لوقتٍ طويل، كانت الحيوانات حول العالم، مقصد السائحين والزوار، ممن تفتنهم الحياة البرية الجامحة، وهم على استعداد لقضاء ليلة في بيت أشجار في آسيا أو داخل غابة أفريقية، وزيارة المحميات الطبيعية وحدائق الحيوانات، فقط من أجل صورة فوتوغرافية، توثق لحظة الفوز بصحبة حيوانٍ بري. في الساحات العامة تقدم القردة عروضها البهلوانية لجذب السياح، وتطأطئ الجِمال الرأس من أجل أن يمتطيها الحالم بجولة تاريخية للأهرامات، تُركب الأفيال وترقص الدلافين والحيتان، لكن خلف كل هذا المظهر الخادع، واقع مؤلم. تروض الحيوانات بانتهاكها. فما الذي تعرفه عن حقوق الحيوان المهدرة والوجه المظلم للسياحة؟

1. «سوق برقاش».. حيث تنزف الجِمال في مصر

في تقرير عن تعذيب الجِمال في مصر، قالوا: «تبكي دمًا من الإذلال والعنف». كانت الجِمال دائمًا جزءًا لا يتجزأ من السياحة في مصر، تقول عن ذلك صحيفة «الصن» البريطانية، أن نصف مليون سائح بريطاني يزور مصر كل عام، وركوب الجِمال أمر لا بد منه بالنسبة إليهم، سواء أثناء مشاهدة الأهرامات أو خلال قضاء أوقاتهم على الشواطئ الشهيرة؛ إذ يمكنك مشاهدة المعالم السياحية القديمة في محافظة الجيزة، على ظهرِ الجمل، والتقاط صورة معه، بمقابل أقل من ستة جنيهات استرلينية.

لكن الوجه المرعب يكمن فيما وراء الكواليس، لا في الأماكن السياحية الشهيرة؛ إذ وعلى بعد ساعة من منطقة «الأهرامات»، يمكنك زيارة «سوق برقاش»، الذي يقع في شمال محافظة الجيزة ويعد من أهم أسواق الماشية في مصر. وفيه تُباع الجمال، وتعذب. تضرب على الخصيتين، وبالعصا و«الشوم». تبكي دمًا وتصرخ، وقد وثقت «منظمة حقوق الحيوان (PETA)»، المعاملة القاسية التي تلقاها الإبل في مصر بالصورِ.

مخلوقاتٌ ضعيفة تقف رغم حرارة الجو من السابعة صباحًا وحتى الثانية ظهرًا في السوق دون طعام أو شراب. يلتف حول جمل واحد من خمسة إلى سبعة رجال يحملون العصا؛ يضربون بلا تهاون. بعض الجمال كانت تنزف دمًا من أنفها، وتُخرج رغاوي بيضاء من أفواهها المكممة. ويشير التقرير إلى أن كل الإبل التي نراها في الأماكن السياحية الشهيرة وأمام منطقة الأهرامات وسقارة، قد جاءت من هذا السوق «القاسي»، وبعد أن ينتهوا منها سياحيًا، وتصبح بلا فائدة، تُساق إلى الجمال «المذبح»؛ وتصبح مصدرًا للّحوم.

بعد انتشار الصور، فعَّل رواد مواقع التواصل الاجتماعي وسم «#انقذوا_جمال_برقاش»، ناشدوا فيه المسؤولين بغلق هذا السوق البشع وعرضوا مشاهد وصورًا تندد بما تتعرض له الإبل المصرية من إذلالٍ وتعذيب. في الوقت ذاته، دعت «منظمة حقوق الحيوان (PETA)» إلى فرض حظر على استخدام الحيوانات في المواقع السياحية المصرية، وطالبت البريطانيين وغيرهم ممن يزورون البلاد الكفِ عن ركوب هذه المخلوقات الضعيفة، وأضافت: «السياح الذين يدفعون ثمن هذه الرحلة، يساعدوا بلا شك في إبقاء هذه التجارة مفتوحة».

تشير المنظمة إلى أن الإبل ليست وحدها مَن تعاني بسبب السياحة؛ إذ تُجبر الخيولِ أيضًا على نقل السائحين من وإلى المواقع الأثرية، وتُجلد أثناء ذلك حتى تواصل عملها في المناخ شديد الحرارة؛ إذا اتلكأت. وقد شوهدت بعض اللقطات لخيولٍ مصابة بجروحِ خطيرة في أجسادها جراء ذلك.

2. ترويض الأفيال في آسيا.. طعن وتجويع وعُزلة!

ركوب الفيلة، لطالما كان عامل جذب للسياحة البرية في دولٍ كثيرة منها تايلاند وماليزيا والصين، إلا أن هناك جانبًا مظلمًا تشهده عملية ترويض الفيلة الصغار، أغلبنا لا يعرف عنه شيئا. يبدأ بفصل هذه الأفيال عن أمهاتها، وهي رضيعة، ووضعها في مساحاتٍ صغيرة لتقييد حركتها بشدة، وهنا تبدأ عملية تعذيب ممنهجة تعمل على كسر روح وجسد وعقل هذه الحيوانات الذكية، منذ نعومة أظافرها، لتجعلها خاضعة للبشر، بطريقة قهرية.

أثناء عملية ترويض الفيلة، يصبح الضرب حلقة صغيرة جدًا مما تتعرض له هذه الكائنات؛ إذ يشمل الأمر الطعن المتكرر بخطافات الثيران، والتجويع والحرمان من النوم لعدة أيام. سلسلة كاملة من الانتهاكات تؤدي في النهاية إلى ندوب وإصابات دائمة.

كان هذا هو السبب الذي من شأنه خاطبت ناشطة حقوق الحيوان الفرنسية، بريجيت باردو، وزير البيئة الماليزي، تناشده إطلاق سراح أحد الأفيال البالغ من العمر 37 عامًا، واسمه لازاه، ويستخدمونه في حمل السائحين بجزيرة لنكاوي، في ماليزيا، قائلة: «الفيلة ليست مصممة لحملِ أشخاص على ظهورها طوال اليوم؛ إذ يؤدي ذلك إلى إصابة عمودها الفقري، إصابات مستديمة».

Embed from Getty Images

(الأفيال تطعن بخطافات الثيران)

«الكرسي الموضوع على ظهر الفيل، من أجل راحة الركاب، يؤدي إلى إصابة ظهره نتيجة للاحتكاك المستمر، مما ينتج عنه تقرحات. المشي المستمر يبلي قدميه ويسبب التهابات مزمنة في المفاصل. تعيش هذه الفيلة غالبًا مقيدة بالسلاسل، حياة منعزلة، لا تشبه في شيء حياتها الطبيعية». *ساوث شاينا مورنينج بوست.

في تقريرٍ نشرته «منظمة حماية الحيوان العالمية (WAP)»، وثق ما تتعرض له الأفيال في 220 موقعًا بين تايلاند سريلانكا والهند ونيبال ولاوس وكمبوديا، جرى الإشارة إلى الظروف المعيشية الرهيبة التي تضطر هذه الحيوانات البائسة لتحملها؛ إذ رأوا العديد من الأفيال مقيدة بسلاسل حول كاحليها، تعيش حياة منعزلة وتعاني من سوء التغذية، وإرهاق الرحلات السياحية طوال اليوم.

يشير التقرير إلى أن 77% من الأفيال الجميلة التي نراها أثناء زيارة الاماكن السياحية في آسيا، تعيش في ظروف غير ملائمة، ودون رعاية بيطرية جيدة، مما يجعلها عرضة للأمراض المزمنة.

في الوقت ذاته، أدى نهم سياحة الأفيال المزدهرة في البلدان الآسيوية إلى ازدياد عمليات الصيد. ففي دولة ميانمار يجري صيد أكثر من 100 فيل صغير سنويًا وتهريبها إلى تايلاند، ونتج عن ذلك تجارة غير مشروعة للحيوانات البرية في قارة آسيا. تموت الكثير من الفيلة الصغيرة جراء انفصالها عن أمهاتها. وبعضها يموت جراء التعذيب.

جمال مفخخة وبراغيث معدية.. أهم الحيوانات التي استخدمتها الجيوش في العصر الحديث

3. القردة تبكي من الجوع وشدة الألم في مراكش

لطالما كان المغرب رمزًا لسحرِ الشرق وغموضه، جمال الصحراء وتنوع الثقافات، الموسيقى والتسوق والطعام اللذيذ، فنانو الشارع والبهلوانات؛ وأخيرًا عروض القردة المنتشرة في الفضاءات السياحية المغربية؛ إذ دُربت القردة في ساحات المغرب العربي على أداء العروض البهلوانية لجذب السائحين من أجل المشاهدة والتقاط الصور الفوتوغرافية، إلا أن خلف هذه الصور، مشاهد مروعة من ضربٍ وسحل لأطفالِ القرود.

Embed from Getty Images

(قرد مُقيد من عنقه)

تحكي إحدى زائرات مراكش عن رحلتها في إحدى الساحات، ومشاهدتها للطريقة التي تُعامل بها القردة، عندما لا يكون هناك سياح حاضرون. كان بينهم طفلًا يصرخ من الألم. مقيد بسلسلة حديدية حول رقبته. تقول: «لم يلتفت الحارس لمعاناته، وقام بسحله على الأرض». كان الحارس قد اقتنى العديد من أطفال القرود، بحسب الزائرة، محبوسة في أقفاصٍ معدنية صغيرة، بلا ماء في طقسٍ حارق. أحد أصحاب القرود الآخرين كان يركل قردًا صغيرًا في الوجه والمعدة.

تقول الزائرة إن أحد الرجال قد طلب منها مالًا عندما التقطت له صورًا، وأصبح عدوانيًا، مما دفعها للذهابِ إلى مركز الشرطة، هناك أخبرها الشرطي أنه ليس من القانوني اقتناء قرود حتى، لكنهم عاجزون عن فعل أي شيء.

في تقريرٍ آخر، جرت الإشارة إلى أن أسواق الحيوانات في المغرب العربي، تضم مجموعة واسعة من الحيوانات البرية المهددة بالانقراض، منها قرد المكاك البربري، والذي يباع مقابل 500 دولار. ويحتفظ البائعون بالحيواناتِ في علبٍ معدنية، وتحت ظروف معيشية سيئة بلا غذاء أو ماء. قيدت القرود بسلاسل حديدية حول أعناقها، يضيف التقرير: «كانت الحيوانات تموت ببطء، موت مؤلم دون داع».

4. السياحة تقتل أُسود أفريقيا حرفيًا

شهدت جنوب أفريقيا واحدة من أشد حالات إهمال الحيوانات على الإطلاق؛ بحسب تقرير «ناشيونال جيوغرافيك»، شهد المجلس الوطني لمنع القسوة على الحيوانات (NSPCA)، في أحد محميات الحيوانات 27 أسدًا مصابًا بمرض جلدي يسببه العث الطفيلي. كانت حالتهم سيئة إلى درجة أن فقدوا فراءهم. يفيد المفتشون أن الحيوانات كانت محتجزة في أقفاصٍ قذرة، ومزدحمة؛ إذ كان هناك أكثر من 30 أسدًا محتجزين في مكان لا يكفي سوى اثنين.

كان هناك ثلاثة أشبال تعاني من التهاب السحايا، وهو التهاب يصيب الدماغ والنخاع الشوكي. كانت الأشبال غير قادرة على المشي، واضطر الطبيب البيطري إلى استخدام «الموت الرحيم»؛ ليرحمها من عذاباتها. جاءت التقارير تؤكد أن الأسود المحتجزة في محميات جنوب أفريقيا، غالبًا ما يحتفظون بها في ظروف معيشية غير مرضية.

(إعلان فيلم وثائقي يؤرخ ما تتعرض له الأسود في جنوب أفريقيا)

في تلك المنتزهات السياحية، يدفع الزوار من أجل مجالسة شبل صغير أو إطعامه والتصوير معه، وعندما تشبُّ الأسود قليلًا، تنمو حينها سياحة «التمشية» مع الأسد داخل المتنزه، والتي يستمتع بها السائحون.

في نهاية حياتها، تُعرض الأسود على صائدي الجوائز -غالبًا من الولايات المتحدة الأمريكية- وفي أماكن مغلقة محاطة بسياج، يقوم الصيادون بإطلاق الرصاص على عجائز الأسود، هنا تنتهي سياحة أسود أفريقيا الغارقة في الدماء. يحتفظ الصيادون بالرؤوس والفراء، وتُصدر العظام والأجزاء الأخرى إلى آسيا، حيث يستخدمونها في ممارسات الطب التقليدية.

5. الحيتان حبيسة مدى الحياة في حدائق أسبانيا المائية

تشتهر جزر الكناري في أسبانيا، بوجود كميات كبيرة من حيتان الأوركا -وهي حيوانات مائية من عائلة الدلافين- تؤدي عروضها الاستعراضية والحيل أمام الحشود المبتهجة في الحديقة المائية المعروفة بإسم «Loro Parque»، والتي يزورها آلاف السائحين كل عام دون أن يعرفوا ما الذي تتعرض إليه تلك المخلوقات المائية المبهجة.

في تقرير نُشر بصحيفة «ديلي إكسبريس» البريطانية، جرت الإشارة إلى أن «منظمة حقوق الحيوان (PETA)»، طالبت السائحين بمقاطعة الحديقة؛ إذ وثقوا بصورٍ  فوتوغرافية أجساد تلك الحيتان تغطيها الندوب، مما أثار جدلًا حول مزاعم تتهم الحديقة بإساءة معاملة الحيوانات. في الوقت ذاته نفت الحديقة هذه التهم عن نفسها، وهددت برفع دعوى قضائية ضد الجمعية الخيرية لحقوق الحيوان.

Embed from Getty Images

(احتجاجات ضد ما تتعرض له حيتان الأوركا في أسبانيا)

كان شهود العيان لمنظمة حقوق الحيوان قد شاهدوا الحيتان مستلقية في المياه بسأمٍ، وهي علامة شائعة لإصابتها باضطراباتٍ نفسية. ذكروا أن حيتان الأوركا كانت تعاني من مخاط حول أعينها نتيجة للرعاية السيئة والمياه الرديئة في حوضِ السمك الخاص بها. وقد أظهرت الفحوصات أضرارًا بالغة في الأسنان.

كانت إحدى هذه الحيتان المصورة، أنثى تدعى مورجان، أُسرت منذ عام 2010 قرب السواحل الهولندية، وبقت حبيسة الصندوق الخرساني، خمسة أعوام، تؤدي العروض الترفيهية للسائحين ثلاثة مرات في اليوم. كانت نحيفة ومريضة وكان حبسها مدة خمس سنوات له آثار مدمرة على صحتها. أشار التقرير أن الأماكن المخصصة لمواقف سيارات الزوار أكبر بكثير من الحجرة الصغيرة المخصصة منزلًا للحيتان.

«بالنسبة إلى الثدييات البحرية مثل الدلافين، العيش داخل خزانات مياه صغيرة يتناقض تمامًا مع طبيعتها وطبيعة حياتها الجامحة. هذا السجن ليس حياة على الإطلاق». *نيك ستيوارت

في عام 2019، نشرت «منظمة حماية الحيوان العالمية (WAP)»، تقريرًا يشير إلى أن الحيتان الأسيرة والدلافين والثدييات البحرية الأخرى ما زالت تعاني حتى يومنا هذا؛ إذ اعتادت الحيتان البرية على قطع مسافة من 40 إلى 100 ميل يوميًا، إلا أن الدراسات منذ عام 2014، تشير إلى أن حيتان الأوركا الحبيسة تقضي يومها تقريبًا مستلقية بلا حراك، وتعاني من الإجهاد الشديد والسلوكيات العصبية والعدوانية. وأن الدلافين أكثر عرضةً للموت عقب انتشالها من البرية بستة أضعاف.

يشير التقرير إلى الصورة المروعة القاسية خلف كواليس المتنزهات البحرية التي تأسر الدلافين والحيتان أدواتٍ للتسلية والترفيه؛ إذ تستبدل تلك الحيتان عالمها اللامحدود بخزانات مياه صغيرة جرداء، مدى الحياة، إضافةً إلى معاناة الأسر والنقل.

«لستِ أمًا قاسية كالوقواق».. ما الأسباب التي قد تدفع الحيوانات لقتل صغارها؟

المصادر

تحميل المزيد