كثر التساؤل حول مفهوم ما يسمى بـ “الدولة الفلسطينية” والجدلية القائمة عليها، من خلال طرح خيارين لا ثالث لها، وهما حل كدولة واحدة، أو العيش مع الإسرائيليين معًا جنبًا إلى جنب في إطار دولتين.

وعلى مراحل مختلفة من الصراع العربي-الإسرائيلي، بقيت هذه الرؤية حاضرة في المشهد الفلسطيني حتى اللحظة، من دون حسم، فلا يزال الفلسطينيون يختلفون عند فكرها ونهجها، في المقابل “تنهش” إسرائيل كل ما هو فلسطيني!

حتى أن وثيقة إعلان الدولة الفلسطينية عام 1988، والتي نصّت على قبول حل الدولتين فوق تراب الوطن الواحد “دولة يهودية قائمة وأخرى فلسطينية ما زالت تنتظر”، جعلت الفلسطينيين يدخلون في متاهات أخرى، وسط ضبابية الرؤية.

قبل الدخول في تفصيل نقاط الخلاف في الخيارين المطروحين للقضية الفلسطينية، خاصة نظرة الفصائل الفلسطينية لذلك، وأبرز السيناريوهات المتوقعة في حال تم القبول بإحداها، نفرق بين مفهومي” حل الدولة”، و”حل الدولتين”.

أولا: حل الدولة الواحدة

 

وهو حل مقترح للصراع العربي-الإسرائيلي، وهو المقابل لمحاولات تتمحور حول حل الدولتين والذي يحظى بتأييد معظم الدول، حيث يدعو أنصار حل الدولة الواحدة إلى إنشاء دولة واحدة في إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة على أن يكون للسكان العرب واليهود مواطنة وحقوق متساوية في الكيان الموحد ثنائي القومية، وبينما يتبنى البعض هذا التوجه لأسباب أيدولوجية، فإن البعض الآخر يرى فيه الحل الوحيد الممكن نظرًا للأمر الواقع القائم على الأرض.

وبدأ الحديث عن حل الدولة الواحدة في بدايات القرن العشرين، وقبل النكبة الفلسطينيّة وقيام إسرائيل على حطام الشعب الفلسطينيّ، وقد طَرح هذا الحلَّ في تلك الفترة مفكّرون يهود، تحدّثوا عن إمكانيّاتٍ مختلفة: تبدأ بإقامة إطارٍ سياسيٍّ يحظى فيه اليهودُ بموقعٍ خاصّ، وتنتهي بدولةٍ يهوديّةٍ يحظى فيها العربُ الفلسطينيون بموقعٍ خاصّ، مرورًا بالشراكة والتقاسم التامّ المبنيّ على التساوي.

ثانيا: حل الدولتين

هو حل مقترح للصراع العربي الإسرائيلي، وهو المقابل لمحاولات تتمحور حول حل الدولة الواحدة والذي لا يحظى بتأييد معظم الدول، يقوم هذا الحل على أساس دولتين في فلسطين التاريخية تعيشان جنبًا إلى جنب، هما دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل، وهو ما تم إقراره في قرار مجلس الأمن 242 بعد حرب 1967 وسيطرة إسرائيل على باقي أراضي فلسطين التاريخية. اعتمد بعض الفلسطينيين هذه المبادئ في عام 1974 بالبرنامج المرحلي للمجلس الوطني الفلسطيني، والذي عارضته بعض الفصائل الفلسطينية وقتها، حيث شكلت ما يعرف بجبهة الرفض. أصبحت فيما بعد مرجعية المفاوضات في اتفاق أوسلو عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.

ويذكر أن “حل الدولتين” مر بمراحل عديدة أولها قرار التقسيم وآخرها رؤية الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش عام 2004 والذي يختلف عن قرار التقسيم في زيادة مساحة الدولة العبرية والسيطرة على أراض داخل الضفة الغربية، أي دولة إسرائيلية على 78% من أرض فلسطين بما في ذلك إمكانية إسرائيل الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية مع الأخذ في الاعتبار الزيادة السكانية المحتملة للمستوطنين.

حل مرحلي

لكن، كيف ينظر الفلسطينيون إلى هذه الحلول، فبالنسبة “لحل الدولة الواحدة”، تعد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وحركة فتح ضمن مشروعها “الدولة الديمقراطية العلمانية” في السبعينات من القرن الماضي، بالإضافة إلى مجموعات وأفراد آخرين، داعمة لهذا الخيار.

فيما وافقت حركة حماس على الحل المرحلي وقبول دولة على حدود عام 67 – حسب وثيقة الوفاق الوطني – دون القبول بالمستوطنات، وهذا فرق، وفرق آخر هو طبيعة العلاقة الثنائية التي ستحكم الطرفين في “حل الدولتين”، حيث هي علاقة تعايش وسلام واعتراف متبادل، أما العلاقة التي تحكم الدولة المرحلية – التي تقبل بها حماس – مع دولة الاحتلال فهي هدنة مؤقتة ودون اعتراف بشرعية الاحتلال، وفقًا لرؤية قيادة الحركة.

وثمة من يرى من السياسيين الفلسطينيين، مثل عصام شاور أن بعض قادة حركة حماس يخطئون حينما ينفون قبولهم للدولة ذات الحدود المؤقتة، لأن إقامة دولة على حدود عام 67 هو حلًا مرحليًا من وجهة نظر حماس وبالتالي تكون حدود الدولة مؤقتة لأن حدود فلسطين ليست حدود المناطق المحتلة عام 67، وعليه لابد للحركة من توضيح مفهومها للدولة ذات الحدود المؤقتة، كما قال.

جوهر الخلاف!

إلوود: يجب التوصل لحل الدولتين لمشاهدة الفديو اضغط هنا.

وتضمن حل الدولتين الفصل والتقسيمَ السيادي، وذلك بناءً على العقيدة القائلة بأنّ الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني على استعدادٍ للتخلي عن أحلام الهيمنة التامة والشاملة على كل الأرض المتنازع عليها، إلاّ أنّ هذه الأحلام لم تتحقق حتى اليوم، وهو ما أدى إلى تصاعد الحديث عن حل الدولة الواحدة من جديد.

والملاحظ أن الحديث عن “حل الدولة الواحدة”، أخذ يزداد من فترة لأخرى داخل الأوساط الفلسطينية محليًا وعربيًا وحتى دوليًا، لأسباب عدة أبرزها، انسداد أفق حل الدولتين للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وتقويض إسرائيل لإمكانية هذا الحلّ نتيجةً لاستمرار الاستيطان اليهودي في أراضي فلسطين المحتلة عام 1967.

وأبقت قوىً سياسيّة فلسطينيّة معينة على فكرة حل الدولة الواحدة لأنه يعالج إشكاليتيْن جذريتيْن في القضيّة الفلسطينيّة لا يمكن أن يعالجهما حلُّ الدولتين، وهما قضية اللاجئين، وقضية فلسطينيي الداخل.

على أرض الواقع، وبالتزامن مع استمرار سياسات المحتل التعسفية بحق سكان الضفة والقدس المحتلتين، فإن آفاق حل الدولتين للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني آخذة في التلاشي، فالمستوطناتُ اليهوديّة في أراضي الدولة الفلسطينيّة العتيدة، والمناطقُ الآمنةُ التي تريد أن تنتزعها إسرائيلُ، مثل غور الأردن، تجعل الدولة الفلسطينيّة مجرد برج من ورق، إلى جانب أن الهيمنة الإسرائيليّة لا يمكن أن تدوم إلى الأبد.

من سيفرض؟

وتلعب التحوّلاتُ الجاريةُ في المجتمع الفلسطينيّ أيضًا دورًا مهمًّا في تقويض إمكانيّات حلّ الدولتين، وتَطرح حلَّ الدولة الواحدة بقوةٍ على الساحة الفكريّة والثقافيّة. فصعودُ “حماس” في الساحة السياسيّة الفلسطينيّة في الأراضي المحتلّة عام 1967 وفي الشتات، والتحوّلاتُ الجارية لدى الفلسطينيين في داخل إسرائيل، تعْكس حالةً جديدةً تحدُّ من إمكانيّة إسرائيل فرضَ إرادتها على الأرض لفترة طويلة ولو أفلحتْ في فرض إرادتها على السلطة الوطنيّة ومنظّمة التحرير الفلسطينية.

وكما أن حل الدولة الواحدة الديموقراطية ينزع حالة الهيمنة والتراتب العنصري القسري القائم اليوم، ويمأسس المساواةَ والحرية قاعدة أخلاقية للوجود المشترك، وهو يحرر الأطراف، خصوصًا الطرف المهيمن، من استمرار الوقوع في مسؤوليّات أخلاقيّة وإنسانيّة هو في غنى عنها، وتتمثل في القتل العشوائي وانتهاك حرمات الإنسان الأساسية.

ويرى سياسيون: “إن حل الدولة الواحدة يقلع شوكةَ الإقصاء والهيمنة والتغييب، وهو حل أخلاقي يصعب الاعتراض عليه على المستويين النظري والفكري لأنه عصارة كل المثل العليا التي طرحها فلاسفة السياسة على مدار الزمن”.

أما في اطار حل الدولتين، يمكن وينبغي القول أن حق العودة للفلسطينيين سيكون للدولة الفلسطينية، ولكن إذا كانت دولة واحدة، فلا توجد أي إمكانية – لا مبدئية ولا عملية – لمنع وصول أبناء اللاجئين إلى هذه الدولة، التي ستكون جذابة جدًا للهجرة بسبب الفجوة الاقتصادية الهائلة بينها وبين جيرانها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد