أكثر من عام على معركة مأرب التي بدأتها جماعة الحوثي للسيطرة على المحافظة الغنية بالنفط، وقلعة الحكومة الشرعية الأخيرة، هذه المعركة التي خسرت فيها الأطراف المختلفة مئات الأرواح وسقط فيها آلاف الجرحى، ما تزال مستمرة ومشتعلة، فهل اقتربت من نهايتها؟

حققت جماعة الحوثي المنظمة تقدمًا ملحوظًا وقويًا على جبهات مأرب، في الوقت الذي تستميت فيه ما تسمى قوات «الحكومة الشرعية» الموجودة في مأرب، والمنهكة والمفككة، للحفاظ على ما تبقى، وتحاول استعادة ما خسرته وسط نداءاتها جميع الأطراف اليمنية لمساعدتها في وقف زحف الحوثي، ومطالبات بدعم الجبهات التي يبدو أنها تضيق يومًا بعد يوم على قوات الحكومة الشرعية.

الوضع العسكري في مأرب

لعل الواضح من معارك مأرب أن الحوثي يتقدم بثبات وسط تخبط من قوات الشرعية وعدم تنسيق، وفي كثير من الأحيان يكتفون بصد الهجمات فقط دون محاولة شن هجمات معاكسة، إذ إن الحوثي يقوم بإشعال جبهات وإطفاء أخرى بكل أريحية، وكل ما تفعله قوات ما يسمى الشرعية هو الاكتفاء بردة الفعل لما يقوم به الحوثي، وطريقة الشرعية هذه في إدارة المعارك ساعدت الحوثي لوضع الخطط كما يريد، دون حساب لما يخطط الطرف الآخر.

الجدير بالذكر هنا أن الحكومة الشرعية ورئيسها عبد ربه هادي – المقيم في الرياض – متفرقة بشكل واضح، فمن ضمنها من هم في موالون للسعودية، وآخرون للإمارات، وآخرون لحزب الإصلاح، وهذا الأخير يسيطر بشكل واضح على ما تبقى من محافظة مأرب، وكلمته مسموعة في محافظة شبوة أيضًا، إلا أنه لا يسيطر عليها بشكل كامل، وهذا الصراع داخل الشرعية فصل طويل، ولكن بشكل مختصر فإن الطرف الموالي للسعودية والإمارات في الحكومة الشرعية يرفض دعم جبهات مأرب؛ لأنها تتبع لحزب الإصلاح الإخواني في نظرهم، وبالتأكيد سيكون موقف المجلس الانتقالي وقوات طارق صالح – والتي تسمى «المقاومة الوطنية اليمنية» – في نفس الاتجاه.

Embed from Getty Images

المعارك الدائرة في محافظة مأرب بين قوات الحوثي وقوات الحكومة الشرعية

بالطبع تحاول الحكومة الشرعية استعادة ما خسرته في المعارك الدائرة في مأرب، وقد حققت نجاحات عدة مرات في ذلك، ولكن حسب المتابعة لكل المعارك السابقة في المحافظة فإن حفاظ الشرعية على المناطق التي استعادتها لم يكن طويلًا، فسرعان ما تتمكن جماعة الحوثي من استعادتها والتقدم إلى مناطق أخرى، وهكذا.

خلال الشهر المنصرم شهدت مأرب معارك مستمرة تزامنت مع جمود في مناطق السيطرة، إذ لم يتمكن الحوثي من تحقيق تقدم يذكر، خلال المعارك غرب وجنوب المحافظة، لذلك لجأ لطريقة أخرى وهي توسعة الجبهات، وتوجه بعد ذلك إلى محافظة شبوة الواقعة جنوب مأرب، وحقق فيها تقدمًا سريعًا، وسيطر على مواقع جديدة.

