5,991

يعتبر البحث عن أصول مفترضة للأمثال إشكالية حاضرة بقوة في جميع اللغات. يمكن اختزالها في ثلاثة أسئلة بسيطة: من قال المثل؟ وفي أي سنة؟ وكيف انتشر؟

من الصعب الإجابة عن هذه الأسئلة. وحدها الأمثال التي تحيل على أحداث تاريخية، أو على تقاليد وعادات مرتبطة بحقبة معينة مندثرة، قد تسهل عملية التعرف على الفترة الزمنية التي نشأ فيها المثل، وبشكل عام يصعب التعرف على زمن المثل، ومصدره، وظروف نشأته، وأصله.

يرى بعض اللغويين أن ظاهرة تشابه الأمثال في لغتين مختلفتين أو أكثر، لا تنجم دائمًا عن تأثر ثقافة أو لغة بأخرى، وإنما قد تعكس ثقافات متباعدة زمانًا ومكانًا نفس النمط الفكري، وتفرز نتاجًا أدبيًّا مماثلًا ومتشابهًا وليد الثقافة الذاتية الخاصة بالمجتمع نفسه فقط لا غير، وبعيدًا عن أي تأثر لغوي أو ثقافي خارجي، تفسر الظاهرة بوجود نوع من التطور الموازي، بمعنى أن تشابه العقل الإنساني وبنياته ومسارات تكوينه للمادة الفكرية تبقى متشابهة وواحدة، مما يدفع المرء، أمام التجارب والمؤثرات المتماثلة، إلى الاستجابة والتفاعل بإصدار أنماط فكرية، وأقوال، وتعابير متطابقة.

على خلاف هذه النظرية، يرى المستعرب الإسباني إميليو غارسيا غوميز، أن تجانس الأمثال في اللغات المختلفة ناتج عن تأثر الثقافات ببعضها البعض. تأثرت الأندلس بالثقافات السابقة عامة، وبثقافة العالم الإسلامي خاصة. كما ساهم سفر أهل الأندلس لكافة الأقطار، بحثًا عن تلقن العلوم الدينية، واللغوية على يد العلماء والفقهاء، في النقل الشفهي والكتابي للعديد من الأمثال العربية للأندلس، وهكذا، مرت الأمثال العربية للأندلس، والأمثال الأندلسية إلى الإسبانية.

يرى المستعرب الإسباني إميليو غارسيا غوميز أن نقل الأمثال اعتمد بالأساس التقليد الكتابي، لا التواصل الشفوي؛ وأن الأمثال، كأي نتاج إنساني آخر، لها تاريخ، وأن هذا التاريخ كان في أكبر تجلياته كتابيًّا أكثر منه شفويًّا.

مرت الأمثال من شعوب لأخرى عبر الترجمة، وعبر كتابات النخبة المثقفة التي عملت على تدوين أقوال العامة. صدرت الأمثال عن كتّاب مثلوا مجتمعاتهم، شربوا من ينبوع التراث الشعبي حد الارتواء، فمنحوا صيغة ثقافية، وإطارًا رسميًّا للأمثال والأفكار والتعابير شائعة الاستعمال.

ما بين الأمثال الأندلسية والأمثال الإسبانية

عبر صفحات مجلة الأندلس، ناشد المستعرب واللغوي والناقد والدبلوماسي الإسباني إميليو غارسيا غوميز (1905- 1995) سنة 1970، بضرورة الاهتمام بدراسة الأمثال الأندلسية كمادة تاريخية أساسية، ومكون أدبي جوهري، وعنصر لغوي ثمين، يجب التسلح به لتحقيق الفهم الصحيح والدقيق للكيان الأندلسي لغةً وفكرًا ومجتمعًا.

وتحت عنوان «نحو عملية تحصيل للأمثال العربية الأندلسية» ظهر أول المصنفات الخمسة للمستعرب إمليو غارسيا غوميز، مُترجِمة مجهوده البحثي الرائد والمُلهم، على مستوى الدراسات اللغوية المُقارنة التي أُنجِزَت بالإسبانية في هذا المجال.

ساهمت الدراسات التي قام بها غارسيا غوميز، المُهتمة بتحقيق الأمثال العربية الأندلسية في إعادة الاعتبار لهذا الإرث اللغوي الشعبي المنسي، بعد تعرضه للإهمال والتفريط. لم يهتم غوميز فقط بدراسة هذا الموروث اللغوي، وإنما أيضًا حاول إبراز مدى تأثير الثقافة الأندلسية في باقي الثقافات التي كانت على تواصل معها؛ وبين كيف شكلت الأمثال الأندلسية أصلًا ونواةً ومنبعًا لنشأة عدد مهم من الأمثال الإسبانية المطابقة في المعنى والتركيب، وهي أمثال ما زالت متداولة في إسبانيا إلى يومنا هذا!

اهتم المستعرب الإسباني إميليو غارسيا غوميز بتحقيق الأمثال الأندلسية، وتوضيح مدى تأثيرها في نشأة أمثال إسبانية مطابقة، وذلك بتقديم دراسات مهمة، ألهمت عدة لغويين إسبان وعرب لمواصلة البحث والتنقيب في هذا المجال. انطلق اللغوي غوميز في أبحاثه من عدة مؤلفات أندلسية نذكر من بينها:

1- كتاب الجوهرة في الأمثال، الذي شكل جزءًا لا يتجزأ من العقد الفريد، وهو كتاب من تأليف ابن عبد ربه الأندلسي، يشتمل على جملة من الأخبار والأمثال والحكم والمواعظ والأشعار وغيرها. وقد سُمي بـ «العقد»، لأن ابن عبد ربه قسّمه إلى أبواب، أو كتب حمل كل منها حجرًا كريمًا، كالزبرجدة والمرجانة والياقوتة والجمانة واللؤلؤة، وغير ذلك مما تناول عقود الحسان الحقيقية.

2- كتاب لحن العامة لابن هشام اللخمي الإشبيلي، وكتاب لابن ليون التجيبي، وهو من علماء الأندلس وأدبائها المتقدمين، وُلد بالمرية في عام 1282م، ونشأ بها، وتوفي مريضًا بالطاعون في عام 750هـ (1350م) في المرية بالأندلس.

3- كتاب حدائق الأزاهر في مستحسن الأجوبة والمضحكات والحكم والأمثال والحكايات والنوادر لابن عاصم الغرناطي.

واعتمد الدكتور إميليو غارسيا غوميز في دراسته للأمثال العربية الأندلسية المنهج التالي:

1- صياغة مقدمة للتعريف بالكاتب وأعماله، ووصف المخطوطة الأصلية ومختلف نسخها، والتعريف بأي جدلية مرتبطة بالمؤلِف أو المؤلَف.

2- نسخ النص العربي بحروف لاتينية.

3- ترجمة النص من العربية للإسبانية.

4- تفسير المثل الأندلسي في إطار الأدب والتراث العربي بشكل عام، والأندلسي بشكل خاص.

5- إضافة تعليق مُقارن بين الأمثال في اللغتين.

6- ترجمة المثل للإسبانية، أو تقديم بديله الإسباني المعاصر، أو بديله الإسباني التاريخي القديم.

نذكر على سبيل المثال مثل: «ربما تَحَيَّرَ من تخيّرَ».

وهو من الأمثال التي خصها الدكتور إميليو غارسيا غوميز بدراسة لغوية دقيقة. ورد المثل بصيغ مختلفة نذكر من بينها «خَيَّرَني وَحَيَّرَني». يرى غوميز أن المثل دُوِنَ كتابيًّا لأول مرة في القرن السادس عشر على هذا النحو:

A quien dieron a escoger diero[n] alhaira.

أما كلمة «alhaira» التي جاءت في آخر المثل فليست سوى اللفظ العربي الدخيل على اللغة القشتالية (Alhaira الحيرة)، وقد تم اقتباسه عن اللغة العربية، ولكن سرعان ما أصبح اللفظ متقادمًا ومتروكًا؛ ليغدو مجرد لفظ أثري كان متداولًا في الماضي واختفى.

استبدل المتحدث القشتالي كلمة الحيرة عن طريق الخطأ، بمصطلح إسباني آخر قريب للمصطلح العربي الأصلي نطقًا لا معنى وهو «la ira» الذي يعني الغيظ والغضب، وهو ما تسبب، حسب غوميز، في فقدان المثل الإسباني لمعناه العربي الأصلي ليربط بذلك بين التخيُّر والغضب.

وهكذا نشأت الصيغة الجديدة للمثل الإسباني:

«A quien dieron a escoger diero[n] a la ira».

أمثال أندلسية انتقلت إلى اللغة الإسبانية

ما زالت الأمثال الأندلسية حاضرة إلى يومنا هذا في الأمثال المغربية، والمشرقية، والإسبانية. عندما نقول الأمثال الأندلسية فإننا نقصد الأمثال التي وردت باللغة العربية، والتي اقتبسها أهل الأندلس عن العالم الإسلامي بشكل عام، والأمثال التي وردت باللهجة العربية الأندلسية بشكل خاص.

تعتبر اللهجة العربية الأندلسية إحدى لهجات اللغة العربية المستخدمة في الأندلس وأقصى شمال المغرب، وهي المنطقة التي تقع حاليًا في شبه جزيرة إيبيريا، وتمثل إسبانيا والبرتغال، أثناء حكم المسلمين لها. ورغم أنها منقرضة الآن، إلا أنها تستخدم أحيانًا في الطرب الأندلسي، كما كان لها تأثير كبير في اللهجات المستخدمة في شمال غرب المغرب وسلا وغرب الجزائر، منهم شرشال ومستغانم وبجاية.

وكان لها تأثير آخر على لهجة المستعربين، واللغة الإسبانية، والقطلونية، والبرتغالية، وقد جاء في مقال للدكتور بشار نديم أحمد الباججي أنه: »لا بد من الإشارة إلى ما ذكره لسان الدين بن الخطيب عن تنوع لهجات الأندلسيين، فقد أشار في كتابه (الإحاطة في أخبار غرناطة) إلى لهجة أهل غرناطة، وإلى شيوع الإمالة في هذه المدينة، وذكر أن لهجة الغرناطيين أقرب اللهجات إلى العربية الفصيحة، وقد أشار ابن حزم الأندلسي إلى اختلاف لهجات الأندلس وتنوعها، ونبه إلى وجود الكثير من المفردات فيها بدلت العوام دلالاتها، وابتعدت بها عن مدلولاتها، التي وُضعت لها في أصلها، وهو أمر شائع في عموم اللهجات العربية«.

نستعين في هذا الجزء بملاحظات للدكتور محمد بن شريفة في تحقيقه للأمثال الأندلسية، التي مرت للإسبانية في كتاب أمثال العوام في الأندلس للزجالي القرطبي:

تأثر اللغة الإسبانية بالأمثال الأندلسية: السياق التاريخي

منذ وصول الإسلام لشبه الجزيرة الإيبيرية، أصبح الاحتكاك بين اللغة العربية، ومختلف اللغات الرومانسية التي تواجدت بشبه الجزيرة الإيبيرية أمرًا بديهيًّا.

نقصد باللغات الرومانسية، اللغات المنحدرة من اللاتينية ومن أهمها: الإسبانية، والفرنسية، والإيطالية، والبرتغالية، والكتلانية.

وما لا يعرفه البعض أن اللغة القشتالية، أي اللغة الإسبانية ظهرت لأول مرة خلال فترة الحكم الإسلامي في الأندلس، ظهرت في مقاطعة قشتالة الصغيرة بالشمال، وتسمى اللغة الإسبانية بالقشتالية نسبة لمنطقة (قشتالة).

كان نتيجة لذلك، أي نتيجة الاحتكاك بين الثقافتين، أن تأثرت اللغة القشتالية أو الإسبانية باللغة العربية، وبالعامية الأندلسية منذ فترة التكون الأولى. شكلت اللغة العربية اللغة الشائعة والأم في أندلس الحكم الإسلامي، وشاعت إلى جانبها اللغة المستعربة، وهي لغة رومانسية إيبيرية ممزوجة بالعربية الأندلسية.

نشأت الإسبانية في ظل ثقافة عربية أندلسية سائدة، وتبنى المستعربون (المسيحيون الذين عاصروا وسكنوا تحت الحكم الإسلامي في الأندلس)، تقاليد العرب ولغتهم، واهتموا بالحرف العربي‏، وكانوا يجيدون الشعر والنثر العربي، وينظمون القصائد، ويتفاخرون بإتقانهم للغة العربية.

غالبية المستعربين كانوا من أحفاد الإسبان من القوط واللاتين المسيحيين، وكانت اللغة الشائعة والأم في المقام الأول تحت الحكم الإسلامي هي اللغة العربية، وكانوا يتكلمون إلى جانبها اللغة المستعربة، وهي لغة رومانسية إيبيرية ممزوجة بالعربية الأندلسية.

تُقربنا الأمثال الأندلسية من السياق التاريخي والأدبي والاجتماعي للكيان الأندلسي في تلك الفترة، كما تحمل فوائد لغوية مهمة تتجلى في التعريف بعامية أهل الأندلس من حيث النطق والبناء والتركيب، وقد وُجِدَت في الأندلس لهجة عربية مصبوغة بكلمات رومانسية تظهر في الزجل، والأمثال، والرسائل العادية، والعقود المحررة، وكان كلام أهل الأندلس الشائع في الخواص والعوام كثير الانحراف عما تقتضيه أوضاع العربية.

وعن ظروف نشأة العامية الأندلسية، يوضح الدكتور محمد بن شريفة: »نشأت هذه العامية الأندلسية في ظروف لا نكاد نعرف من أمرها شيئًا ذا بال، مثلها في ذلك مثل سائر اللهجات العربية، وهي على كل حال ثمرة انتشار العربية في بيئات جديدة متعددة العناصر واللغات، ونتيجة اختلاط العرب الفاتحين بغيرهم من العجم والبربر، ومظهر لما يطرأ على اللغة من التغيير والتبديل، حين يتكلم بها غير أهلها«.

وجدير بالذكر هنا ما قاله ابن حزم عن عامية أهل الأندلس: »ونحن نجد العامة قد بدلت الألفاظ في اللغة العربية تبديلًا، وهو في البعد عن أصل تلك الكلمة كلغة أخرى ولا فرق، فنجدهم يقولون في العنب: العينب، وفي السوط: اسطوط، وفي ثلاثة دنانير: ثلثدا«.

تأثرت العامية الأندلسية بعدة مكونات لغوية: البربرية، والقيسية، واليمنية. وهي لهجات القبائل العربية الداخلة إلى الأندلس، بالإضافة إلى الإسبانية القديمة، حيث دخلت الكثير من المفردات العجمية للعامية الأندلسية، وأدرك ذلك ابن خلدون فقال: »فلأن البعد عن اللسان العربي نما هو بمخالطة العجمة، فمن خالط العجم أكثر كانت لغته عن ذلك اللسان الأصلي أبعد«.

«طشطون أخير من الجوع»: مثل بالعامية الأندلسية انتقل للإسبانية على هذا النحو:

«A falta de pan, buenas son tortas»

كلمة طشطون تحيل على الكلمةtostón» » بمعنى قطعة خبز مقلي أو طرطة. وهذه الصورة السابقة لطرطة الزيت الإشبيلية في إسبانيا المشهورة والمتداولة هناك حتى يومنا هذا.

تعليقات الفيسبوك