تزداد مشاركة النساء في بناء مجتمعاتهن يومًا بعد يوم، وأصبحن يصلن إلى مناصب قيادية غير مسبوقة. لكنهن منذ فجر التاريخ يقمن بهذا الدور. في السطور التالية، نتناول أبرز السيدات اللاتي تربعن على عرش الحكم في حضارات العالم القديم، وما نعلمه عن فترة حكمهن.

1. حتشبسوت.. فرعونة مصر التي ارتدت زي الرجال لتستأثر بالعرش

تعد حتشبسوت واحدة من أشهر ملكات الحضارة الفرعونية القديمة. فقد حكمت مصر نحو 22 عامًا، وهي إحدى نساء قلائل حكمن أرض النيل. كانت حتشبسوت ابنة الفرعون تحتمس الأول، الذي بعد وفاته انتقل العرش إلى تحتمس الثاني، أخيها غير الشقيق وزوجها أيضًا. أنجبت حتشبسوت منه ابنة واحدة، تُدعى نفرور أو نفرتي، ولم ترزق بولد منه.

بعد وفاة تحتمس الثاني، حوالي عام 1479 ق.م، انتقل العرش إلى ابنه تحتمس الثالث، الذي أنجبه من زوجةٍ أخرى. وكان تحتمس الثالث حينها طفلًا لا يقدر على حكم مصر؛ ما سمح لحتشبسوت أن تكون بمثابة الوصيِّ عليه. وفعلت ذلك لبضع سنوات، ثم أصبحت فرعونًا بمُفردها، مع أنَّه كان من المُفترض أن تحكم معه بالمشاركة.

Embed from Getty Images

لكن حتشبسوت قُوبِلت بالمعارضة، وزُعِم أن آلهة مصر أصدروا مرسومًا، يقضي بأن دور الملك لا يمكن أن تقوم به امرأة. ولاكتساب الشرعية في أعين رعاياها، والتوصل لحل وسط مع حاشيتها؛ ادَّعت حتشبسوت أنها من نسل الآلهة، نتيجة اتحاد بين أمها والإله آمون؛ لذا فالإله آمون هو والدها، وقالت إنه كان يريد لها تولي عرش مصر.

ويظهر ذلك في أحد النقوش المزخرفة بالمجمَّع الجنائزيِّ الهائل، الذي أسسته حتشبسوت في الدير البحري بالأقصر، والذي يُصوِّر الأب وهو يتوج ابنته فرعونًا بحضور الآلهة المصرية.

كذلك، غيرت حتشبسوت اسمها، الذي يعني «أولى السيدات النبيلات»، إلى النسخة الذكورية حتشبسو. وتظهر في التماثيل في هيئة فرعون ذكر،  ترتدي ملابس رجالية، وتضع لحية زائفة. وبالفعل، استولت حتشبسوت على العرش، وحكمت مصر بين عامي 1473 و1458 ق.م.

ويقول المؤرخ المصري مانيتون، إن مصر عاشت في عهد الملكة حتشبسوت عصرًا من أزهى عصور الحضارة المصرية، ونعمت بالرقي والاستقرار والعلاقات الدولية الوطيدة. وكانت فترة حكمها هادئة وحافلة بالإنجازات. وكان إنجازها الرئيسي،  إعادة إنشاء طرق التجارة التي تعطلت خلال احتلال الهكسوس لمصر، خلال الفترة الانتقالية الثانية (1650- 1550 ق. م)، بين نهاية الدولة الوسطى وبداية الدولة الحديثة.

كذلك، أطلقت المئات من مشروعات البناء الضخمة، في جميع أنحاء صعيد مصر والوجه البحري. وكان من أهمها المعبد الجنائزي في الدير البحري بالأقصر، الذي يرى البعض أنه أكثر إنجازاتها المعمارية إثارة للإعجاب؛ فعندما اكتشف علماء الآثار المعبد في القرن 19، وجدوا مزارات مخصصة لحتحور إله السماء، وأنوبيس إله الموتى، بالإضافة إلى تمثال يُظهر حتشبسوت على أنها أبو الهول. فضلًا عن عديد من النقوش المطلية، التي تُصور الرحلة الاستكشافية إلى أرض بونت.

كانت حتشبسوت قد أطلقت رحلة بحرية ناجحة إلى أرض بونت، والمعروفة أيضًا باسم «أرض الله»، ويُعتقد أنها تقع في شمال شرق أفريقيا، في مكان ما في منطقة إريتريا وإثيوبيا وجنوب السودان. وقد جلبت التجارة مع أرض بونت الثروة والازدهار لمصر. كذلك، بنت في بلاد النوبة آثارًا في عدد من المواقع، مثل «قصر إبريم». وفي مجمَّع معبد الكرنك، شيَّدت سلسلة من المسلَّات، وبنت «قصر ماعت».

وفيما يتعلق بسياستها في العلاقات الخارجية، فقد حافظت في الغالب على علاقات دبلوماسية وسلمية، لكنها قادت أيضًا حملات عسكرية في النوبة وكنعان، وأرسلت فرق مداهمة إلى جبيل وسيناء.

وتوفيت في عام 1457 ق.م، ولكن رغم النجاح الواضح الذي حققته خلال فترة حكمها، ودفنها فرعونًا في مقابر وادي الملوك، فإن آثارها جرى تشويهها بعد وفاتها، والاستيلاء على تماثيلها وتحطيمها، وتشويه صورتها وألقابها. وتعتقد عالمة المصريات جويس تايلدسلي، أن تحتمس الثالث ربما يكون من أمر بفعل ذلك؛ انتقامًا من حتشبسوت التى اغتصبت عرشه قرابة 22 عامًا؛ ولإضافة بعض النجاحات التي حققتها خلال فترة حكمها إلى نفسه؛ ويصبح بذلك أعظم فرعون في مصر.

وفي عام 2007، اكتشف هوارد كارتر، عالم الآثار الإنجليزي، مومياوين لسيدتين في مقبرة مُرضِعة حتشبسوت، التي يُعتقد أنها نُقلت إليها. وقد تعرَّف زاهي حواس، عالم المصريات، إلى إحدى المومياوين بأنها مومياء حتشبسوت.

2. نفرتيتي.. رمز الجمال والقوة التي لم يُعرف كيف انتهت قصتها!

نفرتيتي هي واحدة من أكثر النساء غموضًا وقوة في مصر القديمة. كانت الملكة التي يعني اسمها «الجميلة قد أتت» زوجة الفرعون إخناتون منذ عام 1353 إلى 1336 ق.م، وربما حكمت المملكة الحديثة مباشرة بعد وفاة زوجها. وكان عهدها فترة اضطراب ثقافي هائل، وذلك بعد أن أعاد إخناتون توجيه البنية الدينية والسياسية في مصر حول عبادة إله الشمس آتون، بدلًا من الإله رع الذي كان يُعبد حينها.

لا يُعرف الكثير حول أصولها، غير أن بعض الأبحاث تشير إلى أنها ابنة أو قريبة الوزير والقائد العسكري آي، في حين تدل أبحاث أخرى على أنها ذات أصولٍ أجنبيةٍ وقدمت إلى مصر، ويُعتقد أنها من سوريا. ولم تكن نفرتيتي مجرد ملكة صامتة تحمل لقبًا فخريًّا، بل عملت على تعزيز صورتها ملكةً قويةً ذات نفوذ. وأظهرت نفسها في أدوار قوية، لم يقدر سوى الملوك على القيام بها؛ فكانت ترتدي تاج الفرعون، وتقاتل بجانب زوجها، الذي دعمها في ذلك، وأظهرها بصورة الملكة المشاركة في الحكم.

Embed from Getty Images

وتظهر نفرتيتي جنبًا إلى جنب مع زوجها إخناتون على جدران المقابر، والمعابد التي بُنيت في عهده، في صور لم تظهر بها أي ملكة مصرية أخرى؛ ففي كثير من الحالات تظهر في مواقع القوة والسلطة، وهي تقود عربة، أو تضرب العدو.

أنجبت نفرتيتى من إخناتون ست بنات، وبدأ بعدها زوجها في اتخاذ زوجات أخريات، بما في ذلك أخته، التي ولدت له وريث عرشه المستقبلي، الملك توت عنخ آمون. ولاحقًا، أصبحت ابنة نفرتيتي الثالثة عنخ سن باتن، زوجة أخيها غير الشقيق توت عنخ آمون وملكة البلاد مثل والدتها.

ومن أبرز الألغاز الغامضة التي تحوم حول نفرتيتي، أنه لا توجد تسجيلات دقيقة لتاريخ وفاتها أو مكان دفنها؛ إذ اختفى اسمها من السجلات التاريخية، في العام 12 من حكم إخناتون الذي دام 17 عامًا. ويعتقد بعض العلماء أن أخناتون تخلص منها بعد عدم قدرتها على إنجاب طفل له، بينما تشير أبحاث أخرى إلى أنها استمرت في الحكم بعد وفاة زوجها، بعد أن غيرت اسمها إلى سمنخ كا رع، وهو الاسم الذي يُقال إنه استمر في حكم مصر حتى بلوغ توت عنخ آمون، واستلامه الحكم.

وتشتهر نفرتيتي بتمثال نصفي من الحجر الرملي الملون، والذي اكتشفه فريق بقيادة عالم الآثار الألماني لودفيج بورشاردت في عام 1913، وأصبح بعدها رمزًا عالميًّا للجمال الأنثوي والقوة. وقد توصل فريق بورشاردت إلى اتفاق لتقسيم القطع الأثرية مع الحكومة المصرية، كان فيها تمثال نفرتيتي من نصيب الألمان، وجرى تسليمه إلى ممول الحملة، جاك سيمون، الذي عرضه على مدار 11 عامًا في مقر إقامته الخاص.

ولاحقًا، عُرض التمثال في برلين، وظل في أيدي الألمان طوال انتفاضات القرن 20. ويُروى أن هتلر كان يوقر تمثال الملكة، وقال عنه: «لن أتخلى أبدًا عن رأس الملكة». واليوم، يُعرض التمثال في متحف برلين الجديد، ويجذب أكثر من 500 ألف زائر سنويًّا.

3. سيدة تساو.. ملكة الموتشي التي عاشت الآلهة تحت جلدها!

في عام 2006، في منطقة واكا البروخو على الساحل الشمالي البيرو، عثر علماء الآثار على مومياء امرأة، سميت فيما بعد بـ«سيدة تساو». كانت سيدة تساو زعيمةً سياسية في حضارة الموتشي، وكانت فترة حكمها في القرن الرابع الميلادي.

والموتشي واحد من عدة مجتمعات، عاشت في البيرو قبل وقت طويل من ظهور إمبراطورية «الإنكا»، وبسط سيطرته على مساحة شاسعة من الساحل الصحراوي في بيرو خلال الفترة بين عامي 100 و700 م.

لا يُعرف الكثير عن الظروف الدقيقة لحياة هذه الحاكمة، ولكن من الواضح من رفاتها أنها مُنحت مكانة مساوية لمكانة الحكام الذكور. وقد أبطل اكتشاف رفاتها الاعتقاد السابق بأن مجتمع الموتشي القديم كان مجتمعًا أبويًّا، ولا يحكم فيه سوى الذكور. كذلك، عُثر على عدد من مومياوات نساء الموتشي المحنطات في قبور مع متعلقات، تُشير إلى تقلدهن مكانة سياسية ودينية رفيعة.

وقد عثر على رفاتها مدفونًا مع أسلحة ومصنوعات من النحاس والذهب، ويغطي جسدها عدد من الوشوم. لم يتعمد الموتشي تحنيط موتاهم، لكن المناخ الجاف ساعد في الحفاظ على رفات سيدة تساو ووشمها المعقد. وتضمنت الأوشام، وشومًا لثعابين، وسرطان البحر، والعناكب، التي تمثل الحيوانات المرتبطة بآلهة الموتشي. يقول المؤرخ ماريتزا فيلافيسينسيو: «لدى سيدة تساو وشم ثعابين على ذراعها، مما يدل على أنها قادرة على استدعاء المياه من الأنهار، وربما التنبؤ بالطقس».

ومع أنه لم يكن يُعتقد أن الأعضاء الأعلى منزلةً في مجتمع الموتشي كان يجري رسمهم بالوشم، فإنه يمكن الاستدلال من الوشوم الموجودة على جسد سيدة تساو على ذلك. وأيضًا على أن الوشم يمثل ويعزز ارتباط الفرد بالإله من خلال السحر. وقد ربطتها تلك الوشوم بعالم ما وراء الطبيعة، وربما زادت من قوتها المتصورة بين شعبها؛ فمن خلال الوشوم عاشت الآلهة حرفيًّا في جلدها.

كذلك، عُثر بالقرب من مقبرتها الجنائزية على مراهقة مختنقة، والتي من الممكن أن تكون قد جرى التضحية بها؛ لتكون قربانًا يرشد سيدة تساو في الحياة الأخرى. وتوفيت سيدة تساو في العشرينيات من عمرها، بسبب مضاعفات الولادة على الأرجح. وفي عام 2017، أُعِدت نسخة مقلدة من وجهها، صُممت باستخدام تقنية التصوير ثلاثية الأبعاد، وعلم الآثار الشرعي، واعتمدت على الهيكل العظمي لسيدة تساو، والبحث الإثنوجرافي. وتُعرض هذه النسخة الآن في متحف البروخو.

4. بلقيس.. ملكة سبأ التي خلدتها الكتب السماوية

ملكة سبأ واحدة من أكثر النساء نفوذًا وغموضًا في العالم القديم، خلدت سيرتها الكتب السماوية في الديانات الإبراهيمية الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والإسلام. وتظهر أيضًا في بعض الرسوم التركية والفارسية، وفي الأطروحات الكابالية، وفي الأعمال الصوفية المسيحية في العصور الوسطى؛ إذ كان يُنظر إليها على أنها تجسيد للحكمة الإلهية، ومتنبئ بعبادة الصليب المقدس.

كذلك، ذُكرت في كتاب التاريخ الإثيوبي الشهير «كيبرا نيجاست (Kebra Negast)»، الذي كُتب في القرن 14، ويعني اسمه (مجد الملوك)، ويُعد جزءًا مهمًّا من الأدب والثقافة في إثيوبيا، وملحمة وطنية. ومع هذا، لا توجد أدلة أثرية، أو نقوش، أو تماثيل، تدعم وجودها خارج هذه النصوص.

تختلف الروايات حول موقع مملكة سبأ القديمة، إلا أن بعض المصادر العربية حددت موقعها في جنوب الجزيرة العربية (اليمن حاليًا). وتُشير أيضًا إلى أن اسم ملكتها الشهيرة كان بلقيس. وقد ذُكرت قصتها للمرة الأولى في الكتاب المقدس؛ إذ رُوى عن سفر ملكة سبأ إلى القدس؛ لاختبار حكمة الملك سليمان، من خلال مطالبته بحل عدد من الألغاز.

وفي الرواية التوراتية عن عهد الملك سليمان، زارت ملكة سبأ بلاطه على رأس قافلة جمال، تحمل الذهب، والمجوهرات، والتوابل، فمنحها الملك سليمان كل ما شاءت، ثم عادت إلى وطنها هي وخدمها.

Embed from Getty Images

وفي القرآن الكريم، تظهر بلقيس في قصة الهدهد الشهيرة، الذي أخبر نبي الله سليمان عما رآه من قوم يسجدون للشمس، وتحكمهم امرأة أوتيت من كل شيء، ولها عرش عظيم. غير أن القرآن لم يُسمِّ هذه الملكة، التي ما تزال تُسرد قصتها في أفريقيا والجزيرة العربية حتى يومنا هذا منذ ما يقرب من 3000 عام.

ويعتقد الإثيوبيون أن ملكة سبأ تُسمى ماكيدا، وهي أم أمتهم، وأن إثيوبيا هي سبأ. ودعم المؤرخ اليهودي جوزيفوس، الذي عاش في القرن الأول الميلادي، هذا الاعتقاد في كتابه «آثار اليهود» الذي وصف سبأ بمدينة ملكية محاطة بأسوار في إثيوبيا، والتي أعاد الإمبراطور الفارسي قمبيز الثاني تسميتها باسم مِروي.

وفي الرواية الإثيوبية، أنجبت ملكة سبأ من الملك سليمان ابنًا اسمه مينيليك، الذي أصبح ملكًا وأسس سلالة سليمان الملكية في إثيوبيا، والتي حكمت حتى خلع هيلا سيلاسي الأول في عام 1974.

ورغم كل هذه الروايات عن الملكة الشهيرة، لم يعثر علماء الآثار على أي إشارة إليها لدى تنقيبهم في معبد أوام باليمن، الملقب بـ«محرم بلقيس». ويذكر المتحف البريطاني أنه لا يوجد دليل أثري على وجودها حتى الآن، ولكن ربما تكشف الملكة عن نفسها في قطعة أثرية، أو في جزء من أعضائها يمكننا إعادة بنائه بواسطة التكنولوجيا الحديثة في المستقبل القريب. وإلى ذلك الحين، تظل ملكة سبأ من أبرز ملكات العالم القديم التي خلدها التاريخ الديني والأدبي، وتظل قصتها نواة خصبة لسلسلة واسعة من الروايات والأساطير.

تاريخ وفلسفة

منذ شهر
آلهة الحب والحرب والحكمة.. 4 إناث قدستهن الحضارات القديمة

 

المصادر

تحميل المزيد