تمكن الحوثي من السيطرة على مديريتي «عين شمال» و«بيحان» وأجزاء من مديرية «عسيلان» بمحافظة شبوة، وقطع الطريق الأسفلتي الرابط بين محافظتي شبوة ومأرب، ومنها انطلق على الفور وشن هجومًا على جنوب مأرب في مديرية حريب، وسيطر عليها، وتقدم بعد ذلك إلى مديرية الجوبة – خط الدفاع الأخير عن مدينة مأرب والمطلة عليها – وهددها بشكل فعلي، ولكن قوات الشرعية تمكنت من ترتيب صفوفها وامتصاص الصدمة، وأبطأت تقدم الحوثيين، ولكنها لم تفشله بعد؛ إذ ما يزال الحوثي يهاجم بقوة.

صورة من قرب لأرض المعركة

حسب مصادرنا على أرض المعركة فقد أكدت لنا أن جماعة الحوثي تدفع بتعزيزات ضخمة إلى جبهات مأرب الجنوبية، وأشارت أن عشرات العناصر مدججين بالسلاح الخفيف والمتوسط برفقة مدافع وراجمات صواريخ، قد جرى نقلهم خلال الأيام الماضية إلى جبهات مأرب، فيما يبدو أنها الضربة الأقوى التي يجهز لها الحوثي للسيطرة على المحافظة.

باختصار يمكن وصف ما يحدث في مأرب بأنها معركة «تكسير العظم»، فقوات الحوثي ترسل تعزيزاتها العسكرية إلى الجبهات، وقد تلقت خسائر كبيرة بسبب ضربات الطيران السعودي المكثفة، وشراسة عمليات الصد والدفاع من قبل قوات الشرعية، بالإضافة إلى قبائل المنطقة، وفي المقابل فإن الأخيرة تعرضت لخسائر بشرية كبيرة أيضًا.

Embed from Getty Images

صور معلقة على أحد الجدران في مدينة صنعاء لقتلى من جماعة الحوثي سقطوا في المعارك

تواصلنا مع أحد قيادي جماعة الحوثي وعرف عن نفسه أنه يُدعى «العزي»، وذلك للوقوف على حقيقة النوايا الحوثية من وراء معركة مأرب، وأكد لـ«ساسة بوست» أن «قيادة العمليات العسكرية العامة في جماعة أنصار الله طالبت من قيادة صنعاء وعمران وذمار إرسال ما لا يقل عن 300 عنصر لتعزيز جبهات مأرب».

وعن جوابه بخصوص صعوبة المعركة قال العزي: إن «المعركة صعبة بسبب الطيران السعودي فقط، وهو ما يحول بيننا وبين السيطرة على مأرب بسرعة، إذ إن قوات الشرعية لا تملك القوة القتالية والأسلحة التي نملكها، حيث تمكنا بفضل الخطط التي قمنا بوضعها من السيطرة على مناطق في شمال شبوة وتوجهنا بعدها إلى مديرية حريب بمأرب التي سقطت بسرعة بالكامل، والآن تدور المعارك على جبهات مديرية الجوبة، وعند سقوطها ستكون مدينة مأرب التالية».

خريطة تبين نسبة السيطرة في محافظة مأرب لغاية 3 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 ، اللون الأحمر يمثل مواقع سيطرة الحوثي والأخضر يمثل مناطق سيطرة الحكومة الشرعية (المصدر: حروب الشرق الأوسط)

يواصل العزي حديثه «إن قيادة أنصار الله مصرة على ضرورة السيطرة على مأرب لما لها من أهمية كبيرة خاصة في الحصول على النفط والغاز، إذ إن القيادة كثيرًا ما تنازلت عن أمور في سبيل الحصول على البترول من أطراف دولية ومحلية، وفي حال سيطرتنا على حقول النفط، سيكون موقفنا التفاوضي والسياسي أقوى بكثير».

وعلى الجانب الآخر وجه عدد من الشخصيات اليمنية الموالية للحكومة الشرعية، نداءات لإنقاذ مأرب من السقوط في يد جماعة الحوثي، وهذه النداءات وجهت لجميع الأطراف اليمنية في الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي وقوات طارق صالح، وكان النداء الأبرز والأوضح في كل ذلك ما قاله وزير الأوقاف في الحكومة الشرعية «محمد عيضة شبيبة»، إذ حذر من أن جماعة الحوثي حشدت أقوى كتائبها، وأهم أسلحتها، ورمت بكل ثقلها في مأرب، بينما ما يزال سلاح الشرعية الحديث ومعداته القوية بعيدة عن ضراوة المعركة وخارج الفعل والفاعلية بحسبه.

واعتبر شبيبة أن ما تفعله قوات الحكومة الشرعية والقوات الساحلية (قوات طارق صالح) المجلس الانتقالي، فعل «مشين ومخزي» بحسب تعبيره، ويبررون قعودهم بكلام معسول أو اتفاق مشبوه، وحذرهم من مصير مشابه إذا لم يساندوا المقاتلين على جبهات مأرب.

والفعل المشين الذي يقصده شبيه هنا هو التفرقة والتباعد بين جميع الأطراف، إذ تُرك مقاتلو مأرب وحيدين في مواجهة الحوثيين دون تقديم أي دعم عسكري لهم، وهذا ما ذكرناه سابقًا عن الخلافات بين الأطراف اليمنية التي تعتبر أن مأرب تابعة لحزب الإصلاح، إذ يريد شبيبة أن يجري وضع الخلافات جانبًا والوقوف صفًا واحدًا في مواجهة الحوثي.

حاولنا التواصل مع أحد قيادات الشرعية على الأرض للوصول إلى صورة أوضح للتطورات في مأرب من وجهة نظرهم، ولكن لم ننجح في ذلك، وتمكنا من الوصول إلى أحد النشطاء الإعلاميين الموجودين في مدينة مأرب، ورفض الكشف عن اسمه الحقيقي في التقرير لأسباب أمنية. يقول «عادل» (اسم مستعار) «لنكن صرحاء، الوضع على جبهات القتال صعب للغاية، وإذا لم تتحرك السعودية والحكومة الشرعية بشكل فعال لدعم جبهات مأرب، فقد ينهار المقاتلون في أي لحظة، إذ إن سلاحنا لا يقارن بما يملكه الحوثي».

يضيف عادل حسب روايته «استهدف الحوثي بعدة صواريخ المنازل السكنية في مدينة مأرب وتسبب بوقوع مجازر راح ضحيتها العشرات بين قتيل وجريح في صفوف المدنيين، بينهم نساء وأطفال، إذ إن الحوثي لا يهتم كثيرًا بأرواح الناس، وكل ما يهمه فعليًا هو تحقيق أهدافه، ويسعى من وراء ذلك إلى الضغط النفسي على المقاتلين».

Embed from Getty Images

أحد الجرحى جراء صواريخ الحوثي على مدينة مأرب

يد الإمارات تلعب مرة أخرى

يضيف عادل في حديثه لـ«ساسة بوست» «التقدم السريع الذي حققه الحوثي الشهر الماضي في شبوة ومن ثم الانتقال إلى مديرية حريب ومنها إلى الجوبة في مأرب، يضع علامات استفهام كبيرة عن العلاقة بين المجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات وبين جماعة الحوثي بحسبه، إذ تزامن دخول الحوثي إلى شبوة مع مطالبات من قبل المحافظ «محمد صالح بن عديو» بضرورة إخلاء الإمارات لمنشأة بلحاف النفطية».

وكان عديو قد طالب «الإمارات بوقف تحويل منشأة بلحاف إلى بؤرة للتمرد، وإعادتها كي تكون مصدر لتجميع الغاز وتصديره وإنقاذ العملة واقتصاد البلد»، ويشير حديث عديو إن الإمارات تستخدم المنشأة كبؤرة للتمرد ضده، وهذا ما يحاول إنهائه بإخراج الإمارات منها كي تصبح كامل المحافظة تابعة له ولسيطرة الحكومة الشرعية، وسط اتهامات من الانتقالي وأطراف أخرى لعديو بأنه يعمل على تسليم المحافظة لحزب الإصلاح.

وأشار عادل في حديثه لـ«ساسة بوست» في هذه النقطة أن «شبوة تعتبر تابعة للحكومة الشرعية بشكل كامل إلا منشأة بلحاف النفطية التي تحولت إلى قاعدة عسكرية إماراتية بالكامل، وقد حاول المجلس الانتقالي سابقًا السيطرة على شبوة، إلا أنه فشل في ذلك، وتمكنت قوات الحكومة الشرعية من استعادة كامل المناطق، وبقي أمامها المنشأة النفطية بلحاف فقط».

ويؤكد عادل أن «يد الامارات واضحة من خلال التوقيت الذي دخلت فيه قوات الحوثي إلى شبوة، وهناك تنسيق فعلي بين الجانبين فيما يخص المعارك ضد الحكومة الشرعية التي تعتبرها الإمارات امتدادًا لحزب الإصلاح».

محافظ محافظة شبوة «محمد صالح بن عديو» التابع للحكومة الشرعية، أشار في تغريدة سابقة له على صفحته على موقع «تويتر» إلى هذا التنسيق وإن بصورة غير مباشرة، حين قال «لم يعد خافيًا على أحد وجود تنسيق وتخادم بين المشاريع المتمردة على الدولة، وهذا التنسيق واضح للعيان، ونرصده بشكل أوضح في تحركات ميدانية في أطراف محافظة شبوة».

في الحقيقة هذا التنسيق بين الطرفين غير واضح من عدة نواحي، فكيف يجري الاتفاق بينهما؟ وأين يحصل ذلك؟ وهل هو تواصل مباشر أم عبر وسطاء؟ ولكن في رأي الكثير من المراقبين وتحديدًا من المنتمين للمنتمين لتيار الشرعية، فهناك تنسيق بينهما، باعتبار أن الحكومة الشرعية عدو مشترك لهما، وقد كان هذا التنسيق واضحًا جدًا في معركة البيضاء الأخيرة.

Embed from Getty Images

مقاتلون حوثيون في صنعاء أثناء حماية مظاهرة للتنديد بالسعودية

فقد عملت الإمارات عبر ذراعها المجلس الانتقالي الجنوبي على إفشال أقوى معركة قامت بها قوات الشرعية وقبائل يمنية للسيطرة على محافظة البيضاء في يوليو (تموز) الماضي، وتمكنت خلال 10 أيام فقط من السيطرة على 35% من مساحة المحافظة، ولكن المجلس الانتقالي منع وصول التعزيزات العسكرية إلى جبهات القتال، وهو ما أدى فعليًا لاستعادة الحوثي زمام الأمور واستعادة السيطرة على كامل المحافظة مرة أخرى.

في الخريطة تظهر مدينة مأرب (الدائرة الحمراء) والصراع القريب قد يكون عليها، ولكن عيون الحوثي ستكون على حقول النفط في الصحراء (الدائرة الخضراء)

والآن ما هي حظوظ الحكومة الشرعية في الحفاظ على ما تبقى من مأرب؟ خاصة أن المتبقي منها هي مناطق صحراوية، وفيها حقول النفط، وأهمها منشأة صافر، ومصفاة مأرب، في الحقيقة يصعب التكهن بهذا الأمر، خاصة أن الطيران السعودي يشارك بقوة في معارك الدفاع، ولكنه في ذات الوقت عامل تأخير ليس إلا، كما أن سيطرة الحوثي على مدينة مأرب إن تم، ليس هدفه الرئيس، بل هدفه حقول النفط التي ستشهد معارك عنيفة جدًا ستكون أم المعارك لاحقًا.

خاصة أن ما بعد مدينة مأرب هي منطقة صحراوية ومكشوفة بشكل كامل للطيران السعودي عكس المناطق الجبلية والوعرة؛ ما يجعل مهمة الحوثي صعبة، وستكلفه الكثير، والشهور القادمة ربما تكشف مدى قدرة الحوثي على التكيف مع الواقع الجديد، والمعارك، والجبهات المكشوفة.

المصادر

تحميل المزيد