قبل الدراسة أود أن أضيف مقدمة عن مصطلح صراع الحضارات.

 

صراع الحضارات

هو الصراع بين الدول والجماعات دائمًا ما يتولد نتيجة للرغبة في السيطرة على شيء ما كالناس أو الأرض أو الثروة أو القوة النسبية. أو التنافس على فرض الرأي والثقافة الخاصة بدولة أو شخص ما على جماعة أو دولة أخرى باللين أو القوة.

فكرة  الصراع الإنساني قديمة في حد ذاتها لكن أشهر من تحدثوا عن صدام الحضارات أو ما يعرف أحيانًا باسم” صراع الحضارات” الدكتور وعالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة في أوائل التسعينيات. وهو أول المنظرين لهذه النظرية.

 

المنجرة يرى أن الغرض من طرحه لهذه النظرية هو موقف وقائي بنائي لا أصولي، وذلك من أجل ترسيخ قيم العدالة الإنسانية وتفادي الكوارث اللا إنسانية في حق البشرية جميعًا، بنبذ الكراهية والتحريض، وضمان استمرارية تاريخية للقيم المثلى. وهو يعتبر أن التخلف الذي يعانيه العالم الثالث ثقافي قبل أن يكون اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وأن التنمية أو مفتاحها هو الثقافة، ولا توجد ثقافة بدون منظومة قيم، القيم التي ألف لها كتابًا مستقلاً. وقد تناول المهدي نظريته من أجل تفادي الصدام وما سينتج عنه من أضرار، سيكون أكثر الخاسرين هم الضعفاء من الشيوخ والأطفال، لذا فلا بد للإنسانيين من خلق حوار حضاري بين شمال العالم وجنوبه.

 

أطروحة صدام الحضارات

هي النظرية المقترحة من دكتور العلوم السياسية صموئيل ب. هنتنغتون، التي تفيد أن الخصائص الثقافية والدينية والهويات هي التي ستكون المصدر الرئيس للصراع في مرحلة ما بعد الحرب الباردة العالم. النظرية صيغت في الأصل عام 1992 في معهد أمريكان إنتربرايز 1993، ثم نشرت في مجلة الشؤون الخارجية تحت عنوان “صراع الحضارات”.

والتي كانت استجابة لكتاب “نهاية التاريخ” لفرانسيس فوكوياما عام 1992. بعد ذلك توسعت إلى أن أصبحت أطروحة كاملة في فهم التاريخ وصدام الحضارات وإعادة صناعة النظام العالمي. وصدرت في كتاب سنة 1996.

وتُشير هذه الأمور إلى أن عالم ما بعد الحرب الباردة متعدد الأقطاب، ويقصد بها الحضارات التي يتكون منهاالعالم،وهي”الصينية، اليابانية، الهندية، الإسلامية، الغربية، الأرثوذكسية، الأفريقية، أمريكا اللاتينية”، وأن ما يحكم العلاقة بين تلك الحضارات هو “الصدام”، هذا الصدام أساسه الثقافة أو الهوية التي تحكم كل حضارة، وذلك كما قال هنتجتون: ((إن الثقافة أو الهويات الثقافية، والتي هي على المستوى العام، هويات حضارية، هي التي تشكل أنماط التماسك والتفسخ والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة)).

صراع الحضارات من هنا 

نقد رشدي سعيد لنظرية صدام الحضارات من هنا 

عن المهدي المنجرة من هنا 

عن صمويل هنجتون من هنا 

الأزمة الأوكرانية الحالية ليست إرهاصات عودة إلى الحرب الباردة، ولكن تظهر في الواقع صعود نظام عالمي مختلف. هذه الورقة تعرض أن الأزمة الحالية بين أوكرانيا وروسيا تدل على صحة “أطروحة” صموئيل هنتنغتون “صراع الحضارات”. فلقد استخدم الرئيس بوتين بشكل متزايد التقارب الحضاري كمحدد في علاقاته مع الدول الأخرى. فاللغة التي يستخدمها بوتين لتبرير مغامرات روسيا الإمبريالية تناسب أطروحة صموئيل هنتنغتون. و ردًّا على ذلك، بدأت دول الجوار مختلفة الحضارات في تغير رواياتهم الأجنبية في الاستجابة.

العنصر الأول من هذه الورقة تلخيص لأطروحة هنتنغتون ومحاولة لتوضيح بعض المفاهيم الأساسية. والذي يليه سيقدم لمحة تاريخية موجزة عن العلاقة الروسية الأوكرانية. والجزء الثالث دراسة الأزمة الحالية في أوكرانيا والمبررات لمثل هذه الإجراءات التي ينص عليها الرئيس بوتين. والعنصر الرابع ننظر بإيجاز في المواقف الروسية في القطب الشمالي. ونختم بالقسم الأخير الذي سيوفر لمحة عامة عن تزايد التوترات بين روسيا وتركيا من خلال منظور المقاربة الحضارية.

 

أولاً: صراع الحضارات يزار

أحد الانتقادات الأكثر شيوعًا لصموئيل هنتنغتون وأطروحته صراع الحضارات يدور حول مسألة كيفية تعريف الحضارة. هنتنغتون يعرف الحضارة ككيان ثقافي، والتي يمكن أن تتكون من القرى والأقاليم والمجموعات العرقية والقوميات، والجماعات الدينية (هنتنغتون عام 1993، 24). ويجادل بأن الحضارات هي أعلى تجمع ثقافي للناس وأوسع مستوى من الهوية الثقافية يمكن للناس أن يمتلكوه (هنتنغتون عام 1993، 24). هنتنغتون لا ينكر أن هناك عوامل أخرى قد تؤثر على الفاعلين في العالم، مثل الإيديولوجيا، لكنه يؤكد أن الثقافة والحضارة سوف تصبح العامل المهيمن.

هذه التعريفات لا توضح ما دور العرق، أو الدين، أو أي مكون آخر يفترض وجوده في خلق هوية الحضارة. لذا ولأغراض هذه الورقة، فإن كلا الفكرتين ستأخذ في الاعتبار.

لأهمية الكلمة في موضوعنا فإن كلمة العرق سوف تظهر كثيرًا طوال هذه الورقة. ولكن هنتنغتون لا يقدم تعريفًا شاملاً لمفهومها في كتابه. ولذلك، فإن تعريف كراوفورد يونغ للعرق يشكل أساس استخدامنا. استطاع يونج أن يقسم الكلمة إلى ثلاثة مكونات.اختصارًا فإن اللغة المشتركة، والممارسات الثقافية، والوعي الجماعي هي المكونات الرئيسة للأعراق. قد يكون هذا تبسيطًا مخلاً، ولكن لأغراض هذا التحليل سيكون كافيًا.

يقول صموئيل هنتنغتون أنه مع نهاية الحرب الباردة، ظهر نموذج جديد للعلاقات الدولية مبني على أساس الثقافة والحضارة. إن العامل الذي سيكون مصدر الهيمنة في الصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة سيكون المكون الثقافي، وإن الصراعات الرئيسة تحدث بين الأمم والجماعات أصحاب الحضارات المختلفة (هنتنغتون عام 1993، 22). قسم هذه الصراعات المستقبلية المحتملة إلى ثلاث فئات: الصراعات بين دول مختلفة الحضارات وتتاخم بعضها البعض في الحدود. والصراعات داخل الدول التي تحتوي على مجموعات من حضارات مختلفة (فوكس عام 2002، 416). الفئة الثالثة الصراعات داخل دول تجذب اهتمام حضارات مختلفة. وهي أهم فئة. وهذه الورقة تشرح كيف أن الوضع الحالي في أوكرانيا هو مثال على واحدة من هذه الصراعات. وسنوضح أيضًا كيف يكون صراع الفئة الثانية عند مناقشة العلاقات الحالية بين تركيا وروسيا.

في مقالته الملهمة عام 1993 في مجلة الشؤون الخارجية “Foreign Affairs”، عرض صموئيل هنتنغتون ستة أسباب لتصادم الحضارات. من الستة، هناك سببان متصلان بهذا البحث. يقول هنتنغتون إنه منذ أن أصبح العالم قرية صغيرة أدى ذلك إلى مزيد من التفاعل بين مختلف الناس، مما ستكون نتيجته زيادة وعي الشخص بحضارته واختلافها عن الباقي (هنتنغتون عام 1993، 25). في الواقع، فإن العولمة بالفعل تعزز الهوية الحضارية. وجادل أيضًا بأن الإقليمية الاقتصادية من شأنها أن تزيد من ترسيخ تمايز الحضارات (هنتنغتون عام 1993، 26). على العموم فإن أسباب هنتنغتون عن صراع الحضارات موجودة في أزمة أوكرانيا، وسنناقشها لاحقًا.

ولكن هذه الورقة لا تدعي أن الحضارات ستحل محل الدولة التقليدية. حتى صموئيل هنتنغتون اعترف باستمرار دور الدول في العلاقات الدولية. وأن الدول القومية ستظل أهم القوى الفاعلة في الشؤون العالمية، ولكن الاهتمامات، والتجمعات، والصراعات ستكون بشكل متزايد ناتجة عن العوامل الثقافية والحضارية (هنتنغتون عام 1996، 36). وإن تلك العوامل سيزداد تأثيرها في تشكيل الدول. وذلك نتيجة للعولمة، من بين عوامل أخرى. حدود الدولة أصبحت على نحو متزايد مفتوحة وأدى هذا إلى ظهور نظام دولي متعدد الطبقات ومتنوع ومعقد (هنتنغتون عام 1996، 35). ونتيجة لذلك، أصبحت الدول تحتاج على نحو متزايد إلى الاعتماد على أشكال متعددة من القوى لإبراز نفوذها خارجيًّا. أبرز هنتنغتون كيف تصبح العوامل الثقافية والحضارية ممرًا للدول التي ترغب في أن تزيد من بعض قوتها. لذا بدأت روسيا استخدام العوامل الحضارية الثقافية وغيرها لتأكيد قوتها في المناطق القريبة لها.

أما في كتابه شرح صموئيل هنتنغتون باختصار احتمالية انفجار أزمة بين روسيا وأوكرانيا. وناقش إن من المنظور الدولي فإن الأرجح حدوث صراع بين روسيا وأوكرانيا, ولكن من المنظور الحضاري فإن أوكرانيا ستنقسم إلى قسمين بناء على عوامل ثقافية (هنتنغتون عام 1996، 37). في حالة أوكرانيا، من شأنها العوامل الثقافية هزيمة التأثيرات الإيديولوجية. فيقول هنتنغتون إن الانقسام المحتمل بين السلاف الأوربيين في غرب أوكرانيا والسلاف الروس في شرق أوكرانيا لن يكون نتيجة الاستقطاب العرقي، ولكن سيكون في الغالب ذات صلة بالاختلاف الثقافي (هنتنغتون عام 1996، 166). هذا يجعل أوكرانيا نموذجًا أوليًّا ممتازًا لدراسة دور الثقافة والهوية الحضارية.

ولكن النهج الحضاري الذي نادى به صموئيل هنتنغتون فشل في شرح الأزمة الأوكرانية الحالية في بعض الجوانب. فلقد قال إن التقارب الحضاري سيشجع التعاون بين روسيا وأوكرانيا، ويحث أوكرانيا على التخلي عن أسلحتها النووية في الوقت الذي تسعى إلى مساعدة اقتصادية كبيرة (هنتنغتون عام 1996، 37). أوكرانيا لم تتخل عن أسلحتها النووية في مقابل الوعود الروسية. والتعاون بين أوكرانيا وروسيا قد فشل في الآونة الأخيرة. النهج الحضاري لم يفسر كل التفاصيل من الأزمة الحالية، ولكن وفر لنا عدسة واسعة نستطيع النظر من خلالها.

أخيرًا، يقول هنتنغتون إن الدعم الغربي لتقسيم أوكرانيا لن يكون سريعًا. ولكن ستكون المساعدة سريعة فقط إذا تدهورت العلاقات بين الغرب وروسيا بشكل خطير، أشبه بسنوات الحرب الباردة (هنتنغتون عام 1996، 167).

إن الأزمة الحالية في أوكرانيا تفي بهذا التصور. واحتمال أن أوكرانيا سوف تنقسم إلى دولتين منفصلتين غير معروف، ولكن أطروحة صراع الحضارات لصموئيل هنتنغتون لا تقدم لنا حلولاً، ولكن توفر لنا نموذجًا لدراسة القرارات السياسة الخارجية المحيطة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد