الجميل يبعث في النفس الشعور بالحب والجاذبية واللذة والسرور، والقبيح يبعث الشعور بالكراهية والنفور، ولكن نرى جمال الطبيعة الرائع، والجبال الشامخة، وشروق الشمس وغروبها فنطلق عليها اسم «الجميل»، وهي مع ذلك تُحدث في النفوس حزنًا عند التأمل فيها، وتبعث نوع من الكآبة [أو الوجد] يصح لنا أن نسميه ألمًا لذيذًا.

إنها مقولة في فلسفة الجمال نقتبسها عن أحمد أمين والذي ترجمها بدوره عن أ. س. رابوبرت. لعل هذا الإحساس بالجمال، هذا الألم اللذيذ هو الكآبة الحُلوة التي تخدش بعمق وبنشوة أرواحنا كلما وقفنا على معالم تاريخية من الحقب الماضية. فالإحساس بالجمال حزن أجمل من أن يتم وصفه وألم ألذ من أن يتم تعريفه ووجد أحلى من أن تفهم ماهيته.

الوقوف على خصائص اكتشاف أثري حديث. تتجاوزُ فيه مرحلة التأمل الحسي السطحية من إدراك للألوان والأشكال، لِتتلذّذَ بمرحلة من الإدراك الفكري والعقلي لدقائق أو لساعات، وفي هذا التقرير نستعرض مجموعة من الاكتشافات الأثرية الأندلسية التي عرفتها اسبانيا في الحقبة المعاصرة، من بينها أحياء أثرية كاملة، ومقابر إسلامية، ومساجد ومرافق عمومية طُمرت تحت التراب لقرون.

1- «موقع سان إستيبان الأثري».. حي أندلسي من القرنين 12 و13

مصدر الصورة: ويكيبيديا

الصورة لحي أندلسي إسلامي العمارة والهوية اكتُشِف سنة 2009 بمرسية. يضم آثارًا لسبعة قصور أو مساكن فخمة، و48 منزلًا، ومسجد، ومقبرة، وباحات، وممرات ومراحيض وشبكة صرف صحي أُتلِفَت وأُهملت مع السيطرة القشتالية على المدينة.

اكتُشِف الحي سنة 2009 مع بدء عمليات حفر بالمنطقة لتشييد موقف تحت أرضي للسيارات فكانت المفاجأة وجاء الاكتشاف.

يُطلق على الحي الأندلسي المُكتشف حاليًا اسم «موقع سان إستيبان الأثري» أو «حي سان إستيبان الأندلسي» نسبة لحديقة سان استيبان التي انطمر تحتها هذا الاكتشاف لقرون طويلة.

يتواجد الحي في قلب مرسية وبالضبط في ضاحية أريكساكا نويبا بجوار «قصر سان إستيبان» مقر الحكومة الإقليمية الحالية لمرسية وتبلغ مساحة الموقع الأثري حوالي 10.143 متر مربع، ويوثق بامتياز للتطور المدني والمعماري الذي عرفه هذا الفضاء الحيوي لمدينة مرسية في الحقبة الإسلامية. كما يمنح تصورًا واضحًا عن عمارة الحي الإسلامي الأندلسي ما بين القرنين الثاني والثالث عشر الميلادي، مع حضور بعض العناصر القليلة المنتمية لأواخر القرن الحادي عشر.

ضمت منطقة أريكساكا لا نويبا، التي اكتُشِف بها الموقع الأثري، قديمًا مجموعة من المنازل الريفية أو المزارع التي خصصت للسكن، وللاستراحة، والاستجمام. وأُحيطت بحدائق شاسعة وبأراضٍ فلاحية وحقول استغلت بعناية لتعود على صاحبها بالمنفعة.

بالإضافة للمساكن الريفية، كان هناك قصور وحدائق مستقلة. هذا ما تؤكده المصادر التاريخية، وهي حقيقة عمرانية قديمة تغيرت وبقوة مع هذا الإكتشاف الأثري إذ يبدو أن المنطقة، استسلامًا للضغط الديمغرافي الذي خضعت له المدينة في أواخر القرن الثاني عشر، قد غيرت من طبيعتها السكنية؛ مما أدى إلى تعمير أكبر وإنشاء فضاءات سكنية، مراكز سياسية ومرافق عمومية إضافية.

وصف الموقع الأثري

يُعتبر المجمع مثالًا للحي الأندلسي، ونموذجًا مصغرًا للمدينة الإسلامية الأندلسية بشكل عام. يحتوي على نظام لإدارة مياه الصرف الصحي. فُقِدَت هذه الشبكة وأُتلِفَت مع السيطرة القشتالية للمدينة، ولم تَعُد المدينة لنظام الصرف الصحي التراتبي والمتسلسل إلا في القرن العشرين.

على الرغم من بساطة المواد المستعملة في البناء، تُعتبر الدور نموذجًا حيًّا للبيوتات الأندلسية. كسائر المنازل الأندلسية، تضم بيوت الحي المكتشف باحات مركزية وحدائق، كما تتمركز الإقامة الرئيسة الخاصة بالبيت على الجانب الشمالي، بينما يتصل المدخل بالشارع على الجهة المعاكسة لمنح خصوصية أكبر للفضاء الداخلي للمسكن.

هذا بالإضافة للقصور أو المساكن الفخمة. هي ليست قصورًا بالمعنى المتداول للكلمة إذا ما قُورِنَت بغيرها من القصور الأندلسية، وإنما يتعلق الأمر بمساكن ذات مساحات شاسعة، تعود على الأرجح لطبقة ميسورة أو لكبار مسؤولي القصر الإسلامي الذي شُيد على أنقاضه قصر سان إستيبان المجاور حاليًا للموقع الأثري.

يقع الفضاء الديني الخاص بالحي في الركن الشمال الغربي لمنطقة الحفر. ويضم مسجدًا صغيرًا يعود لأواخر القرن الثاني عشر؛ بالإضافة إلى باحات، ومراحيض، وآبار، ودهاليز، وممرات.

كشفت التساقطات المطرية التي عرفتها مدينة مرسية في السنوات الأخيرة عن عظام تعود لبقايا بشرية لمسلمين دفنوا في الحي الأندلسي المكتشف ما بين القرنين الثاني والثالث عشر الميلادي.

وقد صرَّح ألفونسو روبليس، أحد المشرفين على الحفريات، بأنه جرى العثور على بقايا عظمية ل_11 جثة، تعود 10 منها إلى مقبرة صغيرة متواجدة بجانب المسجد، بينما عُثِرَ على بقايا الشخص الحادي عشر في أرضية منزل مخصص للسكن. الشيء الذي يثير استغرابًا خاصة أن المجتمع الإسلامي اعتاد دفن موتاه بالمقابر؛ مما يرجح فرضية أن المساكن قد شُيِّدَت فوق مقبرة قديمة. 

مستقبل المجمع الأثري

تتطلع مدينة مرسية اليوم للحفاظ على المجمع الأثري، ولصيانة البقايا الأثرية عبر إنشاء فضاء مَتحفي مُتاح للزيارات العامة مما سيمنح المدينة أهمية ثقافية واسعة، ليس فقط على المستوى الأوروبي، وإنما أيضًا على المستوى العالمي.

في هذا الإطار جرى اقتراح عدة مشاريع معمارية تستهدف الحفاظ على الآثار المكتشفة، حماية الحي الأندلسي بتحويله لفضاء متحفي، تشجيع السياحة بمرسية والتعريف بماضي المدينة الإسلامي.

وفي ظل غياب أي تمويل لتجهيز المنطقة مَتحَفِيا بسبب الأزمة الإقتصادية التي يواجهها المجتمع الإسباني، تظل هذه المشاريع مجرد حبر على ورق. توقفت جميعها منذ زمن، وتعرض المكان للإهمال التام وللنسيان. كما توقفت الحفريات وإن لم يتم تقييم البقايا المكتشفة بشكل نهائي.

تقع مدينة مرسية في جنوب شرق إسبانيا، وتطل على البحر الأبيض المتوسط. هي عاصمة منطقة مرسية. ومن أهم شخصياتها في التاريخ الإسلامي: ابن عربي، وابن سيده، وأبو العباس المرسي (الذي استوطن فيما بعد مدينة الإسكندرية ودفن فيها، وبها مسجده الشهير)، وشرف الدين المرسي. خط الحكم الإسلامي بمرسية العريقة طريقه نحو النهاية مع تسلم ملك قشتالة «فرناندو الثالث» المدينة في 10 شوال سنة 640 هـ 2 أبريل (نيسان) 1243م.

2- اكتشافات مسجد ألمرية

الصورة لمحراب مسجد جامع ألمرية. انطمر المحراب لقرون طويلة ولم يُعد اكتشافه إلا في الثلاثينات (من القرن العشرين) من طرف عالم الآثار الإسباني ليوبولدو توريس بلباس، إذ اختفى مع التحول المعماري الذي شهدته البناية على إثر تحويلها من مسجد إلى كنيسة بعد سقوط المدينة.

وفي سنة 1987 وأثناء القيام بأعمال صيانة وتجديد للمسجد، المتحول حاليًا لكنيسة، تحت إشراف المهندسين المعماريين فيرنانديث مارتينيث وباستور رودريغيث عُثر على سلسلة من اللوحات الجبسية المنقوشة على حائط القبلة فوق فجوة المحراب. وهي اكتشافات تمنح معلومات جديدة وتصورًا واضحًا لما كان عليه مسجد ألمرية في القرن العاشر.

مثير للانتباه فقر المحراب لعنصر الديكور وقلة الآثار التي تم الحفاظ عليها بالمسجد بشكل عام من زمن الأندلس، إلا أنها آثار غنية ومتنوعة. تُشكل شواهد معمارية هامة وتؤرخ لحقب زمنية مختلفة: 

– عصر الخلافة ( اللوحات التي سيتم دراستها في هذا الموضوع بالإضافة لتيجان بعض الأعمدة).

– عصر ملوك الطوائف (الآثار الجبسية ذات الزخرفة النباتية التي تم اكتشافها خلال الحفريات). 

– العصر الموحدي (أقواس فجوة المحراب).

أُنجزت عدة أبحاث ودراسات تتطرق لعمارة مسجد ألمرية من طرف كل من توريس بلباس وإوِرت باعتبار عمارة مسجد جامع ألمرية أحد المعالم الأندلسية الإسلامية الهامة بالرغم من الآثار الخجولة التي تم الحفاظ عليها من فترة الأندلس. تهتم هذه الدراسات بتحليل مختلف مراحل البناء التي مر بها الجامع وتسليط الضوء على التغيرات الزخرفية التي عرفها. 

صورة تاريخية لمحراب مسجد ألمرية

يُعتبر محراب مسجد ألمرية عنصرًا معماريًا أساسيًا للمسجد. يضم آثارًا موحدية. ومن أهم ما يميزه لوحاته الجبسية المكتشفة سنة 1987 والتي تعود لعصر الخلافة. وهي عبارة عن خمس لوحات، فقط ثلاث منها حافظت على طابعها الأندلسي، بينما غطَّت دعامات مسيحية التشييد البقية.

تماثل لوحات المحراب هندسيًا وفنيًا بعض الآثار الزخرفية لمسجد قرطبة. تندرج تقنياتها الزخرفية ضمن فن النحت السائد في عهد الخلافة. تعود جميعها للقرن العاشر. وتنتمي لعالم الخلافة التقليدي أي عالم مدينة الزهراء وحقبة العملية التوسعية التي عرفها جامع قرطبة. 

يؤكد العثور على هذه اللوحات الجبسية صحة الفرضية التي قدمها توريس بالباس حول تاريخ تشييد مسجد جامع ألمرية. جرى تشييد المسجد حسب المهندس المعماري وعالم الآثار الإسباني ليوبولدو توريس بلباس الذي تخصص في دراسة الآثار الإسلامية الأندلسية، حوالي سنة 965م أي مباشرة بعد إنهاء أعمال المسجد الجامع لقرطبة، وأمر الخليفة عبد الرحمن الناصر بتشييد المسجد، لكن تعود اللوحات المنحوتة المكتشفة زمنيًا لفترة حكم ابنه الحَكَم الثاني.

يستند العلماء في هذا التأريخ للشَبَه الحاصل بين اللوحات المكتشفة وبعض زخرفات المسجد الجامع لقرطبة، حيث كان أول ما أمر به الحكم الثاني «المستنصر بالله»( 915م – 976م) تاسع أمراء الدولة الأموية في الأندلس وثاني خلفاء الأندلس بعد أبيه عبد الرحمن الناصر لدين الله، هو توسعة المسجد الجامع لقرطبة، فأضاف إليه محرابًا ثالثًا ومقصورة خشبية. أنفق على عمارته 261 ألفًا و537 دينارًا. كما شيد قرب المسجد الجامع دارًا للصدقة، ودارًا أخرى لوعاظ وعمال المسجد. وأمر ببناء منبر تكلّف 35 ألف دينار و705.

مقارنة بين محراب مسجد ألمرية A ومحراب مسجد قرطبة B.

كذلك تضم اللوحات المكتشفة بعض الزخرفات الدقيقة والشبيهة إلى حد كبير بزخرفات بعض اللوحات الجبسية التي تم العثور عليها بمدينة الزهراء. وللإشارة، لقد شهد عهد الحَكَم أيضًا استكمال بناء مدينة الزهراء التي ابتدأ بناءها أبوه، وتولى الحَكَم بنفسه الإشراف على تشييدها في عهد والده، إلى أن تمت في عهده عام 365هـ. 

مقارنة بين زخرفات نخيلية لمحراب ألمرية A، وزخرفات بعض لوحات مدينة الزهراء B

لم يكن مسجد ألمرية مخصصًا للعبادة فقط وإنما نُظمت به أيضًا حلق العلم والتدريس. اهتم حكام ألمرية بالعمران في المدينة، فزاد خيران في بناء مسجد ألمرية عام 410هـ، وأضاف زهير توسعة أخرى للمسجد، كما ابتنى المعتصم عددًا من القصور في المدينة، وجلب لها الماء، وأوصله إلى الجامع.

اتسع المسجد قديمًا لحوالي 9 آلاف مصل، وكان المحراب رباعي الزوايا، ثم في عصر الموحدين جعلوه ثماني الأضلاع، وزين بمصابيح كبيرة متعددة الألوان جُلبت من مكة.

وكمسجد قرطبة، ضم مسجد ألمرية صحنا به شجيرات ليمون، كما توسطته نافورة استُخدِمَت للوضوء. سقطت ألمرية في يد الإسبان في 26 ديسمبر (كانون الأول) 1489. فتحول المسجد لكنيسة سميت كنيسة القديسة ماريا، ثم لكاتدرائية تحمل اسم كاتدرائية التجسد. أما اليوم فيسمى المسجد كنيسة سان خوان إيبانخليستا أو سان خوان دي لا ألمدينا.

3- حي سكني في غرناطة يعود للحقبة الأندلسية


كشفت حفريات أثرية بمنطقة لانتيرا بغرناطة الأندلس عن بقايا لحي أندلسي يعود إلى ما بين القرنين الثامن والحادي عشر.

يحتوي الحي على أربع صوامع غلال، وهي عبارة عن مبان مجهزة لتخزين الحبوب، وتحميلها وتفريغها قبل بيعها أو استعمالها. وتوجد الصوامع عادة في المزارع والطواحين، وتخزن فيها الحبوب كالشعير والقمح، كما جرى العثور في الحي الأثري نفسه على مقابر وآثار لمبنى يرجح أنه خصص للسكن أو كفضاء للتخزين.

فضلًا عن بقايا لأجزاء من السيراميك وذلك حسب تصريح منسق المشروع خوسي ماريا مارتين سيبانتوس من جامعة غرناطة قسم تاريخ العصور الوسطى لوكالة أوروبا بريس.

بالنسبة للقبور فهي تحترم شعائر الدفن الإسلامي بحيث وجهت جميعها نحو القِبلة، وقد بدأت العمليات الحفرية في سبتمبر (أيلول) 2014 تحت إشراف كل من جامعة غرناطة وإحدى شركات علم الآثار والتراث. وعرفت مساهمة متطوعين من جامعة غرناطة من قسمي التاريخ وعلم الآثار. وتقع بلدية لانتيرا (Lanteira) في مقاطعة غرناطة التابعة لأندلوسيا.

4- اكتشافات أثرية هامة بالقاعدة المرابطية أغمات

الاكتشاف هنا ليس أندلسي الجغرافيا، ولكنه أندلسي المعنى والامتداد، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الأندلس بشكل خاص وبمهد الدولة المرابطية بشكل عام. يتعلق الأمر بسلسلة من الاكتشافات الأثرية التي عرفتها القاعدة المرابطية أغمات. 

ففي عهد يوسف بن تاشفين اتخذت أغمات مقرا لإقامة ونفي ملوك الطوائف بعد توحيد بلاد الأندلس، خاصة المعتمد بن عباد، ملك إشبيلية، وعبد الله بن زيري، ملك غرناطة.

وفي سنة 1970 شُيد ضريح المعتمد بن عباد الذي يحتضن بالإضافة إلى قبره قبر زوجته اعتماد الرميكية وابنه، والذي يتزين بقبة مرابطية الطراز وبأبيات شعرية للملك الشاعر المعتمد ابن عباد. ومن أهم الشخصيات التي اشتهرت بها المنطقة واحدة من أغنى نساء أغمات، السيدة زينب النفزاوية.

تضم المنطقة المسماة حاليًا (جمعة أغمات)، وهي قرية أمازيغية مغربية استقر بها المرابطون، ولم يبرحوها إلا بعد اتخاذ قرار تشييد مدينة مراكش، وهذه المعالم التاريخية من بينها: بقايا سور ممتد لمئات الأمتار، بقايا قنوات ري ومساكن عتيقة، حمام أثري مُكتشف سنة 2005، آثار لمسجد من القرن العاشر انطمر لقرون تحت أحد الحقول الزراعية وبقايا لقصر مرابطي هُجِر في القرن الثالث عشر ولم يعد اكتشافه إلا مؤخرًا وبالضبط سنة 2008.

اتخد المرابطون من أغمات عاصمة لهم منذ دخولهم المدينة سنة 1057 إلى فترة إنشاء مدينة مراكش. حيث لم تشكل أغمات بؤرة سياسية فقط، وإنما اتُخدَت أيضًا كقاعدة عسكرية، كما لَعِبَت دورًا دينيًا مهمًا؛ وذلك لأن الحركة المرابطية كانت حركة دينية سنية مالكية. شهدت أغمات ولادة عدة علماء، كما تلقن بها آخرون أسس العلم. ومن الشخصيات التي طلبت العلم بأغمات نذكر: مولاي بوشعيب الرداد الذي ارتحل إلى عدة مناطق وبلدان لطلب العلم، منها أغمات، وأوريكا، وفاس، وأزمور، والأندلس.

تقع أغمات في المغرب. تبعد عن مراكش بحوالي 30 كيلومترًا. تتمركز الآثار المُكتَشَفة في شمال المنطقة جنبًا إلى جنب. لا يفصل بينها سوى ممر بسيط وغير معبد. كما تحتمي عن العامة وراء سياج خشبي لا يُفتَحُ إلا للزوار. 

5- حمام أغمات الأثري

إنه أقدم حمام عمومي مُكتَشَف بالمغرب. جرى تشييده في أواخر القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر. استعمِلَ كحمام طوال 500 سنة ليتحول بعدها إلى مصنع للسيراميك ثُم أهمل، وتم التخلي عنه بعد ذلك. هُجِرَ الحمام في القرن الرابع عشر أي في الفترة نفسها التي هُجِرت فيها مدينة أغمات الشيء الذي يدعم صحة الروايات التاريخية.

 جرى اكتشاف الحمام سنة 2005. لم يكن واضح المعالم قبل عمليات التنقيب. انطمر لقرون تحت طبقة ترابية سميكة ولم يظهر منه سوى ثلاثة ثقوب تعود للسقف. كما شكل الحمام الأساس لبيت حجري لأحد المواطنين. وبعد أن اختفى ذلك المنزل منذ زمن بعيد، كانت المفاجأة حيث اكتشف علماء الآثار أنه كان مشيدًا فوق حمام فريد من نوعه.

يتميز الحمام بمساحته الشاسعة. مساحة كبيرة شكلت استثناءً بالنسبة لحمام من تلك الحقبة. الشيء الذي يتطلب تحديًا في البناء وبراعة على المستوى التقني ومهارة في استخدام وسائل التدفئة. يتكون من ثلاث غرف باردة، دافئة وساخنة احتَجَبَت لقرون عن عيون الشمس.

تمركزت قاعة استراحة بالجانب الجنوبي للحمام. خُصِّصَت لاستقبال زوار الحمام وتغيير وحفظ الملابس. وهي عبارة عن ساحة مغطاة ومحاطة بأروقة على جهاتها الأربع. مرصوفة بالطوب على نمط متعرج. احتوت جهتيها الشرقية والغربية قديمًا على مقاعد مبنية خُصصت للمستحم الذي أرهقته حرارة الحمام الداخلية، لتشكل بذلك فضاءً للاستراحة والاسترخاء والتخلص من التعب.

زُيِّنَ مركز قاعة الاستراحة بحوض مثمن بديع. يعتبر مثمن الزوايا أو الأضلاع عمومًا، شكلًا هندسيًا شائعًا جدًا في العمارة الإسلامية. يرمز للعبور من المربع إلى الدائرة. أي من الأرض باتجاهاتها السماوية الأربعة إلى السماء ذات الفضاء الفريد واللامتناهي. تضرَّرَت بعض حيطان الحمام بفعل الزمن؛ مما دفع بالمسؤولين للقيام بعمليات صيانة للحفاظ على المَعلَمَة. فكان العُنصُر الأبيض الذي وُضع صيانة للطوب الأحمر.

وبجانب الحمام جرى اكتشاف نظام مائي تحت أرضي من القرون الوسطى. وهو عبارة عن قنوات مائية زَوَّدت الحمام والمباني المحيطة بالماء الصالح للشرب. تُشكل هذه القنوات الموجهة من الشمال نحو الجنوب جزءًا من شبكة مائية واسعة ومعقدة استهدفت تزويد المدينة بمختلف مبانيها بالماء الصالح للشرب.

ينقسم النظام المائي عند الجزء الموجه نحو الحمام إلى فرعين، فرع متجه نحو مثمن الزوايا الذي يتوسط قاعة الاستراحة بينما يتجه الفرع الآخر داخل الحمام. شكل الماء ثروة مهمة بالجهة. بالإضافة لاستخدام القنوات في تزويد المرافق العامة كالحمام، المسجد والقصر بالماء، والمرافق الخاصة كالمنازل وغيرها، وجرى استغلاله أيضًا في سقي الحقول. 

6- قصر أغمات المرابطي

انطمر القصر بفعل عوامل الزمن لقرون طويلة واندثر بشكل كامل تحت حقل زراعي، جرى العثور على بقاياه سنة 2008 بفضل تقنية التتبع المغناطيسي ونظام اختراق الرادار. كشفت الحفريات أن القصر كان معمرًا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر. فترة ترتبط بالتأكيد بفترة الحكم المرابطي خاصة في الحقبة التي لعبت خلالها أغمات دور العاصمة المرابطية.

جرى التخلي عنه في القرن الرابع عشر. تعكس آثاره تصميمًا مطابقًا لتصاميم القصور الأندلسية. يتكون من عدة قاعات وساحات حيث ممرات الوصول لها عنكبوتي وهرمي. تتوزع مباني القصر حول هذه الفناءات ليشكل الفناء في كل مرة القلب والمركز ولتكون البنايات بذلك عناصر محيطة. تضُمُّ ساحة القصر الرئيسة بِركة تغذيها نافورة رخامية.

وانطلاقًا من دراسة بقايا القصر، قدّم الفريق المشرف على صيانة معالم أغمات الأثرية رسومًا وفرضيات هندسية مُتَخيَّلة عما كان عليه القصر في السابق.

مسجد أغمات

تقع آثار مسجد أغمات بجوار القصر المرابطي. ذُكر المسجد في بعض النصوص التاريخية. ورد ذكره في كتاب «القبلة»: «أخبرنا أبو محمد عبد الله بن تيسييت وكاتبه قاضي أغمات وريكة أن مسجد أغمات وريكة بناه أميرها وطاس بن كردوس من بني أمية سنة خمس وأربعين ومائتين».

قام ببنائه وطاس ابن كردوس (859م)، وشيد المسجد بالطوب والحصى. تنم آثاره عن تشييدات وإصلاحات تعود لحقب زمنية متباعدة. كما تدل على قيام المجتمع الأغماتي بعملية توسيع لمساحته ليضم أكبر عدد ممكن من المصلين. هذا وقد جرى التعرف سنة 2012 على بقايا محراب غابت آثاره لقرون في الطين. لم يزل الحديث عن حفريات مستقبلية بالمسجد قائمة لاستخراج أي بقايا محتَمَلَة غابرة. 

كما جرى استخراج سنة 2014 حوض حجري منقوش من قاعة الوضوء الخاصة بالمسجد، جدير بالذكر أن معالم المسجد مطابقة تمامًا للوصف الذي ذكره لسان الدين بن الخطيب في حديثه عن أغمات.

مشروع متحف أغمات

أُعلِن في يونيو (حزيران) 2005 عن إنطلاق مشروع علمي بأغمات يهدف إصلاح وتقييم وتنمية المنطقة باعتبارها إحدى البؤر الهامة في تاريخ المغرب في القرون الوسطى. أبحاث أثرية، صيانة الآثار والبقايا وحمايتها، إعادة اعتبار التراث والتعريف به على المستوى السياحي، كلها اهتمامات يتطلع المشروع العلمي تحقيقها مستقبلًا. 

المشروع تحت رعاية وزارة الثقافة المغربية ومؤسسة أغمات الأثرية. ومن أهم المشرفين على تسييره نذكر السيد عبد الله فيلي من كلية الآداب بمدينة الجديدة المغربية، أستاذ باحث متخصص في علم الآثار، القرون الوسطى. والسيد Ronald Messier من جامعة فاندربيلت (Vanderbilt University)، وهي جامعة بحثية خاصة مقرها ناشفيل بولاية تينيسي الأمريكية. ويحظى المشروع بمساهمة مجموعة من كبار الباحثين متعددي الجنسيات والاختصاصات.

هناك تخطيط لإنشاء متحف بأغمات يضم مجموع المواد التي جرى اكتشافها خلال الحفريات الأثرية. والتي تتشكل من عناصر مختلفة ومتعددة كالسيراميك، والمعادن والعظام والزجاج والجبس المنحوت والجص. كذلك سيضم مجموعة الأدوات والصور، ومقاطع الفيديو التي رافقت عمليات التنقيب.

سيحتوي أيضًا على مساحة مستقلة خاصة بتقنيي الصيانة حيث سيتم تخزيين وحماية المواد المستخرجة من الحفريات. هذا بالإضافة إلى ملحق يحمل اسم «منزل الباحثين» سيخصص لإيواء واستقبال علماء الآثار لتوفير إطار مثالي لمواصلة دراسة أي مواد قد تنم عنها أي حفريات مستقبلية.

كما سيتولى المتحف مهمة التعريف بماضي أغمات التاريخي. وقد لعبت أغمات دورًا مهمًا في تاريخ المغرب في القرون الوسطى، ومع تزايد الساكنة قام المرابطون بتشييد عاصمة جديدة وكانت مراكش سنة 1069؛ مما أدى إلى تراجع عدد ساكنة أغمات.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد