تمثل الموسيقى، إلى جانب الشعر، واحدة من أشكال التعبير الأهم في تاريخ فنون الحضارة الإسلامية، فقد وجد الفنان العربي في الموسيقى مراوغة لتفجير عبقرية حسية ولابتكار تراث فني في متحف سمعي أصيل. وتعد الموسيقى الأندلسية، باعتبار مميزاتها الخاصة، جانبًا ثقافيًا هامًا لفهم الحضارة الإسلامية. وقد رفضت شريحة كبيرة من علماء الدين الموسيقى، إلا أن هذا الرفض لم يمنع تطورها في المجتمع الإسلامي.

فنون

منذ سنتين
كيف أثر التراث الأندلسي في الأغاني الإسبانية الشعبية والمعاصرة؟

لعبت الموسيقى دورًا في بلاط الأمويين في دمشق والعباسيين في بغداد، وانتقلت بعض ملامح موسيقى المشرق إلى الأندلس لتُضيف نكهة مميزة لموسيقى شبه الجزيرة الأوروبية. حظيت الموسيقى، حسب ابن رشد، باهتمام كبير خاصة في إشبيلية، وقد كان للتصوف الإسلامي خاصة الذِكر، دور في الربط بين إنشاد القصائد وتحقيق انسجام الذات مع الكون بغية تأمل الواقع الغيبي وتحقيق السمو الروحاني.

الأصول الإيبيرية للموسيقى الأندلسية

في كتابه «الموسيقى الأندلسية المغربية» يرى الباحث والموسيقي المغربي أمين الشعشوع أن الموسيقى الأندلسية التي نراها اليوم بالمغرب، ليست سوى حصيلة عدّة قرون من التّعايش بين الحضارة العربية الإسلامية الشّرقية بمكوّناتها الفارسية والإغريقية، وبين الحضارة الإيبيرية المسيحية بمكوّناتها الرّومانية والبيزنطية. لقد أنتج المجتمع الأندلسي تحت ظلّ الحكم الإسلامي وبمكوّناته المتعدّدة موسيقى تتميّز بغناها وبرقّتها وبعمق معاني ألحانها وأشعارها.

وتحت عنوان «المكونات البنائية للموسيقى الأندلسية» يؤكد الأديب والمؤرخ والباحث المغربي عباس الجراري في مقال أن الحديث عن المكونات البنائية، يقتضي منا أن نعرف أولًا كيف نشأت هذه الموسيقى في الأندلس، حيث انطلقت الموسيقى الأندلسية من أنماط الموسيقى التي كانت موجودة في شبه الجزيرة الأيبيرية، أو كما يقول المؤرخون، «من الموسيقى النصرانية»، أي قبل أن يحل المسلمون ببلاد الأندلس.

ثم بعد ذلك، أتيح لهذه الموسيقى المحلية أن تتأثر بالأشكال الموسيقية والغنائية التي كانت تفد من بلاد المشرق، ومعروف أن المشرق يومئذ، كانت تزدهر فيه حركة الغناء وحركة الموسيقى، سواء في الحجاز أو في بغداد ودمشق. وسيفد عدد من رجال الفن ونسائه على الأندلس من هنا وهناك، وسيحدث نوع من التداخل والتطعيم وتبادل التأثر والتأثير بين هذه الموسيقى المحلية، التي سميت عند المؤرخين «موسيقى نصرانية». وهذه الأشكال والأنماط التي جاءت وافدة من بلاد المشرق. وهذا التأثير المشرقي في الموسيقى المحلية سوف يتبلور شيئًا فشيئًا عبر ظواهر مختلفة.

عزف على آلة النفير، رسم إيبيري من القرن الثالث عشر

تاريخًيا، للموسيقى الأندلسية فروع تَصلُ الموسيقى العربية الشّرقية بالموسيقى الإيبيرية وبموسيقى بعض بلدان المغرب العربي. انطلقت المعارف الموسيقية في العالم الإسلامي من مبادئ علمية خاصة بالعصور الكلاسيكية القديمة. وقد لعبت ترجمة النصوص اليونانية والسريانية والفارسية والسنسكريتية إلى اللغة العربية، في دار المعرفة ببغداد، دورًا في التعريف بأولى النظريات الموسيقية الكلاسيكية في العالم الإسلامي. نذكر من بينها النظريات الموسيقية الخاصة بفيثاغورس وأرسطو وأرسطكاس وبطليموس.

وقد فتحت هذه النظريات الباب أمام ولادة أبحاث إسلامية جديدة جادة في هذا المجال؛ وتقديم بانوراما موسيقية منهجية علمية شاملة لدراسة الظواهر الصوتية والآلية، والجماليات الموسيقية، والأصوات وأثرها على النفس، َوالقوة التعبيرية للموسيقى وغيرها.

أعلام الموسيقى الإسلامية

1. أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي.. القيمة العلاجية للموسيقى

بالنسبة للنظريات الموسيقية، يُعتبر العلامة العربي المسلم أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، عالم اللّغة والموسيقى والتّاريخ وعلوم الدّين والفلك والفلسفة والكيمياء والفيزياء والطب والرياضيات والموسيقى وعلم النفس والمنطق، من أوائل المهتمين بدراسة الموسيقى في العالم الإسلامي.

بوصفه طبيبًا اهتم ابن إسحاق بالقيمة العلاجية للموسيقى. انطلق من المفهوم اليوناني للموسيقى بوصفها «علم لصناعة الأنغام» لتأليف عدة كتب في هذا المجال لم يصلنا منها سوى خمسة، نذكر من بينها: «رسالة في المدخل إلى صناعة الموسيقى»، و«رسالة في الإيقاع». كما كان أول من استخدم لفظ «موسيقي» عنوانًا لأحد مؤلفاته.

2. أبو نصر محمد الفارابي.. صناعة علم الموسيقى

تخصص العلامة أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان الفارابي، في الموسيقى إلى جانب الفيزياء والميتافيزيقيا وفلسفة السياسة والمنطق والأخلاق والطب، وقد بلغت مؤلفاته من الكثرة ما جعل المستشرق الألماني ستينشنيدر، يخصص لها مجلدًا ضخمًا. ولكن لم يصل إلينا حاليًا من هذه المؤلفات إلا 40 رسالة، نذكر من بينها، «كتاب الموسيقى الكبير» الذي يتناول موضوع الموسيقى. وقد ترجم إلى لغات أوروبية وكتاب «صناعة علم الموسيقى» و يعد من أهم المراجع في هذا الفن.

رسم من كتاب «الموسيقى الكبير» لآلة موسيقية تُدعى «شهرود»

3. ابن سينا.. أمير الأطباء وجوامع علم الموسيقى

أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، أمير الأطباء وأبو الطب الحديث في العصور الوسطى، شاعر، وفيلسوف، وفلكي، وفيزيائي، عالم وطبيب مسلم من بخارى. اشتهر بالطب والفلسفة واشتغل بهما. وقد ألّف 200 كتابًا في مواضيع مختلفة، العديد منها يركّز على الفلسفة والطب. من مؤلفاته في الموسيقى «مقالة جوامع علم الموسيقى» و«مقالة في الموسيقى».

4. زرياب.. أهم من ساهم في تطوير الموسيقى العربية

هو أبو الحسن علي بن نافع، ساهم في تطوير الموسيقى العربية والشرقية. ظلمه التاريخ الإسلامي مقارنة بالتاريخ الغربي الذي أولاه اهتمامًا أكبر ويستفيد من تجربته وآثاره وما قدّمه للعالم أجمع. ترى الكاتبة منى حوا في مقال «زرياب الذي لم يُسقط الأندلس» أن الكثير من الدعاة المتحمسين عالجوا تاريخ الأندلس بصورة شوّهت الوعي بالتاريخ، مطلقين أحكًاما عامة وفق رؤى دينية أو أهواء خاصة متبعين نسقًا غير موضوعي في القراءة التاريخية.

فزرياب -حسب الوعّاظ-، الرجل الذي قاد الأندلس إلى عصور الانحلال والضياع ومن ثم السقوط في الهاوية. وفي ذلك مبالغات كثيرة وتجنٍّ بالغ على شخصية تاريخية لها ما لها وعليها ما عليها، بل وفيه أيضًا تعاطٍ سطحيّ مع التاريخ نفسه.

أدخل زرياب على فن الغناء والموسيقى في الأندلس تحسينات كثيرة، ومن أهم هذه التحسينات أنه جعل أوتار العود خمسة مع العلم أنها كانت أربعة أوتار، كذلك أدخل على الموسيقى مقامات كثيرة لم تكن معروفة قبله. ومعظم إيقاعات وألحان المدرسة الأندلسية المحدثة من قبل زرياب انتقلت إلى أمريكا اللاتينية مع الموريسكيين وتحولت إلى رقصات معروفة مثل: لاكويكا والتانغو الذي ينسب لفن الفلامنكو الموريسكي.

«التروبادور».. من الأندلس إلى أوروبا

يُعتقَدُ أن كلمة «تروبادور» أو «طروبادور» تعود في أصلها لكلمتي «طرب» و«دور» كنايةً على عزف الموسيقى والتنقل بين القصور، إذ تُطلق على «مطربين» كانوا «يدورون» من قصر لآخر. ويُعتبر التروبادور شاعرًا وموسيقيًا من القرون الوسطى. عاش في الجنوب الشرقي لفرنسا وسرقسطة في مملكة أراغون والضواحي.

وهناك من يحيل مصطلح «تروبادور» أو «طروبادور» إلى أصل لاتيني، باعتبار أن كلمة «تروبادور» اقتباس لغوي عن الفعل البروفنسالي «trobar»، المأخوذ بدوره من الكلمة اللاتينية «trope» بمعنى أغنية. والبروفنسالية هي لهجة من الأوكسيتانية تعود لبروفنس (منطقة في جنوب شرق فرنسا).

وفي نشأة التروبادور، تُؤكد إحدى النظريات ولادة هذا الفن على يد دوق آكيتاين ويليام التاسع – 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1071 : 10 فبراير (شباط) 1127 -؛ المُلقب بـ«التروبادور» وهو لقب استخدم حديثًا منذ القرن التاسع عشر، أما اللقب المعاصر له كان «الأصغر» لتمييزه عن والده ويليام الثامن.

ويرى الشاعر والناقد والموسيقي الأمريكي عزرا باوند، أن دوق آكيتاين ويليام التاسع اقتبس غناء «التروبادور» شعرًا ولحنًا وعزفًا وزيًّا وتقليدًا وممارسة عن إسبانيا الإسلامية. وعثر المؤرخ والكاتب، والمستشرق المختص في العلوم الإسلامية، الفرنسي إفاريست لافي بروفنسال، على نسخة لمخطوطة تعود لدوق آكيتاين. وفقًا لمصادر تاريخية، جلب ويليام الثامن، دوق آكيتاين والد التروبادور ويليام التاسع، لبواتييه مئات السجناء المسلمين. النظرية نفسها دعمها المؤرخ واللغوي والباحث الإسباني رامون مننديث بيدال، في أوائل القرن العشرين.

تربادور يعزف على ألته الموسيقية – المصدر: ويكيبديا

ترى نظرية أخرى أن فن التروبادور الأندلسي انتشر خارج الأندلس مع الوفود الأوروبية التي انهالت على الأندلس لتلقن العلوم، والمهارات والفنون الإسلامية. ومن ثم عرفت أوروبا عادة الموسيقيين المتجولين. ومع بداية القرن الحادي عشر ظهرت جماعات التروبادور أو الطروبادور في جنوب فرنسا ثم في ألمانيا للتغني بأنماط شعرية مستحدثة مقتبسة عن الموشحات والأزجال الأندلسية.

أثَّرت موسيقى التروبادور في الثقافة الجاليكية البرتغالية على مستوى الإنشاد الشعبي والإنشاد الروحاني الديني. يتجلى هذا التأثر في مقطوعات مريم العذراء الغنائية. وهي مؤلفات موسيقية من حقبة ألفونسو العاشر، ملك قشتالة وليون المشهور بلقب الحكيم. تتكون هذه المؤلفات من حوالي 420 قطعة موسيقية زجلية منظومة بالجاليكية البرتغالية.

تعتبر اللغة الجاليكية البرتغالية، المعروفة أيضًا بجاليكية القرون الوسطى، لغة رومانسية من القرون الوسطى. تم تداولها بشمال غرب شبه الجزيرة الإيبيرية، في المنطقة الممتدة ما بين بحر كانتابريا ونهر الدويرو. ومن هذه اللغة نشأت كل من اللغتين البرتغالية واللغة الغاليسية (الجاليقية / الجليقية / الجاليكية).

تعود مجموعة أغاني مريم العذراء التي تتغنى بمعجزات مريم العذراء، إلى القرن الثالث عشر (عام 1284). وحُفِظَت النصوص بألحانها في ثلاث مخطوطات تاريخية إلى جانب مجموعة غنية من المنمنمات. تترجم هذه المنمنمات التأثر بالنمط موسيقي الأندلسي-الغربي إذ تصور مؤدين وعازفين بآلات موسيقية أندلسية (مثل: العود، الرباب، الدف).

أنجز المستعرب خوليان ريبيرا اي طراغو دراسات تفصيلية لإبراز الأصل الإسلامي لهذه الإبداعات الفنية. يرى المستعرب الإسباني خليان ربيرة في كتابه «الموسيقى العربية وتأثيرها في الموسيقى الإسبانية» أن أغاني «القديسة مريم» أو أغاني مريم العذراء تعكس بدقة بعض مميزات موسيقى الأندلس.

يعتبر النشيد الغاليكي البرتغالي من الإبداعات الفنية الأدبية المميّزة. اشتهرت في العصور الوسطى ما بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر. أما من كان ينظم هذه الأشعار ويلحنها ويؤديها فهو التروبادور. تنوعت مواضيع شعر الغاليكي البرتغالي ما بين الحب و السخرية و اللعنة وغيرها.

النوبة الأندلسية في فن الأوبرا

استُعمِلَ لفظ «النوبة» قديمًا للإحالة على «الدور»، إذ التزم الفنانين بتقديم عروضهم الموسيقية أمام الخليفة وفقًا لنظام معين. ثم أحال بعد ذلك على «الجلسة الموسيقية» ذاتها. وفي هذا المعنى يقول الأصبهاني: «حدثنا حسين بن الضحاك قال: كانت لي نوبة في دار الواثق أحضرها جلس أو لم يجلس». وفي السياق نفسه، تؤكد الدكتورة سمحة أمين الخولي أن النوبة الأندلسية تقابل في مفهومها الوصلة المعروفة في الشرق. وتمثل نظامًا خاصًا في تتابع المقطوعات الغنائية والموسيقية الأمر الذي أصبح تقليدًا يتوارثه أبناء المغرب العربي باحترام عظيم.

استُعمِلَ لفظ النوبة أيضًا مرادفًا لـ«الحركة الصوتية» التي تشكل جزءًا من المعزوفة الموسيقية. ليُطلَق المصطلح بعد ذلك على كل إنتاج موسيقي كامل يلتزم بمقومات لحنية وإيقاعية خاصة.

اختلف المتخصصون حول نشأة النوبة؛ يؤكد البعض نشأة النوبة باعتبارها تكوينًا موسيقيًا كلاسيكيًا في القرن الثامن بالمشرق. شكل هذا الإبداع فنًا موسيقيًا متقنًا بالأندلس مع نشأة إمارة قرطبة حيث استهل حقبة من التطور والازدهار الكبيرين بفضل عناصر ثقافية، فنية وموسيقية خاصة بالأراضي الأندلسية.

تمتعت النوبة بقبول كبير في البلاط الأموي لقرطبة في عهد عبد الرحمن الثاني. ولكنها ستعرف تطورًا منقطع النظير في عصر ملوك الطوائف. إذ بلغت آفاقًا رفيعة على المستوى الشعري، الموسيقي والفلسفي. حققت النوبة ازدهارًا في حضن بلاط بنو نصر في غرناطة إلى غاية 1492. واستمرت في شمال أفريقيا.

يرى الباحث ابن بابا علي في حوار مع خالد العيفة في جريدة «الشعب» أن النوبة بوصفه نظام موسيقي يُجهل متى كانت بدايته، أما الشعر المستخدم الذي يتغنى به في هذا المجال، فهناك معلومات تؤكد أنه صدر بالأندلس وليس بالمشرق، إذ إن الأندلسيون هم من أتوا بهذا النوع الجديد من الشعر، لأنه خرج عن نظم القصيدة العمودية وأتى بإكثار في القوافي وفي البحور، كما أتى بقواعد وأغراض خاصة بالمجتمع الأندلسي.

من الناحية الشعرية هناك بيانات مفادها أن كلام هذا الغناء من الأندلس حقيقة، ومن ثم انتقل إلى المغرب أو المغاربة، حيث قاموا بتنظيم موشحات وأزجال بالمغرب العربي ولكنها تشبهها تماما من ناحية البنية، وهي مناسبة ومنسجمة مع أغراض الموشح الأندلسي. وعن نِسبة النوبة لزرياب باعتباره «أب النوبة الأندلسية»، يؤكد الباحث ابن بابا أن ذلك راجع للعادة حيث دائمًا يبحث للتراث عن إبان ولا بد أن يكون مشهورًا، وعندما ننظر في تاريخ الاندلس نجد أن شخصية زرياب كانت جد مشهورة، خلال القرن التاسع، ولهذا كانت تنسب إليه حكايات ولا نعلم نسبة الحقيقة والخرافة بها.

أثرت موسيقى النوبة بشكل واضح في عدة موسيقيين من أوروبا. نذكر على سبيل المثال الموسيقي الفرنسي الذي أمضى سنواته الأخيرة بالجزائر، المايسترو كامي سان صانز الذي استعمل أنماطًا مغاربية أندلسية في بعض أعماله الموسيقية مثل: أوبرا «دليلة وشمشون» (1868) و«جناح جزائري» (1879). أثرت الموسيقى الإسلامية أيضًا في الموسيقي الألماني ريتشارد واغنر (1813-1883)، الشيء الذي ترجم في أوبرا «بارسيفال» (1882).

ما بين الخرجة الأندلسية وقصائد الكانتيغا

يُطلَقُ لفظ الخرجة على التركيبة الغنائية الموجزة التي تغلق الموشحة. نُظِمَت من قبل شعراء ومثقفين أندلسيين عرب ويهود بالعامية وأحيانا باللغة المستعربة، لتشكل نموذجًا توثيقيًا ملموسًا ساعد على معرفة خصائص ومميزات هذه الأخيرة. وتعتبر اللغة المستعربة لغة رومانسية تداولها مسيحيو الأندلس بشكل خاص بعد الفتح الإسلامي لإيبريا.

تعود أقدم خرجة لمنتصف القرن الحادي عشر. اتخذت الخرجة من الشعر الغنائي الروماني التقليدي القديم نموذجًا لنظم تراكيب غنائية موجزة مختلفة الأبنية، وإن كان غالبها يتكون من مقاطع رباعية الأبيات أو ثنائية.

الأغاني الإسبانية

تعتبر الخرجة أهم فقرات الموشح، إذ يتعلق الأمر بعنصر سابق، مبتكر قبل بقية المقاطع الشعرية. وبما أنها تصبح ذائعة شعبية، فهي ليست دومًا من نظم نفس المؤلِف، إذ تتكرر في أعمال مختلفة، سواء كانت عربية أم عبرية. وعادة ما تكون على لسان صبية يتحدث المؤلف بلسانها. كما أن الصلة الموضوعية بين الخرجة والموشحة عادة ما تكون خافتة. كل الإشارات تدل على أن الخرجة نشأت قبل الموشحة، وأن الأمر يتعلق بتكوين غنائي شعبي قديم.

لطالما ارتبطت الخرجة الأندلسية بقصائد الكانتيغا (قصائد مسيحية معروفة في إسبانيا والبرتغال) وبتراتيل عيد الميلاد الشعبية المسيحية (مؤلفات موسيقية شعرية من العصور الوسطى). يرى المؤرخ واللغوي الإسباني رامون مننديث بيدال أنها تنطلق من جذع فني مشترك لتشكل ثلاثة فروع لجذع شعري واحد، ألا وهو الغناء الشعري الهسباني التقليدي. إن أوجه التشابه والتطابق عديدة وحاسمة. على سبيل المثال، الخرجة، تمامًا كقصائد الكانتيغا هي غنائيات حب على لسان امرأة، حول موضوع غياب الصديق أو الحبيب، ومع حضور الأم بشكل متكرر كمؤتمنة حميمية.

فن الفلامنكو الموريسكي

يلفت انتباه كل زائر للأندلس تواجد فرق من الهواة الذين يرقصون الفلامنكو في قلب الأماكن السياحية. فرق بين الهواة الذين يرقصون للمتعة وبين آخرين اتخذوا منه وسيلة لكسب المال. تارة على بُعد بضعة أمتار من قصر إشبيلية وتارة على مَطل القديس سان نيكولاس بغرناطة.

تتلوى أطرافهم المفطومة على رنين القيثارة لتعبّر عن خيبة وجراح. لتدندن كلمات في الحب راب عشقها فانفجر على صفوف المتفرجين. تعارك الراقصات الهواء بأيديهن وتعَنِّفنَ الأرض بقسوة بأرجلهن. قد تعبّر كلماتهن عن الحب أحيانًا ولكن أداء الرقصة الصلب والغناء القوي والخشن يعطي انطباعًا أنك أمام معركة أو ملحمة شامخة.

عادة ما ترتبط فكرة الرقص والغناء بالسعادة والفرح والنشوة، ولكنها قد ترتبط أيضًا بالألم والمعاناة والحسرة والخيبة. فالمذبوح عند الاحتضار يرقص. والماء عند الغليان يتطاير ويرقص. وعصفور القفص يبثُ حنينه للحرية فيُغني ويرقص. فالرقص والغناء هما أحيانًا أبلغ تعبيرًا عن الألم والحسرة والخيبة من البكاء والنحيب والصراخ والعويل والندب والنواح والنشيج.

يعتبر فن الفلامنكو من الفنون النادرة التي تعبر عن الألم والمعاناة، حيث تتكاثف صرخات المؤدِّين المؤلمة لتنسجم مع تصفيقات المتفرجين المتناغمة وشهقات إعجابهم التي تستجدي من الفؤاد «أُولِي أُولِي/ Olé Olé». كلمة يعود أصلها لكلمة «الله»، تغيَّر نُطقها مع الزمن لتصبح «أُولِي أُولِي»، عبارة تستعمل للتعبير عن الإعجاب.

يتبادل المؤدون والمستمعون الشكوى من القلب للقلب. يغنون، ويرقصون، وينتفضون، ويتأوهون ويلتحمون ويتلاحمون لساعات ثم يتركون المكان ويرحلون.

عادة ما يرتبط اسم الفلامنكو بالرقص وهذا غير صحيح، فالفلامنكو مزيج من الرقص والغناء والعزف. وُلد بالأندلس في القرن الثامن عشر من الموسيقى والرقص الأندلسي. صيغت عدة نظريات حول أصوله ولكن تبقى أطروحة أصوله الموريسكية هي الأقوى.

تم تصنيف الفلامنكو كفَنٍ من التراث الثقافي المعنوي للإنسانية. الغناء، العزف والرقص إنها أوجه الفلامنكو الثلاث. تجاوزت شعبية الفلامنكو منطقة الأندلس لتصل إلى بلدان أمريكا اللاتينية مثل غواتيمالا، كوستاريكا، باناما، إيل سلفادور وبويرتوريكو، حيث انتشرت فرق وأكاديميات مخصصة للفلامنكو.

بحسب بلاس إنفانتي أب الهوية الأندلسية، إن اسم فلامنكو مُستمد من عبارة «فلاح من غير أرض» أو «فلاح منكوب». حيث اندمج المجتمع الموريسكي باعتباره أقلية ثقافية ضمن مجتمع آخر سائد. وبالتالي ظهر هذا الفن الموريسكي مرتعًا لثقافة تُعاني التهميش فكان الرقص والغناء أداة للتعبير عن حرقة ومعاناة من حالات القهر التعسفي التي كانوا يعيشونها. كما تُقدَّم فرضيات أخرى ترجع أصل اسم الفلامنكو لعبارة «فلاح منكو» وبالتالي «فلاح منكم».

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
«لا أنتِ أنتِ ولا الديارُ ديارُ».. ما قاله شعراء الأندلس في رثاء المدن المفقودة

الفلامنكو ليس فنًا فقط بل هو جزء من تراث وتاريخ وهوية الكيان الأندلسي. إنه ملحمة تروي تاريخ إنسان طبع بقوة بصمات ثقافته على هذه الأرض. فن يروي كيف تخبطت جيوش الحنين في الطين، كيف وصل الموريسكي بخيبته وفجائعه حد الرقص، كيف استجدى صوته من آهات العذاب ثباتًا ليرقص رقصًا لا يجيد الرقة، يرقص رقصًا لا يجيد إلا الخشونة والألم.

آلات موسيقية انتقلت لأوروبا عبر الأندلس

يُعتقد أن الكثير من الآلات الموسيقية المستعملة في الموسيقى الغربية تنحدر من آلات أندلسية. حلت الآلات الموسيقية الإسلامية بشبه الجزيرة الايبيرية، ومن هناك لباقي أوروبا. بعضها كان مُلهِمًا لابتكار آلات أخرى ستكون أساسية في تطور الموسيقى الأوروبية.

 بعض الآلات باللغة الإسبانية مع أصلها الإتيمولوجي:

  1. العود El laúd
  2. الرباب El rabel
  3. القيثارة La guitarra
  4. الطبل El tambor
  5. الدف El adufe
  6. الكاستانت (الصنوج) Las castañuelas
  7. الشبابة La ajabeba
  8. الغيطة La gaita
  9. الطرب La tiorba
  10. النفير El añafil
  11. البوق La alboka
  12. شاع استخدام el almirez (كلمة مقتبسة عن اللغة العربية مهراس) أيضا كآلة موسيقية إيقاعية تقليدية، استُعمِلَت خاصة في الغناء الشعبي الإسباني كموسيقى الخوطا والفاندانغو وغيرها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد