لقراءة الجزء السابق من هنا

بكل وضوح فإن الرئيس بوتين يحاول تشويه المعايير القانونية الدولية لتبرير ميوله الإمبراطورية. ففي عام 2008، حدد الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف خطة روسيا لمعاهدة “الأمن لعموم أوروبا”. وكان الموضوع  الأهم من وراء هذه الخطة الأمنية تكوين المبرر الدولي للسياسة الخارجية التوسعية. وكان هدفه دعم روسيا بأساس في القانون الدولي للمطالبة بمخالفة روسيا *لعقيدة مونرو، والتي من الجائز تطبيقها على روسيا في الحدود القريبة منها (Herpen 2008، 3). وقد نشرت هذه الوثيقة قبل ست سنوات من الأزمة في أوكرانيا، لكنها لا تزال تشكل أساس نهج روسيا اليوم. في كلمة ألقاها في 18 مارس عام 2014، أعلن الرئيس بوتين أن “كنا نأمل أن المواطنين الروس والناطقين بالروسية في أوكرانيا، وخاصة في جنوب شرق وشبه جزيرة القرم، أن يعيشوا في دولة صديقة وديمقراطية وحضارية من شأنها حماية حقوقهم بما يتماشى مع قواعد القانون الدولي”. بوتين أشار إلى القانون الدولي والأعراف الدولية، في محاولة لتبرير الضم المستقبلي لشبه جزيرة القرم.

ومع ذلك، لم يكن الانتهاك للقانون الدولي هو المبرر لوضع روسيا يدها “قواتها” على إقليم شبه جزيرة القرم. بوتين أشار فقط إلى هذه المعايير في محاولة لتقديم مبرر لأفعاله. إن افتراض انتهاك بعض مكونات أطروحة هنيجتون الحضارية  أي تجاهل التاريخ والثقافة الروسية، أدت إلى  أن روسيا ضمت شبه جزيرة القرم. معايير الدولية القانونية لم تكن المحرك الرئيسي،  إنهم صنعوا عناصر كافية لكنها ليست ضرورية. وكانت الأهداف التي حددها صموئيل هنتنغتون في أطروحته الحضارية العنصر الضروري. إن أي منظور واقعي أو منظور تأسيسي ليبرالي  على أساس القواعد القانونية الدولية لا يفسر تمامًا سلوك روسيا، ولكن التقارب الحضاري هو ما يعطي نظرة أكثر شولية.

استمرارًا في التحليل الحضاري، فإن سلوك روسيا في العام أيضًا يعزز نموذج هنتنغتون. كانت واحدة من ست من خصائص هذا النظام الدولي الجديد صعود المنظمات الإقليمية. وكانت المنظمة الإقليمية الرئيسية في العالم في ذلك الوقت من كتاب هنتنغتون الجماعة الأوروبية، ولكن منذ أوائل 1990 التجمعات الإقليمية للدول تكاثرت. واحدة من أهم الاتفاقات الإقليمية هو ميني وارسو أو منظمة معاهدة الأمن الجماعي. التي تشمل  روسيا وأرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان (لوكين 2014). إنه يحتوي على ما يعادل المادة الخامسة من اتفاقية حلف الناتو، في الاتفاق على واجب الدفاع المشترك (Herpen عام 2014، 2). روسيا هي الأقوى عسكريًا بلا منازع داخل هذه المنظمة، ووجود التزامات متبادلة في الدفاع يقوي تلك المعاهدة. وهناك مكون آخر، يعزز بشكل أكبر هذا التنظيم هو مكون الثقافة والدين. فإن غالبية  المسيحيين الأرثوذكس المؤمنين في هذه الدول لا تدعم النسبية الأخلاقية والمثل العليا الغربية الأخرى (لوكين 2014). وقد دفعت هذه المعتقدات قادة السلطة الذين يدعمون التكامل بين الجمهوريات السوفيتية السابقة، وساعدت نجاح بوتين في إنشاء سلطة مركزية مستقلة في أوراسيا (لوكين 2014). الديانة الأرثوذكسية الشرقية قد لا تكون دين الدولة في هذه الدول، ولكن هناك وجود سكاني كبير بما فيه الكفاية لإجبار القادة السياسيين على التصرف وفقا لذلك. المعتقدات الدينية والثقافية داخل هذه المجتمعات قد عززت بصورة ما زيادة قدرة بوتين على فرض نفوذه داخلها.

كانت احتجاجات الميدان تهديدًا لهذه المنظمات الإقليمية وقوة روسيا داخلها. وقد علق الرئيس بوتين على الأمر قائلا  “نحن نفهم ما يحدث. ونحن نفهم أن هذه الإجراءات موجهة  ضد أوكرانيا وروسيا وضد التكامل الأوراسي “(18 مارس 2014). كانت إجراءات بوتين ليس ردًا على انتهاك المعايير الدولية، لكنها كانت محاولة لحماية قوة روسيا الإقليمية، والتي كانت تقوم على القواسم المشتركة الثقافية والتاريخية بين هذه الدول. وقد أدى صعود الاتفاقات الإقليمية داخل أوراسيا إلى الصدام بين الأوكرانيين الغربيين والشرقيين.لأن هذه الجماعات تستند جزئيًا على تجارب ثقافية وتاريخية مختلفة.

للمزيد من دعم تلك  الخبرات المشتركة، عادت روسيا إلى الممارسات الإمبريالية. كانت أشرطة سانت جورج السوداء والبرتقالية  وسامًا عسكريًا في العهد القيصري، ولكن تم جلبها مؤخرًا إلى احتفال قدامى المحاربين (بيرنبوم 2014). تم إحياء هذه التقاليد الإمبراطورية لأن النظام في موسكو يرى أنه بذلت محاولات لحرمان الروس من ذاكرتهم التاريخية وإخضاعها للدمج القسري (بوتين، مارس 18، 2014a). العودة إلى هذه الممارسات هي محاولة لتعزيز الثقافة الجماعية والذاكرة التاريخية من أصل روسي. تستند تصرفات الرئيس بوتين على الرأي القائل بأن الهوية الحضارية مهمة وأن إجراءات الدولة لحماية هذه اللغات المشتركة والثقافات والأديان هو أمر شرعي.

هذه الآراء التوسعية لا تقتصر على الرئيس، ولكن يتم تداولها بإيمان من قبل جميع طبقات النظام. حتى نائب رئيس الوزراء الروسي ديمتري روجوزين يدعم تمامًا هذه الآراء التوسعية. وقد زار في هذا الإطار مدينة ترانسنيستريا في يوم النصر في الربيع الماضي في عرض لدعم الروس هناك. ترانسنيستريا هو المكان الذي يريد الانفصاليون الموالون لروسيا الانطلاق منه لتوحيد الأراضي من ترانسنيستريا إلى أوديسا إلى شرق أوكرانيا في دولة جديدة حليفة لموسكو اسمها “روسيا الجديدة” (بيرنبوم 2014). إن المطالبات بالاستقلال لهؤلاء الانفصاليين ليس الجانب الوحيد المهم، بل إن الاسم الذي اختاروه أيضًا مهم. لأن معناه “روسيا الجديدة: وهو الاسم الذي كان يطلق على نفس المنطقة  الجغرافية  في جنوب وشرق أوكرانيا في عهد كاترين العظمى (كونانت) 2014. ومرة أخرى هؤلاء الانفصاليون ونائب رئيس الوزراء يبررون مثل هذا العمل المحتمل على أساس اللغة المشتركة والتاريخ والثقافة وجميع مكونات الحضارة.

في نقاش تم مؤخرًا بين الرئيس بوتين والجبهة الشعبية الروسية في شبه جزيرة القرم يظهر مدى رجعية النظام الآن، لأنه في مناقشة حول كتب التاريخ، أثيرت انتقادات بأن الإدارة السابقة في شبه جزيرة القرم قد تخلصت من مصطلح “الحرب الوطنية العظمى” والاستعاضة عنها بعبارة “الحرب العالمية الثانية”، و لن تجد في الحقيقة أي حدث مكتوب عن  “سيفاستوبول” رغم أنها تاريخيًا جديرة بالذكر (بوتين، 10 أبريل 2014). إن مراجعة التاريخ بهذه الصورة هو محاولة تعزيز لشرعية تصرفات روسيا ببناء الثقافة والتاريخ الروسي. من خلال تعزيز الهوية الروسية في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا الشرقية، ويمكن اعتبار الإجراءات الروسية المستقبلية في المنطقة إضفاء شرعية من السكان المحليين.

لم تكن روسيا الوحيدة التي تتصرف بتوجه حضاري. فلقد استخدمت الإدارة الأوكرانية أيضًا رواية مشابهة لتبرير أفعالها. وقال الرئيس الجديد  بوروشينكو إلى فلاديمير بوتين أن القرم ستظل دائما أوكرانية (بي بي سي نيوز أوروبا 2014). ودعا بوروشينكو أيضا أوكرانيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في وقت لا تزال الأوكرانية لغة الدولة الوحيدة (بي بي سي نيوز أوروبا 2014). مرة أخرى في ظل المنظمات الإقليمية، التي يشترك أعضاؤها في الثقافة والتاريخ المشترك، يتم الاشتباك بينهم.

الرواية الأوكرانية ليست مفهومة بسهولة بواسطة المنظور الحضاري مقارنة بالرواية الروسية، ولكن النظام لا يزال يلمح إلى بعض المكونات التي حددها نموذج هنتنغتون. مثل الإصرار على عضوية الاتحاد الأوروبي المحتملة والأوكرانية كونها اللغة الوحيدة، تلك أمور تعزز الهوية الغربية في أوكرانيا، في حين تعزل الهوية الشرقية. أوكرانيا لا تشير كثيرًا لثقافة أو تاريخ مشترك، ولكن استمرار الروس في الرجوع إلى تلك القيم سيجبر الأوكرانيين على استخدام لغة جديدة مماثلة. وتلك التصرفات من الروس ستعزز اللجوء للهوية الحضارية في أوكرانيا الغربية.

* مُونرْو، مبدأ. مبدأ مونرو بيان أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو في رسالة سلّمها للكونجرس الأمريكي في 2 ديسمبر 1823م. نادى مبدأ مونرو بضمان استقلال كلِّ دول نصف الكرة الغربي ضد التدخل الأوروبي بغرض اضطهادهم، أو التّدخّل في تقرير مصيرهم. ويشير مبدأ مونرو أيضاً إلى أن الأوروبيين الأمريكييّن لا يجوز اعتبارهم رعايا مستعمرات لأي قُوى أوروبية في المستقبل. والقصد من هذا البيان هو أن الولايات المتحدة لن تسمَح بتكوين مستعمرات جديدة في الأمريكتين، بالإضافة إلى عدم السماح للمستعمرات التي كانت قائمة بالتوسع في حدودها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد