يريدونها هرقلية، كلما مات هرقل، قام هرقل.

هكذا كانت صيحة الاعتراض التي تُنسَب إلى الصحابي عبد الرحمن بن أبي بكر، في وجه خطيب معاوية بن أبي سفيان الذي أرسله لدعوة أهل المدينة لمبايعة ابنه يزيد وليًا للعهد من بعده، في سابقة من التوريث العائلي كانت الأولى في تاريخ الإسلام، لتذهب تلك الصيحة أدراج الرياح، بالذهب تارة، وبالسيف تارة أخرى.

وللأندلس قصتها الخاصة مع التوريث، سواءً في منحناها الصاعد، أو في قمته، أو في هاويات الانحدار والتردي التي تقلبت فيها لقرونٍ أربعة، قبل السقوط المحتوم، وهي قصة فصولها بين المأساة والملهاة، أو كليهما. لكن قبل الدخول في صلب قصة الأندلس والتوريث، سنجيب عن سؤال جوهري:

هل كان الإسبان أفضل حالًا؟

من المفارقات التاريخية، أنه على مدار قرون ثمانية من الوجود الإسلامي في شبه جزيرة أيبيريا التي تمثّلها الآن دولتا إسبانيا والبرتغال، وما امتلأت به صفحاتها من صراعٍ مفتوح بين الأندلس الإسلامية – بالوسط والجنوب- والممالك المسيحية بالشمال، كان التفوق الحضاري والمادي دائمًا للأندلس، وكذلك كانت الموارد الأغنى تحت هيمنتها.

على المستوى السياسي، ومن منظور قضية التوريث، لم يكن الشمال بأفضل حالًا من الجنوب، إذ كان الحُكم يورث، وشاعت الحروب الأهلية والفتن لتفرق الممالك الشمالية، فكان عددها يصل أحيانًا إلى أربع ممالك (ليون- قشتالة- نافار- أراجون)، تتنازع السيطرة والنفوذ والثروة. رغم ذلك؛ كان المنحنى العام لإسبانيا المسيحية يتجه شيئًا فشيئًا إلى الوحدة بين الممالك المسيحية الشمالية، خاصة مع نمو المشاعر الصليبية في القرون الوسطى، ضد العدو الإسلامي المشترك.

وهكذا زاد التوغل جنوبًا شيئًا فشيئًا، ودُفعت الأندلس رويدًا رويدًا إلى ساحل البحر المتوسط، حتى جاءت الضربة القاضية بسقوط غرناطة آخر المعاقل الأندلسية أواخر القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، عندما أطبق عليها تحالف الزوجيْن الكاثوليكييْن المتعصّبيْن، إيزابيلا ملكة قشتالة، وفرناندو ملك أراجون.

في المقابل، كان الاتجاه العام سياسيًّا وعسكريًّا بالأندلس، يسير من القوة والوحدة بالقرون الأولى – رغم مزالق الاستبداد والتوريث- إلى التفرق والضعف والانحلال، حتى فقدت الأندلس قدرتها الذاتية على الدفاع عن نفسها، واضطرت للاستنجاد بالدول المغربية (المرابطين فالموحدين فبني مرين) لحفظها من الفناء، فمنحها هذا بعض الوقت الإضافي، لكن ما لبثت هذه الدول المغربية أن وقعت فيما وقعت فيه الأندلس، ووصل القطار إلى محطته الأخيرة، والآن نعود إلى الأندلس والتوريث.

من «ضيق» القصور إلى «سعة» العبادة.. ملوك هجروا الكرسيّ من أجل سجادة صلاة!

ما بعد «الداخل».. التوريث يكاد يقتل التجربة في مهدها

قرطبة عام 172هـ، لحظة مهيبة في تاريخ الأندلس. المؤسس الفعلي للدولة الإسلامية بالأندلس، عبد الرحمن الأموي، الملقب بالداخل، يحتضر بعد 34 عامًا من بيعته أميرًا بقرطبة عام 138هـ، اختار الداخل لولاية عهده ابنه الأصغر من جاريته الأثيرة حَلَلْ :هشام. تتحدث بعض الروايات عن قصة أكثر دراماتيكية لخلافة الداخل، فتذكر أنه على فراش الموت أوصى بطانته باستدعاء ولديْه سليمان والي طليطلة، وهشام والي ماردة، إلى قرطبة، ومن يصل أولًا يكون الأمير، لأنه الأعلى همة؛ وقد وصل هشام أولًا.

تمثال عبد الرحمن الداخل في منطقة المنكَّب جنوبي الأندلس- ويكيبيديا

لحسن طالع الأندلس، كان هشام صنو أبيه في الكفاية والقدرة، واشتهر بالعدل، حتى شبهه بعضهم بعمر بن عبد العزيز. لكن كانت الأندلس على موعد مع فتنة كبيرة ستستمر لعاميْن، نتيجة خروج أخيه الأكبر سليمان الذي يرى نفسه أحق بوراثة الإمارة، لأنه الأكبر سنًا.

تحالف مع سليمان أخوه عبد الله ضد الأمير هشام، لتدور معركة شرسة بين جيوش الطرفين، تنتهي بانتصار كبير لهشام، الذي استمر في مطاردة سليمان، حتى استسلم الأخير عام 174هـ، ونُفِيَ إلى المغرب. كذلك أذعن عبد الله في العام نفسه. لم يأمن هشام جانب أسرته تمامًا، إذ ما لبث أن علم بنيِّة ابنه عبد الملك الخروج عليه، فألقى القبض عليه، وزجَّ به في السجن، ليظل حبيسًا لسنواتٍ.

بعد أربعة سنوات من حكمه، يتمكن هشام أخيرًا من إرسال أول حملة عسكرية ضد عدو الأندلس الفعلي في الشمال المسيحي عام 176هـ، واستمر في إرسال غزواته شمالًا في كل عام حتى توفي عام 180هـ. خلف الحكم بن هشام أباه في إمارة الأندلس، ولم يكن طالع الأندلس معه حسنًا كما كان مع أبيه. كان الحكم يمتلك شدة وقسوة جده الداخل، دون لين أبيه هشام وعدله، وكان يتصف بالبذخ الشديد في الإنفاق على المظاهر، مما أوغر صدور الفقهاء وعامة الناس عليه، لما لمسوه من فارق مقارنةً بعهد أبيه.

تحرَّك عما الحكم، سليمان وعبد الله للثورة ضده كما ثارا ضد أبيه، واتصلا بملك الفرنجة – فرنسا- لمؤازرتهما. هزمت جيوش المتمردين عدة مرات، حتى أُسر سليمان عام 184هـ، فأعدمه الحكم، مع كبار قادته. واستجدى عمه عبد الله الأمانَ حتى ناله ليتجنّب مصير أخيه. وفي أثناء تلك الفتن، نجح الفرنجة في حصار برشلونة، والاستيلاء عليها عام 185هـ، فكانت أولى قواعد الجزيرة التي تنتزع من الحكم الإسلامي.

عبد الرحمن بن معاوية.. «صقر قريش» الذي أحيا دولة الأمويين بعد موتها

في عام 189هـ حاول كبار الفقهاء تنظيم انقلاب ضد الحَكَم بالتعاون مع بعض قرابته، لكن لم يلبث البعض أن خان الاتفاق، ووشى بالمؤتمرين، فألقى الحكم القبض عليهم، وأعدم منهم أكثر من 70 شخصًا، منهم بعض أعمامه، مما أثار حنق عامة الناس، لتتبلور ثورة في قرطبة عام 190هـ قمعها الحكم بغلظة، فزادت النار اشتعالًا تحت الرماد.

استمرت الثورات هنا وهناك خاصة في طليطلة، واستمر الحكم في سياسة العصا الغليظة. وكانت الدويلات المسيحية في شمال الأندلس تستغل تلك الاضطرابات في الغزو جنوبًا، ويحاول الحكم من حين لآخر إرسال جيوشه لصدها، وللإغارة المضادة شمالًا. ولتغطية نفقات الحروب الداخلية والخارجية، ونفقات الترف والبذخ بالطبع، لجأ الحكم لفرض مزيدٍ من الضرائب على الناس، مما زاد نفوسهم ضرامًا.

وفي عام 202هـ، تندلع في ضواحي قرطبة – الأرباض –واحدة من أكبر الثورات في تاريخ الأندلس هي »ثورة الربض«، والتي اكتسب الحكم بسببها لقب الحكم الربضي. كان الكثير من سكان الأرباض من المولِّدِين، والذين ترجع أصولهم لسكان الأندلس الأصليين عند الفتح، أو من ذرية تزاوج الفاتحين العرب مع هؤلاء، وكانوا ناقمين في العموم لاستئثار العرب بأغلب المكاسب السياسية والاقتصادية في الأندلس. وكان بينهم الكثير من الحرفيين، الذين يمكن تشبيههم مع الفارق بسكان المناطق الشعبية بالقاهرة في زمننا.

كانت الشرارة عندما قتل أحد جنود الحكم حدَّادًا من الربض كان يصقل له سيفه، فثار أهل الربض، وقتلوا ما طالته سيوفهم من الجنود، ثم كثر جمعهم، فانساحوا في شوارع قرطبة، حتى حاصروا قصر الحكم، ودفعتهم جنود الحكم بصعوبة من ساحته.

نجح الحكم في قمع الثورة بحيلة خسيسة، إذ التفَّ جنوده عبر النهر، وتسللوا إلى الربض، وأشعلوا النار في بيوته وفيها أطفال الثوار ونساؤهم، فاضطرب الثوار لما علموا بذلك، ونجح جيش الحكم في الانتصار عليهم، وأُعدم منهم أكثر من 300 شخص، صُلبوا أمام القصر لإرهاب الناس.

لم يكتفِ الحكم بهذا، بل أمر بإزالة الأرباض التي اندلعت منها الثورة من الوجود، وترحيل الآلاف من أهلها، فتفرقوا في أنحاء الأندلس والمغرب، ووصل بعضهم إلى الإسكندرية بمصر، واستوطن بعضهم جزيرة كريت قبالة ساحل اليونان بالبحر المتوسط. لكن رغم الانتصار الساحق استمرَّ الحكم متوجسًا من أهل قرطبة، وضاعف الحراسات على قصره، واستجلب الآلاف من العبيد الأوروبيين (الصقالبة) الذين لا يعرفون ولاءً إلا له.

توفي الحكم عام 206هـ، بعد صراعٍ مع المرض، وتولى بعده ابنه عبد الرحمن المعروف بالأوسط. وكان سيرته -لحسن الحظ- أفضل من سيرة أبيه .ونجت الأندلس إلى حين، من فخاخ التوريث، لكن بثمن باهظ.

من تاريخ الأندلس.. حين حارب المسلمون الفايكنج

من أيام «العروس» إلى الفتنة الأندلسية الكبرى

شهد القرن الرابع الهجري ذروة مجد الدولة الأموية الأندلسية، حضاريًّا وعلميًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، في عهديْ عبد الرحمن الناصر 300-350 هـ ثم ابنه الحكم المستنصر 350-366 هـ، الذي كانت تسمى أيامه بـ«العروس» لكثرة خيرها. لكن ليس بعد الذروة إلا السقوط، خاصة إذا كان التوريث بالمرصاد.

كان الحكم كهلًا، لم يُرزق بابنه هشام إلا وهو في سن الخمسين، ورغم ذلك فقد أخذ البيعة للطفل الصغير وليًّا لعهده، الذي تلقب بالمؤيد بالله. مات الحكم المستنصر عام 366هـ، وترك ولي عهده هشامًا الصبّي الصغير في حضانة أمه الجارية، نهبًا لأطماع كبار قادة وأحزاب الدولة الظامئين للسلطة، منذ اليوم الأول والذي كاد ينتزع فيه عمه المغيرة السلطة بالتآمر مع فتيان القصر الصقالبة، لكن أجهض خصومهم المحاولة. بعد فصول من الصراع، نجح القائد الطموح محمد بن أبي عامر، في إقصاء الصقالبة أولًا، ثم الحاجب المصحفي، ثم قائد الجيش غالب الناصري، ثم الخليفة وأمه، وذلك بعد أن انتزع ابن أبي عامر صلاحيات الحكم الفعلية منه، وتلقَّب بالحاجب المنصور، وأبقاه خليفةً اسميًّا، وعزله في قصره لا يخرج منه إلا منتقبًا، في سابقة خطيرة لم تحدث من قبل على مدار قرنين ونصف من عمر الدولة الأموية الأندلسية.

تمثال نصفي للملك المنصور محمد بن أبي عامر حاكم الأندلس والمغرب أواخر القرن الرابع الهجري، وصاحب الغزوات السنوية الشهيرة ضد إسبانيا المسيحية- ويكيبيديا

استغلّ الإسبان الاضطراب، فهاجموا أطراف الدولة ثم أعماقها. نهض ابن أبي عامر بجيش العاصمة، ورد الإسبان على أعقابهم، فحمله الناس على الأعناق وتناسوْا استبدادَه. كذلك أنشأ عاصمةً إدارية لحكومته هي الزاهرة، وعلى مدار ربع قرن، كانت خيوط الأندلس كلها في قبضة المنصور بن أبي عامر، وأمَّنت إنجازاته السياسية والاقتصادية، وكذلك العسكرية في غزواته المتعاقبة التي أخضعت إسبانيا المسيحية، رضا غالبية أهل الأندلس، وتغاضيهم عن استبداده بصلاحيات الحكم دون الخليفة الأموي. عندما توفي المنصور عام 392هـ، لم يجد ابنه عبد الملك صعوبةً في أن يرث مقام أبيه وصلاحياته، وكان غير بعيد عنه في الصفات والقدرات. لكن بوفاة عبد الملك بن المنصور المفاجئة عام 399 هـ، وتولي أخيه عبد الرحمن الملقب بـشانجول -لأنه كان يشبه جده الملك الإسباني سانشو، والذي تزوَّجت ابنته من المنصور- بدأ العد التنازلي لانقلاب جذري في تاريخ الأندلس.

https://www.sasapost.com/hesham_andalus_caliph_killed_twice/

كان عبد الرحمن شابًا متهورًا، يفتقر كثيرًا إلى كفاية أبيه وأخيه، ولا يمتلك من عُدَّة الحكم سوى الطمع فيه، حتى إن الكثير من المؤرخين يرجحون أنه قتل أخاه عبد الملك بالسم ليرث مكانه. إذ لم تمر أسابيع قليلة على تولي عبد الرحمن الحجابة، حتى أحدث سابقةً لم يجرؤ عليها المنصور نفسه، إذ ألزم هشام المؤيد بالله أن يعلن أنه بإرادته الكاملة قد جعل عبد الرحمن وليًا لعهده في منصب الخلافة ذاته. أغضب طمع عبد الرحمن الغالبية العظمى من الأندلسيين، سواءً في ذلك النُّخب أو العامة، خاصة مع سوء تدبيره، وانهماكه في اللهو والشراب، فلم تكدْ تمر ثلاثة أشهر من حكم شانجول، إلا وقد أصبحت قرطبة حاضرة الخلاف على مرمى حجر من الثورة.

تمثال الحكم المستنصر خليفة الأندلس 350- 366هـ- المصدر

حاول عبد الرحمن الهروب للأمام، والتشبه بأبيه وأخيه، فأعلن الخروج لغزو الممالك الإسبانية الشمالية. لم يكد جيش عبد الرحمن يعبر الحدود، حتى ثار أحد أمراء البيت الأموي، واسمه محمد بن هشام في قرطبة، والذي لقَّب نفسه بالمهدي، وانضم له قطاعات عريضة من أهل قرطبة. في ساعات قليلة، استولى الثائرون على الأماكن الحيوية بقرطبة وجوارها، وقتلوا والي المدينة، ثم اقتحموا مدينة الزاهرة التي أسَّسها المنصور، ولم يتركوها إلا قاعًا صفصفًا، ليس فيها حجر على حجر، وهي التي حُكمت منها الجزيرة كلها زهاء 35 عامًا.

لم تستقر الأمور بعد تلك الثورة، وانهارت السلطة المركزية، واحترقت الأندلس في أتون صراعاتٍ انفجرتْ فيها كل تناقضاتها العرقية والقبلية والسياسية والمناطقية. فبدأ عصر فتنة الأندلس الكبرى، بعد قرنين ونصف كان الأعم الغالب فيها انتظام لآليء الأندلس في عقدها الفريد. وهكذا ودَّعت الأندلس القرن الرابع الهجري في قمة منحناها الحضاري، لتجد نفسها بعد ربع القرن الخامس، وقد تمزّقَ الزمان والمكان فيها إلى الأشلاء التي تعرف بعصر ملوك الطوائف.

طليطلة.. القادر يسلمها لألفونسو على طبقٍ من ذهب

يا أهلَ أندلسٍ حُثُّوا مطِيَّكُمُ ـــــ فما المُقامُ بها إلا من الغَلَطِ

الثوبُ ينسلُ من أطرافه وأرى ـــــ ثوبَ الجزيرة منسولًا من الوسطِ

*ابن العسال الأندلسي بعد سقوط طليطلة في يد الإسبان.

لطالما كانت مدينة طليطلة الحصينة، تحتل من الأندلس موضع القلب حقًّا ومجازًا. كان العاصمة القديمة للقوط في الأندلس قبل الإسلام، هي محور الارتكاز في خطة بقاء الأندلس، فهي رافعة وعمود الثغر الأوسط، الذي كانت تتناثر حصونه في منتصف الجبهة المحتدمة قرونًا بين الشمال والجنوب. لقرونٍ ثلاثة، كانت طليطلة طالعة آمال إسبانيا المسيحية في حربها لاسترداد كامل الجزيرة من المسلمين.

في عصر ملوك الطوائف -القرن الخامس الهجري- كانت طليطلة من نصيب أسرة بربرية طموحة هم بنو ذي النون، وكان أبرزهم المأمون بن ذي النون والذي حكم طليطلة زهاء 33 عامًا قضاها في الحروب العبثية على النفوذ والسيطرة ضد ممالك الطوائف المجاورة، خاصة إشبيلية وقرطبة وسرقسطة، وما تخلل ذلك من الاستنصار أحيانًا بمملكة قشتالة المسيحية، ودفع الجزية مقابل الحصول على حمايتها، وتجنب نقمتها. واشتهر كذلك بقصوره الباذخة، وجلسات الطرب وسُكره في رياضها الغنَّاء.

موسى بن أبي غسان.. بطل غرناطة المجهول الذي فضّل الموت على الاستسلام

عام 458هـ، توفي فرناندو الأول، ملك قشتالة القوي الذي وحَّد كامل إسبانيا المسيحية تحت سيطرته، وأذلَّ ملوك الطوائف الأندلسيين، وانقسمت مملكته بين أبنائه المتحاربين. عندما هُزِم أحدهم، وهو ألفونسو، فرَّ إلى طليطلة محتميًا بالمأمون، والذي أكرم ضيافته، ودعمه بكل ما يستطيع، مقابل أن ينال رضاه وسلامه إذا تغيرت الأمور ووصل إلى عرش أبيه.

قُتِل سانشو أخو ألفونسو المتغلب على العرش، فعاد ألفونسو الطموح من طليطلة ليملأ العرش الفارغ؛ بعد أشهر لم يقضِها فقط في الاستمتاع بأجواء طليطلة، وكرم حكامها، إنما كان يدرسها شبرًا شبرًا، ويراقب نقاط ضعف حصونها ونقاط قوتها. توفي المأمون عام 467 هـ، وخلفه حفيده القادر، الذين كان ضعيفًا، منصرفًا للملذات، خاضعًا لقشتالة.

بعد سنواتٍ، ثار أهل طليطلة ضد القادر لعجزه، وخضوعه للإسبان. استنصر القادر بألفونسو، فدعمه حتى أخضع المدينة الثائرة، وحصل منه بالمقابل على المزيد من الضرائب التي أنهكت المدينة.

صورة بانورامية حديثة لمدينة طليطلة عاصمة الأندلس القديمة، وسط إسبانيا- ويكيبيديا

بدأ ألفونسو حشد قواته لبدء حرب شاملة ضد المسلمين، تبدأ بانتزاع طليطلة اللصيقة بمملكة قشتالة، وجعلها قاعدته للغزو جنوبًا. على مدار شهور استمرت قوات قشتالة في الإغارة على أرياف طليطلة وضواحيها من أجل إنهاكها أكثر، في المقابل لم يحركْ القادر ساكنًا للدفاع عن مدينته وشرفه. بعد حرب الاستنزاف، بدأ ألفونسو حصار طليطلة.

حاول أهل المدينة عبثًا الدفاع على مدار شهور، حتى نفدت أقوات المدينة، وتسلل الجوع واليأس حتى احتلّ النفوس، خصوصًا وقد تخلى ملوك الطوائف عن دعم المدينة خوفًا من ألفونسو. أخيرًا استسلمت المدينة لأقدارها، ووقّع القادر وأعيان المدينة وثيقة الاستسلام، التي حاولوا فيها الاحتفاظ بقدرٍ من حقوقهم المالية والتعبدية. أما القادر فقد اشترط مقابل استسلامه أن يعينه ألفونسو على غزو بلنسية ليصبح أميرًا لها بدل طليطلة، وقد كان!

الناصر.. والعقاب الأليم

وقائلة أراكَ تطيلُ فكرًا ــــ كأنك قد وقفْتَ على الحسابِ

فقلتُ لها أفكرُ في عقابٍ ـــــ غدا سببًا لموقعةِ العقابِ

فما في أرضِ أندلسٍ مُقام ـــــ وقد دخل البلا من كل بابِ!

*ابن الدباغ الإشبيلي بعد موقعة العقاب.

نحن الآن في عام 591هـ، في إشبيلية حاضرة الجنوب الأندلسي، وعاصمة حكومة الموحدين في الجزيرة. كان العنوان الرئيسي للأجواء هو الزهو والافتخار. لم تحظَ الأندلس منذ عشرات السنين بانتصارٍ مدوٍّ كالذي حدث في موقعة الأرك. نجحت الجيوش المغربية والأندلسية بقيادة خليفة دولة الموحدين، المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، في إيقاع هزيمة ساحقة بجيش مملكة قشتالة الإسبانية، أكبر الممالك المسيحية شمال الأندلس، والذي كان يقوده ملكها المتبجح ألفونسو الثامن الذي كان يهدد باجتياح كامل حواضر الأندلس الإسلامية، وإلقاء المسلمين في البحر.

نجا ألفونسو الثامن من الأسر والقتل بأعجوبة، بينما جابت رسل المنصور بالبشارات آفاق المملكة الموحّدية المترامية الأطراف من طرابلس الغرب شرقًا إلى ساحل المحيط الأطلسي غربًا، ومن الأندلس شمالًا إلى غرب أفريقيا جنوبًا.

في نشوة هذا الانتصار البارز، لم يتصورْ أشدُّ الأندلسيين تشاؤمًا أنه بعد 18 عامًا فقط، سيسدد ألفونسو الثامن المهزوم في الأرك، ضربة قاصمة للأندلس، ولإمبراطورية الموحدية، تُنسي ما قبلها من وقائع، وتشعل العد التنازلي المحموم لفناء الأندلس.

بعد وفاة المنصور عام 591هـ، خلفَه ابنه وولي عهده الناصر، وكان في السابعة عشرة من عمره. لم يكن الناصر بمثل كفاءة أبيه السياسية والعسكرية، وشُغل لأكثر من 10 سنواتٍ بالحرب مع خصومه من بني غانية للسيطرة على تونس وجوارها. منحت تلك السنوات الفرصة لألفونسو الثامن لالتقاط أنفاسه، ولملمة قواه، وتنظيم جيوشه، استعدادًا لموقعة جديدة ينتقم فيها من هزيمة الأرك. عام 607هـ تواترت الأخبار إلى الناصر بعودة ألفونسو لغزو الثغور الأندلسية، وإثخانه فيها سلبًا ونهبًا وتدميرًا، فقرر الناصر حشد جيوشه، والعبور للأندلس لنجدتها على عادة أبيه وأجداده.

لوحة زيتية لمعركة العقاب، نافاس دي تولوسا الفاصلة بين جيوش الإمبراطورية الموحدية الإسلامية، وجيوش إسبانيا المسيحية- ويكيبيديا

حشد الناصر جيوشًا جرارة من كافة أرجاء المغرب، لكن ظهرت مشاكل عديدة في التموين والتعبئة، نتيجة الفساد والتقصير. على الجهة الأخرى حشد ألفونسو الثامن كامل جيوش مملكته قشتالة، وانضم إليها الكثير من المتطوعين من باقي مناطق إسبانيا المسيحية وأوروبا، بمباركة بابا روما إنوسنت الثالث.

تحركت جيوش الناصر عام 608هـ من إشبيلية صوب أراضي قشتالة، واستولت على قلعة شلبطرَّة الحدودية الحصينة بعد حصار، مما أثار حفيظة الإسبان أكثر، فأرسلوا إلى كافة أنحاء أوروبا طلبًا للمزيد من الإمداد. في العام التالي تكاملت حشود الطرفين للحد الأقصى، وتقابل الجيشان في معركة فاصلة في منطقة جبلية بوسط الأندلس قرب حصن يسمى حصن العقاب، يوم 15 صفر 609هـ، ودارت الدائرة على الجيوش الإسلامية، وبلغت الخسائر عشرات الآلاف هم صفوة الجيوش المغربية والأندلسية، وينحو المؤرخون المسلمون في تفسير الهزيمة المروعة، باللائمة على الناصر، وسوء تدبيره في إدارة جيشه الضخم.

أدت هزيمة العقاب الساحقة إلى اختلال التوازن بين الأندلس الإسلامية وخصومها، ولم تمر 20 عامًا بعدها، إلا وحدث الانهيار الكبير للأندلس، فسقطت قواعدها الكبرى بطليوس وقرطبة وبلنسية وإشبيلية وغيرها تباعًا بين عامي 627هـ و647هـ. ولم يأتِ النصف الثاني من القرن السابع الهجري إلا وقد تقلص الوجود الإسلامي في الأندلس إلى دويلة غرناطة اليتيمة في أقصى الجنوب، والتي خاضت كفاحًا مريرًا أكثر من قرنيْن للصمود في وجه الفناء المحتوم. ولم تلبث الإمبراطورية الموحدية أن تفكَّكت، حتى انطوت صفحتها التاريخية عام 667هـ.

إشبيلية.. قصة مملكة أندلسية قوية بناها «بنو عباد» ثم ضيعوها

غرناطة.. عبث الشوط الإضافي الأخير

تحكم فى سكان أندلس العدا ـــــــــ فلهفًا على الإسلام ما بينهم لهْفا

أحاط بنا الأعداء من كل جانب ـــــــــ وما نام طرف فى حماها ولا أغفى

ثغور غدت مثل الثغور ضواحكا ـــــــــ أقام عليها الكفر يرشفها رشفا

*شاعر الأندلس ووزير غرناطة لسان الدين بن الخطيب

نحن الآن في مملكة غرناطة الإسلامية، حيث تحاول الأندلس التقاط أنفاسها الأخيرة تحت أمواج الفناء، وتنتزع أشلاء وجودها من مخالب العدم. نجح محمد بن يوسف بن الأحمر في تأسيس مملكة غرناطة على ما بقي من أراضي الأندلس الجنوبية، بعد السقوط الكبير في النصف الأول من القرن السابع، وتوارث حكمها ملوك بني الأحمر من عقبه.

ضُربَت الذلة على تلك المملكة، إلا بحبل من الله، وحبل من المغرب، حيث دولة بني مرين الفتية التي ورثت قلب إمبراطورية الموحدين، واستمرت قرنًا وأكثر في إرسال النجدات العسكرية إلى غرناطة لمنعها من السقوط، كذلك كانت تلتقط غرناطة أنفاسها كلما انغمست أكبر خصومها مملكة قشتالة المسيحية في حروبٍ داخلية بين أمرائها.

لوحة زيتية للملكين الإسبانييْن الكاثوليكييْن، فرناندو ملك أراجون يسارًا، وإيزابيلا ملكة قشتالة يمينُا- ويكيبيديا

رغم الخطر المحدق من كل جانب، لم يخل بلاط غرناطة من الدسائس، والصراعات على الملك والنفوذ، والتي كانت تزيد المملكة وهنًا على وهن. وزاد الطين بلة، بانهيار دولة بني مرين في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، وعجزها عن تقديم الدعم لغرناطة، فأخذت إسبانيا المسيحية تقضم منها قطعة بعد قطعة حتى اقتربت من صميم قلبها أواخر القرن التاسع الهجري.

عام 868هـ، تولى الحكم السلطان أبو الحسن بعد وفاة أبيه، لكنه دخل في حرب مريرة مع أخيه الملقب بالزَّغل، استنصر فيها الأخير بملك قشتالة، وانقسمت الدويلة الصغيرة بين الاثنين، في حين كان جناحا إسبانيا المسيحية مملكتا أرجون وقشتالة يتحدان بزواج ملكيْهما فرناندو وإيزابيلا الكاثوليكيين المتعصبين، والطامحين للقضاء على ما بقي من الإسلام في الأندلس.

كان لأبي الحسن جارية أثيرة أنجب منها طفلين، واستغلت حظوتها لديه في تأليبه على زوجته الأولى عائشة وولي عهده أبي عبد الله حتى كاد يفتك بهما، قبل أن يفرا من القصر، ويؤلبا ضده الشعب وبعض الأمراء، فتندلع ثورة في غرناطة عام 887هـ، يستولي بها أبو عبد الله على الحكم، ويفر أبوه منها.

في تلك الأثناء كانت جيوش قشتالة تنتزع بعض قلاع ومدن المملكة استغلالًا للاضطراب، وأُسر أبو عبد الله نفسه في إحدى المعارك، فاختار الأمراء عمه الزَّغل مكانه. أطلق ملك قشتالة سراح أبي عبد الله بعد أن أخذوا عليه عهود الولاء والطاعة، ليعود الأخير ويصطدم بعمه الزغل من أجل الحكم، لتسقط المملكة في مزيد من الفوضى، وينجح أبو عبد الله في العودة للحكم، بينما يتحصَّن عمه في مدينة وادي آش.

انتزع القشتاليون مدينة مالقة أهم قواعد مملكة غرناطة عام 892هـ، ثم ألمرية وبسطة عام 895هـ، ثم وادي آش، واستسلم الزغل. وهكذا لم يبقَ سوى غرناطة نفسها التي حاول أبو عبد الله عبثًا الدفاع عنها على مدار العامين التاليين حتى سقطت عام 897هـ، 1492م.

عائشة الحرة.. بطلة «سقوط غرناطة» في التاريخ العربي والأساطير الإسبانية

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد