بين اعتبار الحيوان تجسيدًا حقيقيًا للإله، واعتباره وسيطًا للإله، أو حتى وضعه رمزًا للتقديس، مارس بعض الناس من ثقافات مختلفة عبادة الحيوانات، وفي الأساطير اليونانية الرومانية القديمة كانت الآلهة في الغالب تتنكر في أجساد الحيوانات، بينما في الحضارة الفرعونية كانت الحيوانات محل اهتمام وتقديس وعبادة أيضًا.

أما الهنود فهم إلى الآن غارقون في عبادة الحيوانات، وتتسع الدائرة لتشمل حضارات آسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا وأغلب، وبين الحضارات القديمة والحياة الحديثة لا تزال عبادة الحيوانات تشغل حيزًا كبيرًا في عقول بعض البشر.

عبادة الثعبان.. الإله ذو الدم المباح

حظي الثعبان بمكانة متميزة بين تقديس وتأليه في ثقافات وحضارات مختلفة؛ ففي الحضارة الفرعونية كان هناك الإلهة واجيت، والتي كان يرمز لها بثعبان الكوبرا، أو امرأة برأس الكوبرا، وفي أساطير الأزتك المكسيكية كان «ثعبان الريش» هو المعلم العظيم للبشرية، وفي الحضارة اليونانية كان الثعبان يعتبر إلهًا في كثير من الأحيان، وفي روما خلال فترة الإمبراطورية؛ حافظوا على ثعبان مقدس داخل المدينة، وكانوا يحضرون إليه القديسين العذارى، ويقدمون له الطعام، فإذا رفض الثعبان قبول الطعام من يد أحد الحاضرين فهذا يعني أن القديس الخادم لم يعد عذريًا، ويقتل على الفور.

أما في بلاد ما بين النهرين فالأفعى لديهم كانت خالدة؛ لأنها سطحت جلدها وظهرت في غطاء جديد، ودمجت طقوس الأفاعي الهندوسية البدائية في عبادة كريشنا، وفي النهاية إلى عبادة فيشنو، وتروي بعض الأساطير البوذية أن بوذا أُعطي البوذية الحقيقية من ملك الثعابين، وهو الكوبرا غالبًا.

امرأة هندية تصلي للثعبان

في تايلاند لا يزال بعض القرويين يؤمنون بقوة «الكوبرا الملك» وهو من أنواع الكوبرا الأكثر ذكاءً والأكثر سمًا في العالم، إلا أن كل هذا لا يهم القرويين في تايلاند، والذين يعتقدون أنه من ثعابين الملائكة، ولديه قدرات خارقة، بل ويتمنون رؤيته لإيمانهم بأنه يمنح الثروة والصحة والحظ، لم يتوقف الإيمان بالكوبرا عند هذا الحد، بل شيد القرويون في تايلاند للكوبرا الملك أضرحة للتبرك به مثل ضريح «كوبرا كوين» الموجود في مدينة ثونبوري بالعاصمة التايلندية بانكوك، ويضم الضريح العديد من التماثيل الذهبية للكوبرا؛ بجانب تمثال مذهب كبير للكوبرا تقدم له والدعوات والتضرعات، لكن ليس كل القرويين في تايلاند يؤمنون بعبادة الكوبرا، فهناك من يرفض عبادتها ويكتفي فقط بشرب دمائها بغرض الشفاء من الأمراض الخطيرة مثل التليف الكبدي.

لماذا يحاور البعض الحيوانات الأليفة كما لو كانت بشرًا؟ علم النفس يجيبك

إذا كنت تخطط لزيارة قريبة للهند، فعليك أن تذهب إلى ولاية كيرالا المليئة بالبساتين والغابات، لكن لا تتعجب لأن أغلب بساتين كيرالا بها تماثيل للثعبان، وبالأخص أن عبادة الثعبان لا تزال موجودة حتى الآن في الولاية، ويمكنك زيارة معبد ماناراسالا في بلدة ألابوزا، وهذا المعبد من المراكز القديمة جدًا لعبادة الثعبان والمعروفة دوليًا للحج، وأغلب قاصدي هذا المعبد من الأزواج الذي لم يرزقوا بطفل، وهناك أنواع معينة من الأطباق تقدم قرابين للثعبان حتى يستجيب لطلبك، فمثلًا إذا كنت مصابًا بمرض وتريد علاجًا، فعليك أن تقدم طبقًا من الفلفل والخردل والبازلاء.

قليلون حول الكلب.. كثيرون حول القرد

يستخدم البشر عادة أوصاف الحيوانات لإهانة الغير، كالكلب وهي من الأكثر استخدامًا، والحمار يستخدم عادة لوسم شخص بالغباء، والقرد لوسمه بالحركة المفرطة، وعلى الأرجح لم يُعبد الحمار في أي من الثقافات، ربما القليل من التبجيل في جداريات المعابد الفرعونية، أما الكلب والقرد فكان حظهما أوفر مع البشر، فهما قد عبدا ولا يزالان يُعبدان إلى الآن.

أطفال من نيبال يزينون كلب من مهرجان تيهار

قدس المصريون القدماء الكلب، وخلدوه باعتباره رمزًا دينيًا على جدران معابدهم، أما الآن فالكلاب في جمهورية نيبال وأجزاء من الهند – ووفقًا لمعتقدات إحدى الطوائف الهندوسية – رسول إله الموت، ويعتقدون أيضًا أنهم يحرسون أبواب الجنة، ويقام في نيبال مهرجان سنوي لمدة خمسة أيام يعرف باسم مهرجان «تيهار» لتقديس الكلاب وتكريمها.

الفرضية المُحرَّمة.. هل تمتلك الحيوانات وعيًا مثلنا؟

أما هانومان فهو إله القرد لإحدى الطوائف الهندوسية، وهو أحد الشخصيات الدينية الأكثر شهرة في الهند، وهناك يؤمنون أن القرد هانومان هو تجسيد للرب شيفا، ويعبد باعتباره رمزًا للقوة البدنية، والمثابرة، والإخلاص، أما معابد هانومان فهي من الأكثر شيوعًا في الهند، ويحتفل الهندوس بعيد ميلاد هانومان مرة كل عام عند اكتمال القمر؛ ووقت شروق الشمس في الشهر الهندوسي شيترا وهو ما يوازي شهر أبريل (نيسان).

يؤمن الهندوس أن هانومان رمز مثالي للولاء، وتساعد عبادته الفرد على مواجهة الطاقة السيئة المتولدة عن العمل الأناني، ويمنح الفرد قوة إيمانية في رحلة الحياة، وأيضًا تستخدم صور هانومان ورسومه في قضايا الشعوذة، والتمائم الوقائية من السحر؛ والمنتشرة بكثرة بين الهنود.

Embed from Getty Images

أفراد من الهندوس يرتدون زي القرد هانومان ويشاركون في موكب ديني في مهرجان هولي بالهند

الأمريكيون الأصليون يفضلون عبادة الغراب

مع أن الغراب في بعض الثقافات ينذر بالموت، إلا أن هناك ثقافات نظرت إليه باعتباره مصدرًا للقوة، أما أساطير الدول الإسكندنافية فصورته رسولًا بين عالم الأحياء والأموات، أما الأمريكيون الأصليون فيزعمون أنه اكتشف أول البشر المختبئين وجلب لهم التوت وسمك السلمون، واعتقدت قبائل الأمريكيين الأصليين أن الغراب صاحب رؤية ثاقبة؛ فما تراه العين ليس بالضرورة هو الحقيقة، لذا يستدعون الغراب لتوضيح الأمور.

غراب منحوت على شجرة في ولاية الأسكا الأمريكية يخص الهنود الحمر

الأمريكون آمنوا بالغراب إلى درجة أنهم ظنوا أن الغراب هو نذير لرسائل من الكون،  تأتي هذه الرسائل من ما هو أبعد من الفضاء والزمان تحت أجنحة الغراب في منتصف الليل لأفراد القبيلة الذين يستحقون المعرفة، ويرون أيضًا أن الغراب حارس الأسرار، ويمكن أن يساعد الأفراد في تحديد الإجابات المجهولة له في الحياة، ويكشف الحقيقة عنها ويعيد الأفراد إلى الصحة والحياة الجيدة.

الذئب.. أساطير الخلق لا تنتهي

التفت حضارات وثقافات الشعوب المختلفة حول الذئاب باعتبارها رمزًا للقوة والألوهية في آن واحد، ووفقًا للأساطير السنغالية، كان الذئب أول كائن حي وأول مخلوق ذكي، أما المغول والأتراك فلديهم أساطير مشابهة أنهم انحدروا من الذئاب، وأما أمريكا الشمالية فتشير الأساطير أن الذئب كان أبًا للشعب وخلق السماء والأرض، ولم تختلف الأساطير الإسكندنافية واليونانية عنهم كثيرًا؛ فالذئب كان مصدر ولع لتلك الثقافات المختلفة.

حتى منتصف القرن التاسع عشر كان الذئب يعبد في اليابان باعتباره رسولًا إلهيًا أو الإله نفسه، وكان يحمي الحصاد من السرقة، حتى جاءت حكومة الإمبراطور ميجي ووصفت الذئاب بأنها مخلوقات غير صالحة للمجتمع المتحضر، وشجعت الصيادين على قتل الذئاب والتي كانت تنتشر في اليابان، وقد قتلت ملايين من الذئاب حتى أوشك على الانقراض في القرن العشرين.

تمثال للإله الذئب من مزار ميتسوميني في اليابان – مصدر الصورة: donnykimball

لم ينسَ اليابانيون إلههم، ظل العديد من الشعب الياباني مخلصًا لإله الذئب، وظلت أضرحة الذئب موجودة ولا يزال إلى الآن يتوجه إليها الأفراد المؤمنون بها، ويؤدون الطقوس الخاصة بها، وأبرز هذه الأضرحة مزار ميتسوميني في مقاطعة سايتاما، ويقصدها من يرغب في الزواج؛ فيكتب اسم من يحب على قطعة من ورق ويضعها أسفل شجرة الزواج، ثم يصلي من أجل زواج جيد، وينتظر أن يستجيب الإله الذئب لصلاته.

الفيل.. أذن كبيرة تستمع بعناية

رأت الحضارات الآسيوية في الفيل ما لم تره في الحيوانات الأخرى، فهو ضخم وجيد للقتال، وفي العصور القديمة كان مصدر حسم للمعارك، ظهوره كان كفيلًا بردع المحتلين، ومن ساحة القتال جاء دور الفيل الديني ليحتل مكانة إلهية مميزة بين الأديان الآسيوية، ولا تزال تحظى بالتبجيل حتى اليوم كرموز روحية، فالبوذيون يؤمنون بأن ما يسمى بـ«الأفيال البيضاء»، وهو فيل فاتح اللون، وفي تايلاند تعتبر الفيلة البيضاء ملوكًا.

تاريخ أوروبا «المجنون» في محاكمة الحيوانات.. حتى النمل لم يفلت من العقاب

والفيل حيوان مقدس لدى الهندوس في الهند، وتؤمن بعض طوائف الهندوس أنه تجسد حيّ للإله جانيش، وهو واحد من أهم وأبرز الآلهة الهندوسية، ويصور في المعابد برأس فيل وجسم فأر أو جسم إنسان، ووفقًا للهندوس فإن كل جزء من الإله الفيل لديه وظيفة رمزية، رأس جانيش تعني القدرة على اكتساب الحكمة والمعرفة، الأذن الكبيرة تمنح الصبر والاستماع بعناية، أما عيون جانيش الصغيرة فهي تنظر إلى المستقبل وتتعرف على الحقيقة، في حين أن جذعه الطويل قادر على شمّ الخير، ويرمز بطنه الكبير إلى القدرة على هضم كل من الأفضل والأسوأ في الحياة. أما الجسم فهذا للقدرة على التحرك بسرعة وحسم.

من موكب الإله جانيش في مهرجان جانيش الديني في الهند

يحظى جانيش بتقدير واسع من معظم الطوائف في أنحاء مختلفة في الهند، بغض النظر عن أي انتماءات روحية أخرى، ستجد صورته في كل مكان في الهند؛ وفي أشكال عديدة ومختلفة، ويرتبط جانيش أيضًا بأول مركز من مراكز الطاقة السبع المعروفة بالشقرات، ويمنح أيضًا النجاح والازدهار والحماية من الشدائد.

عبادة البقر.. الأكثر تعقيدًا

تختلف الطوائف الهندوسية في نظرتها لحيوان البقرة، ثمة طوائف تكن لها الاحترام والتبجيل، وأخرى تقدس وتأله، ووفقًا لوجهة نظر الطوائف المبجلة للبقر فإنها لا تعبدها؛ بل ترى أن كل الحيوانات مقدسة علي وجه العموم، والبقرة بالأخص لأنها رمز للأرض المغذِّية المعطية دائمًا، البقرة تمثل لديهم الحياة نظرًا لسخائها الشديد، فلا تأخذ سوى الماء والعشب والحبوب، بينما تمنح البشر الحليب، والقشدة، واللبن، والجبن، والزبدة، وأيضًا السمن، وأيضًا فإن البقرة إذا ذبحت تمنح اللحم والعظم والجلد وكل شيء فيها يستخدم بطريقة أو بأخرى.

Embed from Getty Images

جماعة هندوسية من حماة البقر يقفون على طريق سريع لضبط عربات محملة بالأبقار

أما الطوائف الأخرى المتشددة فهي تعبد البقر حقًا، بل إن هناك جماعات مسلحة تترصد من يذبح البقر ويأكله، لتقتله وتأخذ البقر من عائلته، عرفت هذه الجماعات باسم «حماة البقر»، يطوفون البلاد ويأخذون البقر من المسلمين والمسيحيين عنوة ليحافظوا على حياة البقر، ورغم أن الحكومة الهندية تحاول السيطرة على هذه الجماعات، إلا أنها لا تزال تعمل في وضح النهار، ويصور بعضها مشاهد ضرب البقر وسرقتها، ويبثون على «يوتيوب»، قائلين: «ديننا أعطانا الحق في وقف ذبح أمنا».

المصادر

تحميل المزيد