هذا التقرير هو عرض لمحتوى ندوة لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكية حول الرئيس السوري «بشار الأسد» وكيف أثرت عائلته وخلفيته الاجتماعية والأسرية والطائفية على مسار الصراع الجاري في سوريا مع محاولة لاستشراف آفاق هذا الصراع وتداعياته من وجهة نظر الخبراء المشاركين. وقد تم إعداد هذا العرض من قبل إدراك للاستشارات ويجري نشره بموجب الاتفاق بين إدراك و«ساسة بوست».

تناول مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي شخصية الرئيس السوري «بشار الأسد» في ندوة بعنوان «الملف الشخصي للسلطة: بشار الأسد» هدفت إلى تناول الأسلوب القيادي الخاص به، ونفسيته، وشخصيته وأثر ذلك على خياراته السياسية. تقول مدير الندوة الكاتبة في مجلة نيويوركر «إيمي ديفيدسون» إن الملف الشخصي، قد تكون له صور متعددة في فترة زمنية واحدة، مثل الأوجه المتعددة لشخصية «بشار الأسد»، لكنها تستدرك بأن هناك فترات يتعذر فيها الحفاظ على كل هذه الأوجه عندما تترك السلطة مكانًا لوجه واحد فقط.

إلا أن الندوة شهدت استطرادات استحوذت على الجزء الأكبر من مساهمات المتحدثين، تنوعت بين تحليل أسباب الصراع في سوريا وخيارات السياسة الأمريكية، وكانت نوعية المتحدثين عاملًا رئيسيًا في توجيه الحوار وبالأخص مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما «جوشوا لانديس» الذي يتفرّد في وجهة نظره حول الوضع في سوريا وفي الشرق الأوسط بشكل عام. عاش «لانديس» في المملكة العربية السعودية ولبنان وعدد من دول الشرق الأوسط، وكان في سوريا خلال أحداث حماة 1982، ويتقن العربية وخمس لغات أخرى، وله ظهور إعلامي وكتابات في كثير من المنصات الإعلامية الغربية باعتباره خبيرًا في شؤون الشرق الأوسط. يصفه البعض بأنه مقرب من «بشار الأسد» ولا يعترف بالمعارضة السورية، وتتطرق هذه المراجعة إلى بعض آرائه المثيرة للجدل في الوسط السياسي السوري التي وردت في الجلسة.

المتحدث الثاني هو الزميل في معهد دراسات الشرق الأدنى «أندرو تابلر»، والثالث هو أستاذ التاريخ في جامعة ترينيتي «ديفيد ليش»، وقد زار كلاهما سوريا، وحظي «ليش» في الأعوام الثلاثة الأخيرة في إطار مشروع بحثي بفرصة لقاء عدد من المسؤولين القريبين من «الأسد» الذين خرج بعضهم من سوريا لأسباب مختلفة فيما لا يزال عدد منهم يعمل مع «الأسد».

قراءة غربية في شخصية بشار الأسد

بشار الأسد

الخبراء المشاركون في ندوة مجلس العلاقات الخارجية

ينقل الزميل في معهد دراسات الشرق الأدنى «أندرو تابلر» عن زميل له التقى «بشار الأسد» مؤخرًا، أن «الأسد» أعرب عن أمله في إحراز تقدم في حل الأزمة قبل الانتخابات الأمريكية القادمة، ويبرر «تابلر» ذلك بما قد تحمله نتائج الانتخابات من مفاجآت في السياسة الأمريكية في سوريا. هذه العبارات وغيرها يرويها باحثون أو صحفيون التقوا الأسد، ربما تشير إلى ملامح شخصيته عن قرب.

تُصوّر «ديفيدسون» الوضع في 30 آذار (مارس) 2011: مظاهرات في الشوارع تحمل صور الأطفال الذين تعرضوا للتعذيب، ضغط على «نظام الأسد»، و«بشار الأسد» يلقي خطابًا له بعد غيابه عن الأنظار لأسبوعين. يصف «ليش» تلك اللحظة بأنها مركزية في التاريخ الحديث للشرق الأوسط. ذكر مسؤولون مقربون من «الأسد» أن مسودات عديدة قدمت للخطاب الذي كان سيلقيه، وينقل «ليش» عن أحدهم أنه اطّلع على الخطاب قبل ساعة من إلقائه ووجد فيه تنازلات وحديثًا عن إصلاحات إلا أنه صُدِم بعد مشاهدة الخطاب على التلفاز بأنه خلا منها كلّها. يضيف «تابلر» أن أربع فقرات من المسودة الأولى للخطاب التي تضمنت إصلاحات أرسلت إلى الكاتب في صحيفة واشنطن بوست «ديفيد إغناتيوس» ليكتب عنها في الصحيفة، إلا أن الخطاب خرج عكس ذلك.

ويفسر المسؤولُ الذي اطّلع على المسوّدة الأولى والذي لم يعُد في الحكومة، تبدّلَ الخطاب، بأن مسؤولين أمنيين أثّروا على «الأسد» لتعديل خطابه، الأمر الذي يشترك فيه مسؤولون آخرون تحدث إليهم «ليش»، ممّا يدل على وجود خلاف بين الدائرة المحيطة بـ«الأسد» وأن المسؤولين الأمنيين حسموا الخلاف لصالحهم وأقنعوا «الأسد» بأن هناك إمكانية لحسم الصراع والعودة إلى الوضع السابق خلال أسابيع.

يرى «ليش» أن تلك اللحظة كانت الأنسب للأسد ليثبت فيها ما توقعه بعض السوريين وغيرهم لدى قدومه إلى الحكم بأنه يحمل طموحات بالإصلاح، إلا أن الخطاب أثبت عكس ذلك. ويضيف أن خيبة الأمل لم تقتصر على المعارضة السورية بل امتدت إلى مسؤولين في الحكومة السورية ممّن تحدّث إليهم. كتب «ليش» رسالة إلى «الأسد» قبل إلقائه الخطاب، تضمنت مقترحات ونصائح تتعلق بإصلاحات عن الفترة الرئاسية وغيرها، وقد فوجئ بعد سنوات من مسؤولين مختلفيَن مقربين من «الأسد» بأنه قرأها، وأن أفرادًا من الدائرة المحيطة به كانوا يدفعونه باتجاه تبنّي بعض محتواها.

مزاجية «الأسد» وعدم القدرة على توقع قراراته على عكس والده، كانت الملاحظة الأبرز التي التقطها «تابلر» من حديثه لمسؤولين مقربين من «نظام الأسد» في الفترة التي عاشها في سوريا، والتي يرى أنها كانت عاملًا حاسمًا في دخول «الأسد» إلى دوّامة أو محاولة التملّص منها بطريق القوة الذي اختاره. ويرى «تابلر» أن خشية «الأسد» من أن يلحق به مصير مصر وتونس كانت عاملًا أساسيًا في هذا الخيار.

فيما يرى «لانديس» أن رجال الأمن السوريين أدركوا أنه رغم تظاهر الشباب السوريين الذين يقدر متوسط أعمارهم بواحد وعشرين عامًا ولم يشهدوا حمام الدم في حماة للمطالبة بإصلاحات، فإن تركهم إلى درجة إفلات السيطرة سيؤدي إلى سيطرة الجهاديين. كان رجال الأمن في لحظة إطلاق أول طلقة في الصراع بالكاد خرجوا من تجربة التعامل مع مشكلة الخلايا الجهادية شهريًا منذ حرب العراق. وبالتالي إذا أغرى مسعى الإصلاحات «بشار الأسد»، فإن مَنْ حوله سيصفونه بالغباء والسذاجة وعدم فهم المنطقة التي يواجهون فيها الجهاديين منذ سنوات ويتلاعبون بهم ويرسلونهم إلى العراق، بالطبع سيثنونه عن هذا المسعى الذي قد يطيح به.

سمات «بشار الأسد»

لا ينفي وصف «الأسد» بالمزاجي كونه يتمتع بالذكاء والقدرة على المناورة حسب «تابلر»، الذي يرى أن الوصف الأقرب لشخصية «بشار الأسد» هو «الشخصية الحدية». فهو يكون عقلانيًّا تمامًا في بعض اللحظات، وفي لحظات أخرى لا يمكن لأي أحد أن يفهم ما يفعله.

فيما يصفه «ليش» بأنه معتدل ويائس في الوقت نفسه. الأولى لأنه لا يتخذ القرارات بصورة حاسمة ويقيم الخيارات قبل اختيار أحدها، والثانية لإدراكه أن حلمه بكون سوريا دولة مميزة معترفًا بها دوليًا لن يتحقق وأن عليه أن يعتمد على إيران وروسيا وحزب الله ليظل في السلطة.

أما «لانديس»، فيعتقد بأنه عقلاني، ومحدود بعالمه الخاص، سافر إلى أوروبا مرة واحدة، وتلقى تعليمًا سوريًّا وهو ليس تعليمًا جيدًا. كان العمل المطلوب أكبر من أن يضطلع به «بشار الأسد»؛ فهو خجول، وغير حاسم، لكنه أوجد توافقًا بين كبار القادة الأمنيين حوله ولديه طاقم موالٍ يعمل بجد. لكنه يعمل في نظام هشّ جدًا، إذ لا يمكنه أن ينزع السلطة من العلويين لأن كل من حوله سيقتلون بسرعة ولذلك يحاول أن يبقيهم على قيد الحياة، وتتفق الغالبية العظمى من المجتمع العلوي معه. ربما يقول البعض إنه جرّهم إلى ذلك، وأنه كان بإمكانه مغادرة البلاد ليكون حالهم أفضل، ومن الممكن القول إنه أنقذ مجموعته الخاصة وأغرق البلاد بأكملها. وربما ينجو «الأسد» مع سكان الساحل من الوضع الحالي، وإذا نجح بذلك سيرى نفسه منتصرًا.

عائلة «بشار الأسد»

يستعرض «تابلر» عائلة «الأسد» حسب مخطط أعده معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، يتناول أعضاء نظام «الأسد»، وروابط القرابة بينهم، وتوزعهم الطائفي. ويرى أن الجانب الأصعب في هذا الصدد هو معرفة قوة العلاقة بين الأطراف في «نظام الأسد»، مما يضفي غموضًا على النظام يعمي رؤية أي طرف يرغب في الضغط عليه أو التحرك ضده عسكريًّا.

يقارن «لانديس» عائلة الأسد بعائلة «صدام حسين»، كلتاهما برأيه تنتميان إلى أقلية حكمت البلاد لفترة طويلة. إلا أن عائلة «الأسد» وظيفية إلى حد ما، لم يقتل أعضاؤها بعضهم البعض وكانوا يراعون بعضهم البعض. حتى «رفعت الأسد» الذي كان يحاول الانقلاب على أخيه «حافظ الأسد» حينما أصيب بنوبة قلبية في عام 1984، حظي بعد ذلك بثلاث فرص دخل فيها البلاد وخرج منها بعد ذلك محملًا بمليارات الدولارات. لكن أيًا من أفراد العائلة لم يقتل فردًا آخر منها. حتى «آصف شوكت» ذو السلوك المثير للجدل في العائلة، ما أن تزوج «بشرى الأسد» تمّ تعيينه على رأس أحد أجهزة الاستخبارات. هناك نموذج مافيوي، لكن العائلة كانت تنتمي إلى الطبقة العلوية المتوسطة، وقد خرجت من مكانة مجتمعية جيدة حسب «لانديس». في المقابل، كان «صدام حسين» يتيمًا، رعاه عمه الذي كان مجرمًا، ثم تحول إلى مجرم وقتل كثيرًا من أفراد عائلته ولم يحافظ على عائلته ويوجد توافقًا بينها مثل «الأسد»، على حد وصفه. ويتابع بأن استبداد النظام في سوريا كان أقل من استبداد النظام العراقي، وقد انهار النظام الآن وهو يتحول إلى العراق. لكن العائلة ما زالت متماسكة لأنها لم تكن عائلة مختلة وظيفيًّا، فهي تستمع لمن حولها، على خلاف عائلة «صدام حسين» التي سرعان ما تفككت.

اقرأ أيضًا: كيف أثرت النساء في حياة الرئيس السوري بشار الأسد

الصورة السطحية عن «بشار الأسد» في الغرب عند توليه الحكم

تتساءل مدير الندوة «إيمي ديفيدسون»: هل كانت فكرة طبيب العيون الشاب الإصلاحي وزوجته البريطانية المولد وهمًا نحن اختلقناه؟ وهل شاركنا فيه سوريون؟ يرى «تابلر» أن من المؤكد أن شريحة من السوريين كانت مقتنعة بذلك، وقد كان هذا الاعتقاد أسهل في السابق مع انتهاء عهد «حافظ الأسد» وأن الطريق الوحيد من القاع في تلك الفترة هو الصعود إلى الأعلى. وعد «بشار» بالكثير، وقد جرت بعض الإصلاحات مثل ربيع دمشق التي شهدها «تابلر» عيانًا ولمس قبولًا لها بين الناس، وقد أوجد عدم الاستقرار السياسي منذ الاستقلال رغبة في نفوس السوريين بإحداث نوع من الاستقرار، إلا أن ذلك لم يحدث.

تُذكّر «ديفيدسون» بأن «الأسد» كان يبلغ من العمر 34 عامًا لدى قدومه إلى السلطة. ويتابع «لانديس» بأنه كان ساذجًا إلى حد ما، وقد أخرج تقريبًا كل السجناء السياسيين الذين سجنهم والده لعقود مثل أعضاء في حركة الإخوان المسلمين وغيرهم. اعتقد «الأسد» أن بإمكانه أن يجري تحديثًا في الدولة ويرضي الجميع دون تغيير في السياسات العامة، لكن حقيقة السلطة ظلت كما هي، ربّما لم يظن «الأسد» أنه سيضطر إلى مواجهة حماة ثانية لكنه فهم ذلك في السنوات الخمس الماضية، والآن عليه أن ينتصر في الحرب وهذا ما فعله. ويُظهر الارتباك في الخطابات التي ألقاها سلوكًا صبيانيًّا ساذجًا لشخص يحاول أن يُنكر أنه سيفتح النار على الجميع، لكنه أدرك ببطء أن هذه هي النتيجة الحتمية.

وفي سياق الحديث عن سذاجة «الأسد»، يتحدث «تابلر» عن تجربة عمله  في السنوات الأولى لحكم «بشار» في إحدى المنظمات الخيرية لـ«أسماء الأسد» التي عملت في المناطق الريفية بالتعاون مع الأمم المتحدة ورسمت بعض خرائط الانفجار السكاني في بعض المناطق الريفية، بعد مجزرة حماة وبقاء السكان في منازلهم وارتفاع أعداد المواليد. المثير للدهشة حسب «تابلر» أن التوصيات التي كانت ترفعها المنظمة التي تديرها الزوجة السنيّة لبشار الأسد، لم تكن تقابل بإجراءات تعالج مشكلة ارتفاع المواليد في المناطق الريفية السنية، هؤلاء المواليد حسب «تابلر» كانوا وقود الحراك على الشارع ضد بشار الأسد في السنوات الأخيرة.

كان سقف التوقعات من «الأسد» مرتفعًا للغاية، أبلغ «ليش» الأسد في أول لقاء له بعد توليه الرئاسة بأن أول خطأ له هو إعلان إعجابه بموسيقى مغني الروك البريطاني «فيل روكر»، مما أثار استغراب الأسد. برّر «ليش» ذلك للأسد بأن هذا الإعلان عزّز الصورة التي بدأت ترتسم في الغرب عن طبيب العيون الذي جاء إلى السلطة بطريقة غير تقليدية ودرس في لندن ثمانية عشر شهرًا، والذي سيوقع اتفاق سلام مع إسرائيل والولايات المتحدة. إلا أن ما لم يفهمه البعض حسب «ليش» هو أن «الأسد» ابن الصراع العربي الإسرائيلي وابن الحرب الباردة وابن الاضطراب في لبنان، وأهم من كل ذلك هو ابن «حافظ الأسد»، وهذا أهم من كل الافتراضات في الصورة السابقة التي لم تكن متّسقة مع الواقع ومع حقيقة النظام السوري ممّا أدى إلى خيبة أمل كبيرة في الغرب.

1 2 3

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد