لأن الصراعات بين البشر والحروب قديمة قدم الإنسان نفسه، كان لا بد لأحدهم أن يتوقف ويجد حلولًا لتسهيل الانتصارات في المعارك بدون الاعتماد فقط على انتقاء أفضل الجنود المقاتلين، وأبرع القادة المخططين، وأقوى الأسلحة. ولأن العقل الإنساني كان وما يزال هو المحرك الأساسي للحضارات، كان أيضًا المحرك الأساسي لتطوير نوع آخر من الصراعات؛ التي تعتمد في المقام الأول على المعرفة، حتى ولو بسرقتها أو إخفائها، أو تزييفها. وهذا ما يعرف اليوم بالجاسوسية أو التجسس.

وبالعودة إلى تاريخ الحضارات القديمة، نجد أن السجلات التاريخية تخبرنا بالكثير عن الجاسوسية والجواسيس، بل نجد أن بعض المصادر التاريخية تسميه فنًّا، وأخرى تسميه «حرب الأسرار»، ولكن برغم اختلاف التسميات، تظل الجاسوسية واحدة من أكثر الأنشطة البشرية ذكاء وحنكة، وبمثابة حرب بين العقول لإثبات التفوق العقلي أكثر من التفوق العسكري.

بلاد ما بين النهرين.. المعلومات تصنع قرارات الحرب

بالعودة إلى تاريخ منطقة ما بين النهرين، نجد أنه قد قامت مملكة «ماري»، وهي واحدة من الممالك البابلية في سوريا القديمة، التي نشأت على ضفاف الفرات في حوالي 1815 قبل الميلاد. تخبرنا بعض المصادر التاريخية عن نظام الحكم فيها، وما دار في أروقة القيادة بها؛ إذ كان للاستخبارات أو التجسس العسكري دور كبير في صنع قرارات الحرب، وحتى الهزائم والانتصارات.

Embed from Getty Images

ففي عام 1757 قبل الميلاد، كان زيمري ليم ملكًا على «ماري»، وكان قد استطاع استعادة حدودها وتأمينها بعد صراعات إقليمية وحدودية، من خلال الاستعانة بالجواسيس من سكان الممالك المجاورة؛ لنقل أخبار جيوش الممالك المجاورة وتحركاتها نحوه، واستطاع أيضًا تأمين بلاده عن طريق الجواسيس الذين كانت رسائلهم له تحدد توقيت الانسحاب، وتكتيك الهجوم على الأعداء.

لكن مملكة «ماري» سقطت على يد المحارب البابلي الشهير حمورابي في العام نفسه، 1757 قبل الميلاد؛ بعدما علم بخطط جواسيس زيمري ليم؛ فاستغل الجواسيس بالطريقة ذاتها للهجوم على المملكة والسيطرة عليها، بعد مكاتبات عديدة بينه وبين جواسيسه. كذلك استطاع قادة جيش حمورابي ابتكار فكرة الأسرار الزائفة وتسريبها إلى رجال زيمري ليم وتضليلهم، ومن ثم الانتصار على خططه، واحتلال المملكة.

وتجدر الإشارة إلى أن حمورابي لم يكن واحدًا من أبرع من استخدم التجسس والجاسوسية في التاريخ القديم، في بلاد ما بين النهرين قديمًا فحسب، بل كان أيضًا أول من أنشأ مكتبة لحفظ الوثائق السرية، ورسائل جواسيسه، وجواسيس الأعداء.

كما استعان رجال حمورابي بمجموعة من الكُتَّاب لتحليل «الإشاعات والدردشات» التي تستشري بين جنود ومحاربي جيوش الأعداء، والخروج بأكبر قدر من المعلومات الدقيقة عن حالة الجاهزية والاستعداد للحرب، أو استخلاص معلومات عن الحالة العامة لتدريب جيوش الخصوم.

من تجنيد الأجانب إلى الحبر السري والحمام الزاجل

بينما ترى بعض المصادر أن التجسس للأغراض العسكرية بدأ في حضارات بابل وسومر؛ فإن هناك الكثير من المصادر التاريخية أيضًا تذكر تطور هذا العلم، أو النشاط في مصر القديمة وازدهاره بشكل كبير.

فقد نسبت بعض المصادر التاريخية وجود ما يعرف بـ«مجلس الجواسيس»، والذي كان بمثابة الهيكل التنظيمي أو «جهاز الاستخبارات» في عصر الأسرات القديمة والمتوسطة، كما كان لنشاط التجسس دور كبير بجانب الدور العسكري؛ وهو تجارة العبيد، التي كانت مزدهرة في مصر القديمة.

فقد كان للجواسيس أدوار رئيسية في الذهاب إلى القرى التي تشتهر بتجارة العبيد، لمراقبة أي تمرد من قِبل التجار ومن ينوب عنهم، بخلاف العثور على البلاد الصغيرة البعيدة – عادة ما كانت تقع في الجنوب قرب إثيوبيا والصومال- عن حدود الممالك والتي تصلح لأسر عبيد جدد منهم، وجلبهم وبيعهم للسادة الأثرياء.

Embed from Getty Images

أما على صعيد الاستخبارات العسكرية، فقد كان هناك من بين مجلس الجواسيس العديد من الجواسيس الأجانب، الذين كانت مهامهم تنحصر في الوجود في بلاد منافسة – وإن لم تكن عدوًّا صريحًا- لمصر مثل اليونان، التي شهدت الحضارة الإغريقية، وكانت مهام الجواسيس الأجانب تتركز حول جمع ما يمكن جمعه من الأخبار والمعلومات حول نظم التجهيزات العسكرية، وتطور معدات الحرب، وحتى تقنيات المعمار الهندسي أحيانًا.

كما عرف كلٌّ من المصريين القدماء – واليونانيين والرومان  –  الأحبار الخفية أو ما يعرف حديثًا بالحبر السري، والذي استخدم لإخفاء كل أو بعض محتوى الرسائل المهمة بين الجواسيس، والذي يمكن إظهاره لاحقًا باستخدام الحرارة أو مركبات عضوية أخرى.

كما عرف الرومانيون استخدام الحمام الزاجل، وكانوا أول من استخدمه في المراسلات الحربية، وعالم التجسس. ففي القرن الميلادي الأول يخبرنا التاريخ عن قصة القائد الحربي الروماني أولوس هيرتيوس أحد أكبر قادة الإمبراطور يوليوس قيصر، والذي استخدم الحمام الزاجل في التراسل مع قائد آخر هو بروتوس.

فقد كان بروتوس حبيس أسوار مدينة موتينا الرومانية، ولا يمكنه المغادرة بأمر رسمي، ولكن كانت له حرية التنقل في أرجاء المدينة، فكان أولوس هيرتيوس يرسل إليه الحمام الزاجل المحمل بالرسائل بعد تجويعه وحبسه في الظلام، ومن ثم عند إطلاقه كان يتجه فورًا إلى موقع سري يخبئ فيه بروتوس الطعام المفضل للحمام الجائع، فيسهل عليه تسلم الرسائل، وإرسال الرد بالطريقة نفسها.

اليونان القديمة.. حصان طروادة أشهر عملية تجسس في العالم القديم

بما أن العالم القديم هو المحور الأساسي لنشأة هذا النشاط؛ فلا يمكننا أن نهمل الحضارة الإغريقية في بلاد اليونان القديمة، فمن اليونان القديمة بدأت باكورة النظم التشريعية، والقوانين المدنية، وحتى فكرة السلطة التنفيذية بدأت هناك، وبالطبع كان للتجسس دور كبير في محطات متعددة في تاريخ اليونان.

فقد بدأت اليونان القديمة بين أعوام 1500- 1200 قبل الميلاد  توظيف «خبراء» على درجات كبيرة من التعليم، وإجادة الكتابة والتحليل للعمل على وضع استراتيجيات تساعد أجهزة الأمن في تطبيق القانون والإيقاع بالمتلاعبين بالضرائب والمحتالين، كما كان للجيش اليوناني عدد كبير من مستشاريي الحرب الذين برعوا في استخدام الحيل العسكرية المدروسة، بناء على الأرقام وجغرافيا المعارك.

ولعل أكبر مثال من عالم الجاسوسية في الميثولوجيا اليونانية القديمة، هو قصة حصان طروادة، الذي يضرب به المثل حتى اليوم في فن الخداع العسكري، والقدرة على التسلل إلى خلف خطوط العدو؛ وهي قصة الفيلق الإسبرطي الذي حاصر مدينة طروادة مدة تسع سنوات؛ بغية دخول المدينة، وتحرير إحدى زوجات القادة الإسبرطيين المختطفة بالداخل.

وبعد أن فشل الحصار في اقتحام طروادة ابتكر الإسبرطيون بقيادة أخيليوس، وأوديسيوس، ونيستور، وأجاكس فكرة صنع حصان خشبي عملاق  وتعبئته بالجنود وتركه أمام بوابات طروادة بمثابة هدية استسلام، وبالفعل انخدع الطرواديون وفتحوا الأبواب بعد انسحاب باقي الإسبرطيين، وأدخلوا الحصان الذي سرعان ما انهمر من باطنه سيل الجُند الإسبرطيين، ومن ثم كان سقوط طروادة المدوي.

الصين القديمة.. صن تزو الأب الروحي لفن الحرب

بصفتها واحدة من الحضارات القديمة العريقة اقتصاديًّا وعسكريًّا، لم تهمل الصين جانب التجسس واستخدام الجواسيس في الحروب، ولعل أشهر ما انتقل إلى العالم من الصين وأقدمه فيما يخص عالم التجسس والخداع الاستراتيجي، كان كتاب «فن الحرب» الذي كتبه القائد الحربي الصيني صن تزو عام 500 قبل الميلاد، وكتب فيه فصلًا كاملًا بعنوان «توظيف الجواسيس»، والذي قال عنه الأمير فريدريك أمير الدنمارك في كتابه «ثاني أقدم مهنة في التاريخ: تاريخ التجسس في العالم» إنه عمل محوري، وركيزة أساسية في علم التجسس.

Embed from Getty Images

ومن خلال هذا الفصل تناول القائد الحربي صن تزو أهمية المعلومة سلاحًا في الحرب، وفي مواجهة آثار الحرب أيضًا، فقد وصف تزو المعلومات بأنها تمنع التخبط والتشوش، وأن المعلومة هي أرقى ما يمكن للإنسان أن يحصل عليه ويستخدمه لمصلحته، سواء في الحروب الخارجية أو في تنظيم الهياكل الداخلية للدول.

كما تناول تزو فيه أصول علم التجسس، وأن للحصول على المعلومات مبدأ مهمًّا، هو «التجزئة» أو التقسيم، وقصد بهذا تحديدًا كيفية إعداد الجاسوس من خلال تقسيم معرفته ونشاطه إلى أقسام مثل: من أين حصل على المعلومة، وما مصدرها المباشر؟ كيف يمكن الاستفادة من هذه المعلومة لاحقًا؟ وأين تحديدًا يمكن أن يوظفها المسؤولون؟

وأكد أيضًا ضرورة المعرفة الجزئية، أو ما يعرف بالمعرفة بقدر الحاجة؛ لأنه في حال وقوع الجاسوس في أيدي أعدائه، يكون لديه فقط جزء من الحقيقة الكاملة، وبهذا لا يتسبب في تداعيات أكبر وخسارة أكبر، وهو ما يعد الآن واحدًا من أكبر وأهم أساسيات وأسرار إعداد الجواسيس في العالم الحديث.

وبخلاف هذه المحطات التاريخية في عالم التجسس، بالطبع كانت هناك العديد الأسرار والتقنيات التي تتطور من زمن إلى آخر، ومن دولة إلى دولة، حتى شكَّلت العلم الحديث للجاسوسية اليوم، والذي انتقل بقفزة كبرى من ثورة عالم الاتصالات، وصار اليوم أكثر تعقيدًا مما كان عليه منذ آلاف السنين، وإن ظل التجسس نشاطًا أساسيًّا ومهمًّا يتمحور حول قوة المعلومة في كل بلاد العالم تقريبًا.

تكنولوجيا

منذ سنة واحدة
«احترس من فرشاة أسنانك».. هذه الأشياء لن تصدق أنها قد تتجسس عليك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد