشتركة هي محاولة لتبرير أفعاله وتحقيق أهدافه. ويؤمن الرئيس بوتين أن الأمة الروسية هي واحدة من أكبر، إن لم تكن أكبر مجموعة عرقية في العالم تفصل بينها حدود (بوتين، مارس 18، 2014a). وأكد أن عشرات الملايين من الروس وجدوا أنفسهم خارج حدود روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. حوالي 17.3 في المئة من سكان أوكرانيا هم روس (كونانت) 2014. ومن المثير للاهتمام النظر للدول الأخرى المحيطة بروسيا ونسبة الروس الذين يعيشون في هذه الدول أيضا. و هو الآن هدف بوتين هو عودة هؤلاء الروس النازحين للعودة إلى حضن موسكو الدافئ.

أوكرانيا تحتوي على عدد كبير من الروس. ويعتقد بعض المحللين أن المهمة الرئيسية للرئيس بوتين تصحيح هذا الخطأ وإعادة توحيد هؤلاء الروس مع الوطن الأم (بيرنبوم 2014). إنه دائما يستخدم الإشارة إلى التاريخ والثقافة المشتركة لتبرير أفعاله. ومن خلال هذا النهج الحضاري فإنه يستطيع  إجراء اتصال بين عمل الدولة وخطاب العلاقات الخارجية.

بالإضافة إلى الانتصارات العسكرية التي سبق ذكرها، القرم مهم أيضا من الناحية الدينية للروس الأرثوذكس. هو موقع “تاوريس خيرسون” القديم، حيث تم تعميد الأمير فلاديمير (بوتين، مارس 18، 2014a). ومن المعروف دورالأمير فلاديمير لنشر الأرثوذكسية في روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء، وهو أمر ثقافي يؤسس القيم الثقافية والحضارية والإنسانية التي توحد هؤلاء الناس (بوتين، مارس 18، 2014a). يبدو أن شبه جزيرة القرم هي القدس الروسي. وتنظر الإدارة الروسية الحالية إلى هذه المنطقة بوصفها عنصرا أساسيا للهوية الثقافية والدينية الروسية العرقية.

يرفض الرئيس بوتين وإدارته حتى أن تعترف بالحقيقة التاريخية أن سكان القرم صوتوا لصالح الاستقلال عن الاتحاد السوفياتي في عام 1991. وهم ينظرون إلى هذه الفترة الزمنية باعتبارها احتلالا أوكرانيًا. وفقا لبوتين “إنهم  [القرم] صمدوا ليس فقط 23 عاما من الدفاع، ولكن ظلوا على حالهم متمتعين بالروح الروسية، وربما حتى روسا من العديد من مناطق داخل روسيا” (بوتين، 10 أبريل 2014). والسلطات الروسية يؤمنون أن القرم ظل يدافع عن نفسه في الواقع على مدى السنوات ال 23 الماضية ضد الغزاة من كييف. هذا الصراع الوهمي جعلهم يتمسكون بأصلهم الروسي أكثر من مناطق أخرى تقع تحت إدارة موسكو. اللغة البدائية التي يستخدمها الرئيس بوتين، بالإضافة إلى الأهمية الدينية والتاريخية لشبه جزيرة القرم، توضح كيف تتصرف روسيا بمنظور الحضارة.

* هو سُقوط مدينة القسطنطينيَّة عاصمة الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة (أو الرومانيَّة الشرقيَّة، أو الروم) في يد المُسلمين مُمثلين بالدولة العُثمانيَّة، بعد حصارٍ دام عدَّة أسابيع، قاده السُلطان الشَّاب ذو الواحد وعشرين (21) ربيعًا، مُحمَّد الثاني بن مُراد العُثماني

** هي إحدى مدن أوكرانيا. تقع في شبه جزيرة القرم وتطل على البحر الأسود. تشتهر دائما بانها مدينة المجد العسكري الروسى ولها أهمية هائلة في تاريخ روسيا العسكري وهي حاليا مقر لأسطول البحر الأسود الروسي، على الرغم من وقوعها في أراضي أوكرانيا وترفض موسكو بشدة سحب الأسطول الروسى من المدينة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد