لقراءة الجزء السابق : دراسة عن السياسة الخارجية لروسيا من خلال أطروحة صدام الحضارات (3/4)

رابعًا: مبادرات روسيا في القطب الشمالي

أوكرانيا ليست المثال الوحيد على النزعات الإمبريالية الروسية الأخيرة، فلقد جعل الرئيس بوتين السيطرة على مرتفعات القطب الشمالي هدفًا رئيسًا للسياسته الخارجية. الاحتباس الحراري العالمي يؤثر مرتين أسرع في القطب الشمالي من أي مكان آخر، مما يؤدي إلى احتمال انفتاح ممرات تصل بين الساحل الشمالي من أوروبا وآسيا والمحيطين الأطلسي والهادئ (Liow 2014). روسيا تريد السيطرة على أكبر قدر ممكن من هذه الممرات المائية الجديدة. ورغم ذلك فإن الممرات المائية المحتملة الجديدة ليست هي العامل المحفز لسياستها فقط. لأنه ووفقًا لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، فإن نسبة تصل إلى 30% من الغاز غير المكتشف في العالم و 13% من احتياطيات النفط غير المكتشفة تقع في منطقة القطب الشمالي (Liow 2014). في عالم ينذر بتقلص الموارد الطبيعية، فإن الرصيد من المواد الطبيعية الموجودة في القطب الشمالي أصبح مغنمًا ثمينًا على نحو متزايد. هناك حاجة ملحة لمصادر جديدة للنفط والغاز، ولكن في الحالة الروسية من الواضح أنها مسألة القومية (رينولدز 2007). إذا كانت روسيا قادرة على اكتساب السيطرة على مناطق واسعة من القطب الشمالي، فإن ذلك سيوفر لها زيادة كبيرة في قدرتها على التأثير في النظام الدولي، من خلال السيطرة على محاور النقل الرئيسة واحتياطيات النفط.

التدافع للمنطقة القطبية الشمالية له وجه آخر متصل بالأزمة في أوكرانيا. ولفهم هذا، يتعين على المرء أن يستعرض اللاعب الرئيس الآخر في القطب الشمالي، وهو كندا. وفي واقعة قريبة أعلن الجيش الروسي أنه بصدد إرسال غواصة نووية إلى القطب الشمالي لزرع العلم الروسي في قاع المحيط (Huebert 2014). هذا الحدث الرمزي مهم جدًّا ويذكرنا بالبعثات الإمبراطورية القديمة وبزرع الأعلام على الأراضي الأجنبية. لم يكن هذا الأمر مخططًا له من قبل ولكن هذا الإعلان جاء مباشرة بعد أن أشارت كندا إلى أنها قد تشمل المنطقة المحيطة والقريبة من القطب الشمالي في تقديمها إلى مجلس القطب الشمالي (Huebert 2014). روسيا ترى ادعاءات كندا على القطب الشمالي تهديدًا لمطالبتها وخططتها الخاصة بها. وردًّا على ذلك، استخدمت روسيا مزيجًا من القوة الناعمة والصلبة لتخويف كندا والتراجع عن موقفها. ومع ذلك، فقد عززت مغامرات روسيا الأخيرة في أوكرانيا موقف كندا ضدها واظهرت الدور الذي تلعبه الحضارة في النظام الدولي المترابط الجديد.

تعرف كندا أنها وطن لأعداد كبيرة من المهاجرين، نتيجة لقبولها المهاجرين بصورة مستمرة، وأصبحت موطنًا كبيرًا وهامًا سياسيًّا لعدد كبير من المهاجرين الأوكرانيين الأصل. (Liow 2014) والآن الأزمة الحالية في أوكرانيا تؤدي إلى تفاقم التوترات في منطقة أعالي القطب الشمالي بين كندا وروسيا. وعلى الرغم من أن كندا على الجانب الآخر من العالم، ولكن الأمور في النهاية ستؤدي إلى صراع مباشر مع روسيا، لأسباب ثقافية وسياسية. أحد الأسباب هي أن كندا موطن لأكثر من 1.2 مليون أوكراني كندي، وهي ثالث أكبر تعداد للأوكرانيين بعد أوكرانيا أولاً بالطبع ثم روسيا (كارلسون) 2014. وأوتاوا على سبيل المثال لديها علاقات تاريخية مع أوكرانيا فقد كانت أول دولة غربية تعترف باستقلال أوكرانيا في عام 1991 (كارلسون) 2014. والحكومة الكندية لديها تاريخ طويل في دعم وحدة أراضي أوكرانيا. لذا فإن الزحف الروسي في أعالي القطب الشمالي ومناوشات شرق أوكرانيا ستكثف فقط الاشتباكات مع كندا.

ووحدها فقط النظرة الحضارية التي تستطيع تفسير الصراع الشامل بين روسيا وكندا في القطب الشمالي. لأننا إذا نظرنا إلى هذا الصراع على أنه توازن للقوى فقط، فإننا سنهمل بالتأكيد تأثير المغتربين الأوكرانيين الكبير في كندا. لذا فإن التحليل الحضاري يسمح لعرض الصراع في مجمله ودراسته.

خامسًا: تركيا وروسيا

لكي نثبت أن أطروحة صراع الحضارات لصموئيل هنتنغتون تقدم نموذجًا صالحًا لشرح النظام الدولي الحالي، نحتاج إلى دراسة حضارة أخرى خارج الأرثوذكسية الشرقية الروسية، لذا سيبحث هذا القسم كيف بدأت تركيا تتصرف بهذا المنظورالحضاري، وذلك جزئيًّا ردًّا على التقدم الروسي التوسعي الإمبريالي في الآونة الأخيرة. حيث بدأت تركيا أيضًا أن تتعامل بسياسة خارجية أكثر استقلالية وشوفانية، بسبب عدم قدرة الغرب على حل المشاكل المنهجية الخاصة بتركيا وجيرانها.

إن صعود الحضارة التركية الحديثة والهوية الثقافية المتميزة كان بعد 1989. فتقليديًّا كانت هناك أربعة مصادر رئيسة للسياسة الخارجية التركية. أولها يكمن في مصادر التجارب التاريخية للإمبراطورية العثمانية (Murinson عام 2006، 945). ثانيًا الثورة الكمالية القومية، وإنشاء الجمهورية التركية الحديثة (Murinson عام 2006، 945). وكان هذا التيار انعزالي بالنسبة للتوجه في السياسة الخارجية، التأثير الثالث في السياسة الخارجية بدأ في رغبة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتأثيره المهم في تمدن وأوربة تركيا. وأخيرًا، *متلازمة سيفر أو الاشتباه في القوى الأجنبية، أثرت في نخب السياسة الخارجية في بعض الأحيان (Murinson عام 2006، 945). هذه هي المجموعات المفاهيمية الرئيسة للسياسة الخارجية لتركيا.

في نهاية الحرب الباردة، كان هناك تحول في منظور السياسة الخارجية لتركيا. فلقد شهدت السياسة الخارجية التركية تحولاً من الكمالية إلى العثمانية الجديدة بقيادة تورغوت أوزال، رئيس الوزراء 1983-1989، ومرة أخرى من عام 1987 حتى وفاته في عام 1993 (Murinson عام 2006، 946). الانتقال من سياسة خارجية انعزالية خلال الحرب الباردة إلى واحد أكثر نشاطًا غيرت دور تركيا في آسيا الوسطى والشرق الأوسط. وهذا القسم سوف يناقش بعض هذه الحالات.

بالإضافة إلى التغيرات المحلية، أدت التغيرات العالمية إلى زيادة الوعي بالحضارة التركية الجديدة أيضًا، وذلك نتيجة توحش العولمة، وخاصة زيادة الترابط الاقتصادي والاجتماعي. والآن تركيا لديها فرصة جديدة للتأثير في المناطق المجاورة لها (Murinson عام 2006، 952). ومن الملاحظ أن تركيا الجديدة أصبحت أكثر نشاطًا بصورة واضحة في السنوات القليلة الماضية. بالطبع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم يشكل تهديدًا للدولة التركية، ولكن قبل هذه الأزمة روسيا لعبت دورًا نشطًا في منطقة أخرى مجاورة لتركيا، وهو التدخل في الحرب الأهلية في سوريا.

وقد أدت الحرب الأهلية في سوريا بين الرئيس بشار الأسد والمتمردين إلى دور أكثر نشاطًا لتركيا في المنطقة. فاعتبارًا من يونيو عام 2014 أصبح هناك مليون لاجئ سوري يعيشون داخل الأراضي التركية (Nedeau 2014). وقد أجبر العدد الهائل من اللاجئين الحكومة في أنقرة للتصرف حيال ذلك. إن تولي تركيا دور أكبر في الصراع السوري يرجع أيضًا إلى ضعف الغرب. فلقد كانت استجابة القوى الغربية، لصد الدعم الروسي الذي لا ينضب لنظام الأسد، ضعيفة ومنقسمة (اونفر 2014).

ويمكننا القول أن هذا الأمر نابع من عدم الرغبة في إبراز القوة في مناطق قريبة من نفوذ روسيا (اونفر 2014). تركيا أدركت أنه إذا كانت القوى الغربية خاصة الولايات المتحدة، لا تستطيع موازنة النفوذ الروسي في سوريا، فإن على تركيا أن تقوم بذلك بنفسها. لذا فمنذ أن تحولت الاحتجاجات ضد الأسد إلى حرب أهلية، دعم رئيس الوزراء أردوغان كامل أطياف الجماعات التي تقاتل لإسقاط الأسد (ليه 2014 ). وقد اتبعت تركيا هذه السياسة حتى مع المخاطر المحتملة بنفور حلفائها الغربييبن التقلديين منها. فالقوى الغربية يفضلون دائمًا الحل التفاوضي (ليه 2014). ولكي نفهم لماذا تدعم تركيا المتمردين وتقلق حلفاءها الغربيين، يحتاج المرء لدراسة ماذا ستكسب روسيا ببقاء الرئيس الأسد في السلطة.

أولاً إن روسيا ستكسب عسكريًّا إذا استمر نظام الأسد في السلطة في سوريا. وتعتقد روسيا أنه بفضل دعمها للرئيس بشار الأسد، فإن سوريا ستسمح باستمرار وصول موسكو لقاعدتها البحرية في طرطوس سوريا (اونفر 2014). وهذا سيكون تهديدًا مباشرًا للبحرية التركية في البحر المتوسط. ومن شأنه أيضًا أن يوفر لروسيا منفذًا آخر للمياه الدافئة. قد يبدو قرار دعم الثوار السوريين يتستند إلى محاولة توازن القوى في حسابات النفوذ في المنطقة، ولكن هناك عوامل حضارية في ذلك الدعم التركي للمتمردين.

ولقد كان اشتراك إيران كقوة أخرى في الأزمة السورية تشجيع على تطور هوية الحضارة التركية واستمرار دعمها للمتمردين (جوارتزمان وكوك 2011). فإيران هي واحدة من المنافسين الرئيسين لتركيا كقوة إقليمية في كل من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وهذا بالإضافة إلى أن الأزمة السورية أدت إلى الانقسام بين تركيا وحلفائها الغربيين التقليديين. كل هذه الأسباب وأكثر بالإضافة إلى ضم روسيا للقرم، والذي أدى إلى تصرف سريع من الأتراك لتأكيد هويتهم الحضارية في المنطقة.

في واحدة من أكثر المناطق المتخلفة من العالم، ما تزال تركيا معقل التقدم الاقتصادي. متباهية بالمركز الخامس عشر اقتصاديًّا على العالم (جوارتزمان وكوك 2011). وبهدف قابل للتحقيق وهو وضع نفسها ليس فقط كقوة اقتصادية ولكن زعيمة للمنطقة التي تفتقر إلى القيادة، سواء في شمال أفريقيا أو في الخليج (جوارتزمان وكوك 2011). كل ذلك قد استخدمته تركيا في الأزمة السورية لمحاولة صياغة مسار جديد، المسار التركي للمنطقة. لذا فإن الاستيلاء على شبه جزيرة القرم له أهمية بالنسبة لتركيا يحتاج إلى أن ينظر إليها من منظور الحضارة.

القرم كما أسلفنا احتلت مكانًا فريدًا في التاريخ الروسي، ولكن أيضًا في تاريخ تركيا. فمن منظور التركي، إن الاحتلال الروسي للقرم استمر 340 عامًا (اونفر 2014). وبالنسبة للأتراك، لم يتغير شيء منذ سقوط شبه جزيرة القرم من أيدي العثمانيين في منتصف القرن 17. القرم بالنسبة للأتراك كانت باريس الإمبراطورية العثمانية المليئة بالمفكرين المسلمين (اونفر 2014). والتي أنتجت الآباء المؤسسين للقومية التركية الحديثة، بما في ذلك “اكورا يوسف” و”إسماعيل جاسبرينسكي” (اونفر 2014). ورغم ذلك لم تقدم تركيا أي مطالبات لشبه جزيرة القرم في الأزمة الأخيرة. ولكن وللأهمية الثقافية والفكرية في المنطقة قد يحدث في المستقبل، وإذا قامت روسيا بتطهير شبه جزيرة القرم من ماضيها التركي، كما ادعت أن أوكرانيا فعلت ذلك مع التراث الروسي لها، قد يتحول الأمر من تركيا إلى التدخل بشكل مباشر. إن تحركات روسيا لعمل دولة على أساس خصائص حضارية، سيشجع دول أخرى باستخدام نفس الخصائص مثل تركيا.

رد تركيا الفوري على أزمة شبه جزيرة القرم من الصعب التنبؤ به. فحاليًا تركيا ليس لديها خطة مؤكدة لمواجهة التوسع الروسي لأسطول البحر الأسود (اونفر 2014). قد تنضم لمحاولة الاحتواء، ولكن هذا سيعتمد على الفوائد المباشرة لتركيا التي تستطيع أن تؤمنها لهويتها الحضارية. وقد أثبتت الأزمة السورية أن تركيا مستعدة للانفصال عن الغرب وإقامة طريقها الخاص. وإذا انضمت لتحالف الاحتواء هذا، فسيكون بعد أن أيقنت أنه سيجلب لها فوائد القوة الصلبة والانتصارات التي تؤمن لها قوة ناعمة بخصائص ثقافية وتاريخية جديرين بالاحترام.

الخلاصة

لقد ناقشت هذه الورقة كيف أن أطروحة صموئيل هنتنغتون لصراع الحضارات، ليست فقط تؤهلنا لفهم الأزمة الأوكرانية، ولكن أيضًا لاستيعاب زيادة النزعة الإمبريالية لروسيا في المنطقة. لذا فقد كان ضم شبه جزيرة القرم مهمًا لأنه من أكثر المواجهات سخونة بين روسيا والغرب منذ نهاية الحرب الباردة. بل أيضًا يزداد أهمية لأنه في ضم شبه جزيرة القرم، رفضت موسكو بحزم قواعد الغرب، وذلك حطم العديد من الافتراضات الخاطئة الغربية حول دوافعها (لوكين 2014). الآن يتحتم على المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين إيجاد نموذج جديد لفهم التفكير وراء السياسة الخارجية الروسية، إذا كانوا يريدون حل الأزمة أوكرانيا ومنع أزمة مماثلة من الحدوث في المستقبل (لوكين 2014). أطروحة صموئيل هنتنغتون حول صراع الحضارات وخطوط الصدع بينهما تقدم للغرب هذا النموذج لفهم وتوقع سلوك روسيا.

وقد أثبتت هذه الدراسة أن الأزمة الحالية في أوكرانيا يمكن فهمها من خلال النهج الحضاري على النحو الذي دعا إليه صموئيل هنتنغتون في أطروحته عن صراع الحضارات. فالرئيس بوتين قد استخدم على نطاق واسع الخطاب الذي يناسب فرضية هنتنغتون لتبرير تصرفات روسيا في شبه جزيرة القرم. ولقد عادت روسيا إلى الممارسات الاستعمارية في محاولة للاستيلاء على الأراضي قرب حدودها.

 درست هذه الورقة أيضًا كيف أن جنوب وشرق أوكرانيا ليست هي الطموحات الإقليمية الوحيدة للرئيس بوتين، بل السيطرة على كميات هائلة من الأراضي في منطقة القطب الشمالي يفهم أيضًا داخل التفسير الحضاري. والمعارضة الكندية في التوسع الروسي في القطب الشمالي ليس فقط بغرض توازن القوى في المنطقة، ولكن أيضًا لتأثر القرار الكندي بالجالية الأوكرانية الكبيرة. وقد تبين أيضًا أن تركيا بدأت العمل أكثر داخل نموذجها الحضاري، بسبب تراجع القوى الغربية في الشرق الأوسط، وزيادة أطماع وتطلعات روسيا الإمبريالية في البحر الأسود.

 تصرفات روسيا في الآونة الأخيرة يصعب فهمها من خلال النماذج التقليدية، ولكن أطروحة صموئيل هنتنغتون نموذج يقدم نظرة شمولية للأزمة. ورغم أننا من الصعب أن نجزم بقدرة هذا النموذج لشرح النظام الدولي المتغير من أي وقت مضى، لكن هي واحدة من أكثر الأطروحات الواعدة التي نملكها حتى الآن.

**متلازمة سيفر في تركيا هي الاعتقاد بأن بعض قوى خارجية، خصوصًا الغرب تتآمر لإضعاف وتحجيم تركيا، نشأ المصطلح من معاهدة سيفر من 1920 والتي قسمت الإمبراطورية العثمانية بين أرمينيا واليونان وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وترك مساحة صغيرة حول أنقرة تحت الحكم التركي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد