في 26 من يونيو (حزيران) الماضي، وقف 25 مرشّحًا ديمقراطيًا أمام الكاميرات في أوّل مناظرة تلفزيونيّة لاختيار مرشّح الحزب الذي سينافس الرئيس ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المزمع عقدها في السنة القادمة 2020.

ويتصدّر استطلاعات الرأي إلى حدّ الساعة جو بايدن، نائب الرئيس السابق أوباما، يليه السيناتور برني ساندرز ثم عضوة الكونغرس كامالا هاريس. لكن المتابعين يؤكّدون أنّه من غير الدقيق الاعتماد على استطلاعات الرأي هذه لتحديد من سينافس ترامب في انتخابات 2020، خصوصًا في هذا الوقت المبكّر قبل أكثر من ستة شهور من بداية الانتخابات التمهيديّة، ففي مثل هذا التوقيت في السنوات الماضية كان كلّ من الرئيسين ترامب وأوباما متأخّرين في استطلاعات الرأي، كما أن المرشّحين سيجرون سلسلة من المناظرات التليفزيونيّة تتبعها انتخابات في كلّ ولاية على حدة بدءًا من ولاية آيوا، ولن تدخل أيّة ورقة اقتراع إلى صناديق الانتخابات قبل فبراير (شباط) من السنة القادمة.

Embed from Getty Images

آندرو يونج

ومن بين مجموع المرشّحين الديمقراطيين الذين بلغ عددهم 25 مرشّحًا، يبرز اسم ريادي الأعمال الأمريكي من أصل فيتنامي آندرو يانج، إذ أثارت حملته الانتخابية الكثير من الاهتمام الإعلامي، بالإضافة إلى حضوره الطاغي على مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات الإلكترونيّة وحسن استغلاله للإنترنت من أجل التسويق لحملته الانتخابيّة. 

من المؤكّد أنّ أندرو يانج لا ينتمي لفئة السياسيين التقليديين الذين تعجّ بهم الساحة السياسية الأمريكيّة، فطريقة حديثه التي يعتمد فيها على الإحصائيات والحلول العمليّة المباشرة دون استخدام العبارات المبتذلة أو لغة الخشب أو اللعب على العواطف، جعلته يصعد في استطلاعات الرأي، وهو ما سمح له بالمشاركة في المناظرة التلفزيونية بين مرشّحي الحزب الديمقراطي لمنافسة الرئيس ترامب في انتخابات 2020.

ما يجعل يانج مثيرًا للاهتمام ومحطّ أنظار الكثير من المراقبين – رغم تأخّره في استطلاعات الرأي – ليس مجرّد طريقة حديثه التي لا تشبه بقيّة السياسيين، أو خلفيّته في مجال التقنية وريادة الأعمال عكس أغلبية المرشّحين الآخرين، بل نجاحه في استقطاب إعجاب وتأييد شرائح شعبيّة معتبرة من خارج الحزب الديمقراطي، أي من الجمهوريين والمستقلّين، وهي الميزة الأهمّ التي يحتاجها أي مرشّح يريد أن ينافس الرئيس الحالي، كما أثار دعم بعض قطاعات اليمين المتطرّف له بعض الجدل الإعلامي.

في التقرير التالي نحاول فهم الظاهرة التي صنعها المرشّح أندرو يانج، وأهمّ النقاط والسياسات التي طرحها في برنامجه الانتخابي، والأسباب الغريبة التي جعلت بعض الجمهوريين وحتّى أقصى اليمين يدعمونه.

ترامب يتنفس الصعداء أخيرًا.. ما يجب أن تعرفه عن نتائج تحقيقات مولر

«الانطوائي المتفوّق» يريد أن يصبح رئيسًا

يمكن القول إن قصّة يانج تشبه إلى حدّ كبير الصورة النمطية لطفل الأمريكي من أصل آسيوي، فوالداه مهاجران من فيتنام ذوي مستوى أكاديمي عالٍ، والده أستاذ جامعي عمل باحثًا في كبرى الشركات وحصل على 69 براء الاختراع، كما أن شقيقه أستاذ جامعي أيضًا، وهو ما عنى أن على آندرو أن يتبع «حِرفة العائلة» المتمثّل في الحصول على تعليم جامعي متقدّم، الأمر الذي قام به بالفعل من خلال دراسته القانون في جامعة كولومبيا، إحدى أعلى الجامعات تصنيفًا في الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد استغلّ يانج هذه الصورة النمطيّة عن الأمريكيين من أصل أسيوي – باعتبارهم أذكياء ومتفوّقين في الدراسة ويعملون بجدّ – أحسن استغلال، كما سوّق لهذا الانطباع باعتبار شخصيّته مُناقضة لترامب الذي يعطي انطباعًا بالرعونة والغباء والتهوّر، فعلى غِرار قبّعة ترامب الحمراء الشهيرة التي استخدمها في التسويق لحملته الانتخابيّة، والمكتوب عليها عبارة «MAGA» التي تعني «لنجعل أمريكا عظيمة مرّة أخرى»، سوّقت حملة يانج لقبّعة زرقاء مكتوب عليها «MATH»، والتي لها معنيان، الأوّل هو المعنى المباشر (الرياضيات) والثاني اختصارًا لعبارة «لنجعل أمريكا تفكّر أكثر».

Embed from Getty Images

آندرو يونج خلال حملة انتخابية في واشنطن

بعد الكثير من المضايقات والتعرض للسخرية خلال سنوات الدراسة بحُكم كونه الطالب الوحيد من أصل آسيوي في صفّه، وبعد مسار مهني قصير لم يتجاوز خمسة أشهر في مجال المحاماة، أسّس يانج رفقة شركاء شركة على الإنترنت سنة 2000 حين كان يبلغ 25 سنة ثم تنقّل عبر الوظائف حتى العمل مع صديقه على تأسيس شركة لتحضير الطلبة لامتحانات «GMAT» وهي الشركة التي سرعان ما أصبحت الأولى في الولايات المتّحدة في مجالها، ثم بيعت لاحقًا لشركة كُبرى بملايين الدولارات؛ مِما مثّل حينها نقطة النجاح الكبرى في مساره المهني حيث يبلغ حينها 35 سنة.

يقول يانج في كتابه «الحرب على الأشخاص العاديين» الذي خرج إلى النور سنة 2018 وعرض فيه قصّة حياته وأفكاره وسبب ترشّح للرئاسة: إنّه رغم كل هذا النجاح على المستوى الشخصي فقد كانت هنالك ظاهرة تضايقه للغاية: مئات الطلبة الذين كان يدرّسهم في شركته كانوا يبدون تائهين فيما يخصّ مسارهم المهني، وكان ينتهي بهم المطاف للعمل في الميدان المصرفي والبنكي في «وول ستريت» تاركين مُدنهم الأصلية التي تعاني الركود الاقتصادي كأوهايو وميشيجان وجورجيا وغيرها، وهو ما يعني أن هذه المدن تفقد مواهبها لصالح الشركات الكبرى التي توفّر فرصًا اقتصاديّة أكبر، ممّا يزيد وضعية هذه المدن سوءًا.

ولذلك قرّر إنشاء شركة تطوّعية جديدة تسمّى «venture for America» والتي تُعنى بتدريب الطلبة الذين يطمحون لتأسيس شركاتهم الناشئة في هذه المدن الأقل حظًا، من خلال ربطهم برجال الأعمال المحلّيين الذين يبحثون عن متدرّبين للعمل في هذه المدن، وذلك من أجل خلق فرص الشغل وتشجيع الإبداع، وقد حصل على تكريم من الرئيس أوباما في البيت الأبيض سنة 2012.

يانج رفقة الرئيس الأمريكي السابق أوباما في البيت الأبيض (2012)

لكن رغم كلّ هذه الإنجازات والنجاحات، كان هنالك ما يضايق يانج الذي توصّل إلى أن المجهود التطوّعي الذي يبذله يبقى أثره هامشيًا للغاية، إن لم يكن سلبيًا. ففي سنة 2016، وبينما كان يزور إحدى المدن الداخلية الفقيرة مرّ بجانب لافتات «المنزل للبيع» المنتشرة في كل مكان، وهو يشاهد مظاهر الفقر والحرمان والتشرّد والتأخر الاقتصادي الذي تعاني منه الكثير من المدن الداخلية في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم عاد إلى مقرّه في «وادي السيليكون» ورأى الفارق المهول في مستوى المعيشة والفرص الاقتصادية التي يحوزها محيطه مقارنة بباقي المدن.

يقول يانج: إنّه «أحسّ بأنّه شخصيّة في مسرحية، حين يأكل الأغنياء الوجبات الشهيّة بينما كلّ ما حولهم يحترق»، كل ذلك أدّى بيانج ليُدرك أنّ هنالك حدودًا لما يستطيع العمل التطوّعي أن يعمله، وأنّ مثل هذه المشاكل الكبرى التي تعاني منها الولايات المتحدة لا تكفي مجرّد جهود محدودة أن تغيّرها، وفي حين كان الجميع يشكرونه على ما يقوم به في شركته التطوّعية، كان يانج يتساءل: «لماذا تشكروننا؟ في الحقيقة المشاكل تزداد سوءًا».

«الآلة قادمة لتأخذ وظيفتك».. الانهيار الكبير الذي يحاول يانج وقفه

بفضل خلفية يانج التقنيّة فإنّه يدرك لحدّ كبير التطوّر الهائل في مجال الذكاء الاصطناعي، وما سيعنيه ذلك بالنسبة لملايين الوظائف التي ستختفي تمامًا لصالح الآلة، وهو ما سيعني نتائج كارثيّة على ملايين المواطنين الأمريكيين الذين سيجدون أنفسهم بدون عمل.

Embed from Getty Images

يمكن القول إن حملة يانج الانتخابيّة تسلّط الضوء على أزمة هيكليّة عميقة مسكوت عنها في الاقتصاد الأمريكي، فالحملة بمثابة الصرخة التحذيريّة من الخطورة الحقيقيّة التي تشكّلها منتجات التطوّر التكنولوجي على حياة المواطن الأمريكي البسيط، فقد أفرد يانج جزءً كبيرًا من برنامجه الانتخابي وفي كتابه «الحرب على الناس العاديين» من أجل التنبيه على النتائج الاقتصاديّة والسياسية الكارثية التي قد تنتج عن استمرار وتيرة الاستعانة بالآلات والأتمتة (automation) والذكاء الاصطناعي للاستغناء على ملايين الوظائف وإحالة جحافل من العمّال كل سنة إلى البطالة.

فحسب الاحصائيّات فإنّه خلال 12 سنة القادمة، واحد من بين كل ثلاثة أمريكيين سيفقد وظيفته لصالح الآلات، كما أنّ شركة «أمازون» للتسوّق الالكتروني تمتصّ كل سنة ما قيمته 20 مليار دولار من الأسواق التقليديّة لصالح التسوّق عبر الانترنت، والذي لا يحتاج إلى عمّال، وعكس ما يقوله البعض بأنّ هذه التكنولوجيّات ستقضي على بعض الوظائف لكنها ستخلق وظائف جديدة؛ يرى يانج أن هذا غير حقيقي، كما أنّه يعتبر أن فكرة إعادة تدريب وتأهيل هؤلاء العمّال لوظائف جديدة يبقى مجرّد خرافة،  بل إن الاعتماد المفرط على الآلات – والحتمي من ناحية التنافسية الاقتصاديّة – ستكون له آثار سياسيّة واجتماعيّة خطيرة، فهو سيؤدّي بملايين الأمريكيين العاطلين إلى المخدّرات والتشرّد، كما سيلجأ الكثير منهم إلى الحركات العنصرية المتطرّفة والشعبويّة بسبب تدهور الأوضاع الاقتصاديّة، وهو ما قد يفسّر وصول ترامب إلى البيت الأبيض.

ويرى يانج أن نتائج ظاهرة الاستغناء عن الموظّفين مقابل الآلات ستكون لها نتائج كارثيّة قد تؤدّي إلى انهيار المجتمع الأمريكي، ليس فقط بسبب العائد المادّي الذي توفّره الوظائف لملايين الأمريكيين فقط، بل لأن الأمريكيين يستمدّون قيمهم ومعنى حياتهم من العمل، وبالتالي فإنّ إحالة الملايين إلى البطالة سيعني أنّ حياتهم ستصبح بدون أي معنى أو غاية محدّدة، كل هذه العوامل ستؤدّي إلى خلق مجتمع شديد الطبقيّة يستولي فيها 10% من الأمريكيين على الثروة والسلطة، مقابلة طبقة دُنيا تشكّل 90% تعمل لدى الأخرى، وهو ما قد يقضي على الديمقراطيّة للأبد.

«UBI».. خطّة يانج الطموحة لوقف الانهيار

من أجل إيقاف هذا السيناريو المرعب، يقترح يانج في برنامجه الانتخابيّ خطّة متمثّلة في «حد أدنى للدخل» لجميع الأمريكيين البالغين بدون شروط، والذي يقدّره بألف دولار شهري، كضمان اجتماعي لمساعدة الأمريكيين على مواجهة الآثار الناتجة عن الأتمتة، ومن أجل أن يستفيد الجميع من الإنتاجيّة التي وفّرتها الآلات والذكاء الاصطناعي بدل أن تستفيد منها الشركات الكبرى فقط. 

من المؤكّد أنّه في نظام رأسمالي قاسٍ مثل النظام الاقتصادي الأمريكي، فإن مثل هذا الوعد الانتخابي في نظر الإعلام سيعدّ نوعًا من أنواع «الهرطقة السياسيّة» ويتّهم صاحبه بأنه «اشتراكي»، فمن أين سيأتي يانج بألف دولار لإهدائها لعشرات الملايين من الأمريكيين؟

Embed from Getty Images

آندرو يانج

صحيح أن مثل هذا الوعد يبدو أشبه بوعود السياسيين التي يغازلون بها قاعدتهم الانتخابيّة، ثم سرعان ما يتخلّون عنها فور وصولهم للسلطة؛ لكن يانج يؤكّد أنّ خطّته مدروسة من جميع الجوانب، كما أجاد التسويق لها عبر إطلالاته الاعلامية. حسب البرنامج الانتخابي ليانج فإنّ هذه الأموال ستأتي من أربع مصادر رئيسة: الأوّل هو ضريبة قيمة مضافة مقدّرة بـ10% على الشركات الكبرى التي تتّجه إلى إخفاء مداخيلها والتهرّب من الضرائب، من بينها «أمازون» التي يشير إلى أنّها لم تدفع أي فلس ضريبي في السنة الماضية، رغم مداخيلها الهائلة.

والمصدر الثاني من خلال إصلاح برامج المساعدات الاجتماعيّة الموجودة بالفعل، والثالث من خلال المداخيل الجديدة التي سينتجها برنامج «UBI» نفسه، إذ إنّ حصول الأمريكيين على ألف دولار إضافي شهريًّا سيدفعهم لاستهلاك منتجات أكثر وهو ما ستستفيد منه عجلة الاقتصاد وبالتالي مداخل أكثر للدولة. أمّا المصدر الرابع فهو ضريبة على الطبقات الأغنى وعلى المصانع الملوِّثة.

من المؤكد أن هذه السياسة اليساريّة ستحظى بشعبيّة عند اليسار باعتبارها «إعادة توزيع للثروة»، لكن ماذا عن أصوات الجمهوريين التي يحتاجها لهزيمة ترامب؟ يؤكّد يانج بأنّ مقترح «الحدّ الأدنى للدخل» ليس سياسة يساريّة، بل هي مطبّقة بالفعل في الولايات المتحدة في إحدى الولايات التي كانت تاريخيًّا معقلاً للجمهوريين، وهي ولاية ألاسكا التي توفّر لمواطنيها دخلاً ثابتًا من عوائد النفط، وبالتالي يؤكّد يانج أن مثل هذه السياسة ستحظى بدعم الأغلبية الشعبيّة، فكل ما يدعو إليه هو استنساخ تجربة ألاسكا وتوسيعها لتشمل باقي الولايات الأمريكية.

لكن ما هي أسباب دعم بعض شرائح اليمين المتطرّف وغُلاة البيض ليانج رغم موقفهم المعادي للمهاجرين؟ ترى بعض التقارير أن الأسباب هي حسن استغلال يانج للأنترنت من أجل التسويق لأفكاره وقبوله الظهور في عدّة برامج حواريّة و«بودكاستات» محسوبة على اليمينيين وتحاوره مع الآخرين بدون عُقد أو شروط مسبقة، وهو ما أعطى انطباعًا إيجابيًّا عنه بأنه مستعدّ للحوار مع الآخر وخلق أرضيّة مشتركة مع خصومه الأيديولوجيّين، كما أنّ يانج يؤكّد في حملته على عدم انتمائه «لا لليمين ولا إلى اليسار، ولكن نحو التقدّم» كما يشير شعاره الانتخابي، وهو ما أكسبه تعاطفًا جماهيريًا من خارج الأنصار التقليديين للحزب الديمقراطي.

وهو في كتاباته يحذّر من أنّ الشريحة التي ستكون أكثر عرضة للخطر إذا استمرّ الاعتماد على الآلات بهذه الوتيرة هم الأمريكيّون البيض، ويرى أنّهم أكثر فئة قد تتّجه نحو التطرّف والشعبويّة مع استمرار تردّي الأوضاع الاقتصاديّة، وهو ما اعتبرته بعض مجموعات اليمين المتطرّف مغازلة غير مباشِرة لهم ودعمًا لقضاياهم، رغم تأكيد يانج على رفضه لكلّ أشكال العنصريّة.

من المبكّر الحُكم على مشروع يانج الرئاسيّ في هذه المرحلة المبكّرة، خصوصً أنه يبقى متأخّرًا في استطلاعات الرأي، لكن حسن استعماله للانترنت كمحور رئيس لحملته الانتخابيّة، ونجاحه في استقطاب أنصار ومؤيّدين حتّى من خارج الحزب الديمقراطي، قد يجعل منه «الحصان الأسود» في الانتخابات التمهيديّة للحزب ديمقراطي، خصوصًا أنّ الحزب سيكون عليه أن يرشّح شخصًا يستطيع إقناع الناخبين من خارج الحزب إذا أراد إزاحة ترامب عن البيت الأبيض في انتخابات الرئاسة لسنة 2020.

أول رئيس مثلي الجنس.. ماذا سيتغير في أمريكا إذا فاز بيت بوتيجيج بالانتخابات؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد