يحتفل الأمريكيون في «جوام» في 21 يوليو (تموز) من كل عام بذكرى استعادة السيطرة على الجزيرة من قوات الإمبراطورية اليابانية في عام 1944 قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن الذكرى 76 التي حلَّت قبل أيامٍ صادفت ظروفًا استثنائية، مُواكِبَةً تفشي فيروس كورونا المستجد على متن حاملة الطائرات ثيودور روزفلت في ميناء جوام. 

وعلى الرغم من أن هذه الظروف أجبرت قاذفات القنابل الإستراتيجية «B-52» ستراتوفورترس على مغادرة قاعدة أندرسون الجوية، لم يُخلِف العميد الركن جيريمي سلون، قائد الجناح 36 العادة الأمريكية الاحتفالية التي لم تنقطع طيلة ثلاثة أرباع قرنٍ، وأصر على إحياء «ذكرى تحرير» الجزيرة التي هي أكثر من مجرد إقليمٍ تمتلكه الولايات المتحدة، دون أن تشكل جزءًا منها. 

هذا الحِرص من قيادة قاعدة أندرسون الجوية على إحياء ذكرى «تحرير جوام» إنما يتماشى مع حقيقة أن التهديد المُحدِق بالجزيرة ليس فيروسيًّا فقط، بل صاروخيًّا أيضًا؛ ففي آخر نوبات زعيم كوريا الشمالية كيم جونج-أون هدد بإطلاق صورايخ «هواسونج-12» فوق مقاطعات شيمان وهيروشيما وكوتشي اليابانية باتجاه المياه القريبة من الجزيرة، وفق خطة من المقرر أن تكتمل ملامحها الأخيرة بحلول منتصف أغسطس (آب) المقبل. 

من رحلة ماجلان إلى «نهاية العالم».. بماذا يخبرنا التاريخ عن قاعدة أندرسون؟

تأسست القاعدة الجوية ابتداءً باسم «حقل الشمال»، قبل أن يعاد تسميتها إحياء لذكرى العميد الركن جيمس روي أندرسن، الذي قضى آخر أيامه في مسرح المحيط الهادئ على رأس أركان القوات الجوية، قبل أن يلقى حتفه في فبراير (شباط) 1945 عن عمر يناهز 41 عامًا في حادثِ تحطم طائرة بينما كان في طريقه إلى هاواي.

لكن بداية حكاية الجزيرة تعود إلى ألفَيْ عام قبل الميلاد، عندما كان الإندونيسيون والفلبينيون يستوطنون جزيرة جوام ويعيشون في سلامٍ، حتى حطَّ الأسطول الإسبانيُّ المرافق للرحَّالة والمستكشف البرتغالي فرديناند ماجلان برِحاله على شواطئ الجزيرة في عام 1521. 

ركب ماجلان ظهر المخاطر، غير آبه بوصف «خائن» الذي أطلقه عليه بنو وطنه؛ حين تخلَّى عن ولائه البرتغالي وتوجه إلى إسبانيا، وكانت حجته بسيطة: إذا كان الملك البرتغالي مانويل الأول رفض فكرتي الطموحة لاكتشاف طريق التوابل الجديد والوصول إلى شرق آسيا من الغرب، فكيف أرفض عرض الملك الإسباني كارلوس الخامس، الذي أنعم عليَّ بثروة كبيرة ومكانة رفيعة ولقب نبيل؟ 

بعد اتهامٍ جزافيٍّ بالسرقة، وإلصاق وصمة «جزيرة اللصوص» بالمكان، أعمل البحارة الإسبان القتل في رقاب السكان الأصليين من شعب شامورو وأحرقوا منازلهم؛ ليؤذنوا ببداية عصرٍ جديد من الغزو والاحتلال، تُوِّج بفرض التاج الإسباني سيادته على الجزيرة في عام 1565.

خلال فترة الاحتلال الإسباني للجزيرة، انخفض عدد السكان الأصليين بسبب القتال والمرض من 200 ألف إلى ما يقرب من 5 آلاف بحلول عام 1741، معظمهم من النساء والأطفال. ثم دارت عجلة الأيام – كعادة التاريخ – وما انتزعته إسبانيا عُنوةً، واحتفظت به لأكثر من 333 عامًا، تنازلت عنه عُنوةً أيضًا في عام 1898 بعد حربها مع الولايات المتحدة. 

لكن أثناء الحرب العالمية، في شتاء عام 1941، وبعد ساعات قليلة من الهجمات القوية على بيرل هاربور، التي تسببت في دخول الولايات المتحدة في الحرب، شنت قوات الإمبراطورية اليابانية هجومًا على جزيرة جوام الصغيرة، وفي أقل من 48 ساعة كانت تسيطر عليها، وطيلة فترة الحرب العالمية الثانية كانت تستضيف على الدوام حوالي 15 ألف جندي ياباني.

بعد قصفٍ استمر لمدة أسبوعين في عام 1944، اجتاحت القوات الأمريكية الجزيرة من الجنوب إلى الشمال، وبعدما عادت إلى سيطرة الحلفاء تحولت إلى قاعدة مهمة لمهاجمة اليابان في الحقبة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية. 

جدير بالذكر أن العديد من المحاربين اليابانيين بقوا في الجزيرة وقاتلوا لسنوات، حتى إن الجندي شويتشي يوكوي ظل مختبئًا في الغابة معتقدًا أن الحرب العالمية الثانية ما تزال مستعرة، بينما كانت المعارك قد وضعت أوزارها منذ قرابة ثلاثة عقود. 

بعدما استعاد الأمريكيون السيطرة على الجزيرة في عام 1944، كان قد استقر في روعهم – بالطريقة الصعبة – مدى أهميتها الإستراتيجية، ولذلك وقع عليها اختيارهم لتكون مقرًّا لقاعدتهم العسكرية الجديدة، والأولى في المنطقة، التي بنوها وافتتحوها في العام نفسه.

وطيلة العقود التالية، ظلت تلك الجزيرة مسرحًا للتوتر بين الولايات المتحدة، وكافة منافسيها سواء الاتحاد السوفيتي سابقًا، أو كوريا الشمالية حاليًا، بل تذهب وكالة سبوتنيك الروسية إلى القول إنها قد «تكون سببًا في الحرب العالمية الثالثة، أو حتى نهاية العالم».

قاعدة أندرسون الجوية.. ما أهميتها للإستراتيجية الأمريكية في المحيط الهادئ؟

إذا كانت جزيرة جوام هي«رأس الحربة» للإستراتيجية العسكرية الأمريكية في منطقة المحيط الهادئ، لأنها تتيح للقوات الأمريكية الوصول بسرعة إلى بؤر توتر محتملة مثل: بحر الصين الجنوبي، والكوريتين، والمضايق التايوانية، فقاعدة أندرسون الجوية تحظى بأهمية كبرى في قلب هذه الإستراتيجية، وهي إحدى منشأتين عسكريتين رئيستين في الجزيرة، إلى جانب القاعدة البحرية في الجنوب.

قاعدة أندرسون جوام

قاعدة أندرسون الجوية في الطرف الشمالي من جزيرة جوام الأمريكية. المصدر: بي بي سي. 

في الطرف الشمالي من الجزيرة الإستراتيجية، على بعد حوالي 15 ميلًا من العاصمة هاجاتنيا (المعروفة سابقًا باسم أجانا)، تقع القاعدة الجوية ضمن الـ25% من المساحة التي تمتلكها وزارة الدفاع الأمريكية في الجزيرة البالغ إجمالي مساحتها 212 ميلًا مربعًا. 

المهمة الأساسية لقاعدة أندرسون هي: تقديم الدعم الكامل للقوات الجوية الأمريكية، ولذلك اضطلعت بدورٍ رئيس في الصراعات الأمريكية المختلفة؛ إذ شاركت بنشاط في الحرب الكورية، وحرب فيتنام، بعدما عملت كقاعدة أمامية للعمليات العسكرية الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية. 

تواصل القاعدة حتى اليوم دعم العمليات الإستراتيجية في المنطقة، وتعمل قاعدة انطلاق للأنشطة العسكرية الأمريكية في آسيا وجنوب المحيط الهادئ، وهي تضمُّ أكبر مرفق لتخزين وقود الطائرات تابع للقوات الجوية، وأحد أكبر مستودعات القنابل الأمريكية، وأصبحت في مطلع الألفية الثانية أول منشأة خارج الولايات المتحدة القارية لتخزين صواريخ كروز بعيدة المدى التي تطلق من الجو.

يُعلي من شأن الأهمية الإستراتيجية لقاعدة أندرسون الجوية، بمدرجاتها الممتدة على طول ميلين، أنها واحدة من أربعة مواقع لقاذفات القنابل يسيطر عليها سلاح الجو الأمريكي حاليًا في أنحاء العالم، وشاركت بنشاط في كل صراع خاضته الولايات المتحدة، سواء كان ذلك في أوروبا، أو آسيا، أو المحيط الهادئ.

كما أنها مقر القوة الجوية 13 التي تشرف على القوات في سنغافورة وجزيرة دييجو جارسيا، تحت قيادة القوات الجوية في المحيط الهادئ (PACAF)، وجناح القاعدة الجوية 36 الذي يدعم جميع عمليات القوات الجوية الأمريكية، وسرب الحركة الجوية 634 التابع لقيادة الحركة الجوية (AMC)، والسرب الخامس لدعم المروحيات القتالية البحرية (HC-5). 

«العمود الفقري» للقاذفات الأمريكية.. من العراق إلى كوريا الشمالية

حتى قبل مغادرة قاذفات القنابل الإستراتيجية «B-52» القاعدة، وتلويح كوريا الشمالية بصورايخ «هواسونج-12»، كانت قاعدة أندرسون الجوية تتأهب منذ عام 2017 لتنفيذ خطة أعدتها وزارة الدفاع الأمريكية لتوجيه ضربة استباقية ضد كوريا الشمالية باستخدام قاذفات قنابل من طراز «B-1B». 

دولي

منذ 11 شهر
أقوى جيش في العالم يعمل بـ«الأجرة».. الارتزاق العسكري على الطريقة الأمريكية

انطلاقًا من تلك القاعدة الأمريكية، حلَّقت قاذفة من هذا الطراز في مايو (أيار) من ذلك العام فوق كوريا الجنوبية «للتدريب على إسقاط قنبلة نووية»، ضمن تدريبات مشتركة تشارك فيها هذه القاذفات من حين إلى آخر مع مقاتلات تابعة لكوريا الجنوبية واليابان لتحقيق هدفين: إظهار التضامن الدائم بين أمريكا وحلفائها في المنطقة، والاستعداد للتعامل مع أي مفاجآت في بقعةٍ من العالم طوارئها هي القاعدة لا الاستثناء.​​

وقبلها استخدمت أمريكا «B-1B» لأول مرة في جبهات القتال خلال عملية «ثعلب الصحراء» التي أطلقتها الولايات المتحدة وبريطانيا في الساعات الأولى من يوم 16 ديسمبر (كانون الأول) 1998 ضد مواقع حساسة في العراق متذرعة برفض نظام صدام حسين التعاون مع بعثة الأمم المتحدة للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل التي قالت إنه يمتلكها.

تحلِّق «B-1B» بأربعة محركات نفاثة، بسرعة تصل إلى أكثر من 1500 كيلومتر في الساعة، ويمنحها تصميمها المتميز القدرة على الطيران بعيد المدى والمناورة بكفاءة، على الرغم من أن طولها يبلغ 44.5 متر، وارتفاعها 10.4 أمتار، ووزنها حوالي 86 ألف كيلوجرام. 

هذه القاذفة التي يوجد منها 62 في الخدمة حاليًا، تتميز بالقدرة على «حمل كمية كبيرة من الأسلحة الموجهة وغير الموجهة، وإيصال كميات هائلة من الأسلحة الدقيقة وغير الدقيقة بسرعة إلى أي مكان في العالم، وفي أي وقت»، ولذلك توصف بأنها «العمود الفقري» للقاذفات الأمريكية، وتعدُّ «عنصرًا أساسيًّا في القوة الهجومية للجيش الأمريكي». 

​​كما أنها مزودة برادار متطور يستطيع تعقب المركبات التي تسير على الأرض واستهدافها، وبنظام للملاحة الجوية «GPS» يتمتع بدقة فائقة ويغني طاقمها عن الاستعانة بأنظمة الملاحة الأرضية، وتتمتع كذلك بقدرات كبيرة على تحليل جبهات القتال وجمع المعلومات من مراكز القيادة لشن الهجمات على الهدف بسرعة وبكفاءة.

أغلى كارثة جوية في العالم.. أن تخسر 1.4 مليار دولار في غمضة عين

على الجانب الآخر من هذه القوة العسكرية الهائلة، كانت قاعدة أندرسن شاهدة على واحدة من أكثر الحوادث تكلفةً في التاريخ الجوي، حين تحطمت طائرة «B2 سبيريت» بسبب خطأ ميكانيكي يوم 23 فبراير (شباط) 2008، ما كبَّد الولايات المتحدة خسارة إجمالية قدرت بـ1.4 مليار دولار في غمضة عين. 

خلُص التحقيق إلى أن السبب الجذري للحادث هي الرطوبة التي أفسدت أجهزة استشعار بيانات الهواء؛ إذ تسببت الأمطار الغزيرة في تسرب الرطوبة إلى مستشعرات بيانات الهواء التي أعطت مدخلات خاطئة لأجهزة كمبيوتر التحكم في الطيران؛ ما أدى إلى مزيجٍ مدمر من بطء سرعة الإقلاع وشدة انحراف زاوية الانقضاض.

وإذا كانت الرطوبة قادرة على هزيمة أغلى طائرة في العالم، فلا عجب أن تؤدي العواصف المتكررة في الجزيرة إلى إصابة المرافق خارج القاعدة بالشلل لأيامٍ أو حتى أسابيع، وتجبِر السكان على العيش بدون كهرباء في درجة حرارة 90 فهرنهايت (32 درجة مئوية)، ما يُذكِّر بالحدود البشرية حتى تحت مظلة القوة العسكرية الأكثر عُتُوًّا في العالم.

المصادر

تحميل المزيد