تقع كلمة الفيزياء أحيانًا على أذن معظم الناطقين بالعربية وكأنها مقدمة فيلم رعب، تلك المادة الدراسية التي كنا نسمع أنباء عن إغماء بعض طلاب الثانوية العامة يوم امتحانها، وتتراءى لنا أرقامًا ورموزًا غريبة لا يمكن فهمها إلا بصعوبة شديدة.

 على الجانب الآخر ربما يكون الطالب الذي كان يتملكه الرعب من الفيزياء؛ يحب أفلام المخرج البريطاني كريستوفر نولان والتي ترتكز أفكارها على نظريات فيزيائية، ويمكنه أن يشاهد حلقة كاملة لـ«الدحيح» وهو يتحدث عن الفيزياء ويستمتع بها بل يفهمها أيضًا، وهذا لأن الفيزياء علم قد يراه الكثير ممتع ومثير للاهتمام.

الفيزياء هي كلمة مشتقة من كلمة يونانية تُنطق «فيزيقا» والتي تعني حرفيًا علم الطبيعة، أو بما معناه فهم قوانين الطبيعة والكون، وآلية عملهم، وهو العلم الذي تراه معقدًا للغاية؛ لكننا في هذا التقرير، نخبرك أن العلم الحديث أثبت أن هناك الكثير من الحيوانات تفهم قوانين الفيزياء، وتطبق تلك القوانين، وتمارسها طوال حياتها، فكيف يحدث ذلك؟

قانون الدفع وقانون الاحتكاك 

عندما تشاهد مباراة كرة قدم ويحين وقت ركلة الجزاء، تجد اللاعب يعود للوراء بضعة خطوات قبل أن يركض مسرعًا تجاه الكرة ليركلها في اتجاه مرمى الأهداف، تلك الخطوات التي أخذها اللاعب للوراء، ثم السرعة التي تقدم بها نحو الكرة تعد بمثابة «شحن» لقوة دفع الكرة، و«قوة الدفع» قانون من قوانين الفيزياء.

قد تكون جُملة: «لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس في الاتجاه» مألوفة بالنسبة لك منذ أن درست الفيزياء، وهي جزء من قانون الحركة الثاني لإسحاق نيوتن، ويحدث عندما تُبذل قوة خارجية على جسم ساكن، أو جسم يتحرك في خط مستقيم، أو كما أوضحنا في المثال السابق فيما يفعله لاعب الكرة.

لكن هذا اللاعب يتمتع بالذكاء الإنساني والعقل الذي يسمح له فهم قوانين الفيزياء، سواء عن طريق دراستها، أو طريق تمريرها له من الأجيال السابقة، وقوة الدفع هذه يمكن للبشر قياسها بقوانين معقدة جدًا؛ ومع إدراك وزن الأجسام المشاركة في الدفع وسرعتها نستطيع أن نتنبأ بدقة شديدة أين ستصل تلك الكرة التي ركلها اللاعب، ولكن ماذا لو رأيت حيوانًا يتراجع بنفسه إلى الخلف قبل ركل كرة ليشحنها بقوة الدفع؟ شاهد المقطع التالي.

في بداية المقطع ترى ماعزًا صغيرًا يفعل الحركة نفسها بالضبط، فهو يدرك بطريقة ما أن رجوعه بضعة خطوات للوراء، ثم اندفاعه للأمام تمنح للكرة قوة دفع. فهل تفهم الحيوانات الفيزياء؟

في كتابه «Furry Logic: The Physics of Animal Life» وضح الكاتب والفيزيائي ماتن دوراني أن الحيوانات في أنحاء العالم وبجميع أنواعها تمارس أفعالًا تدل بما لا يدع مجالًا للشك أنها تفهم قوانين الفيزياء، وآلية عمل الطبيعة والكون، على سبيل المثال في كندا هناك نوع من الأفاعي تعيش الآلاف منها تحت الأرض في فصل الشتاء بسبب الطقس شديد البرودة.

ولكن عندما يأتي الربيع، ويبدأ الثلج في الذوبان، تبدأ الثعابين في البحث عن الدفء، والتزاوج أيضًا، وتلك النوعية من الثعابين تمارس الجنس بطريقة غريبة بعض الشيء، فحين تطلق الأنثى فيرموناتها في كل الأنحاء، يأتي الذكور من كل صوب ويلتف عشرات الثعابين حول تلك الأنثى الوحيدة في ظاهرة يطلق عليها علماء الحيوان «كره التزاوج».

لكن يكون هناك ذكور لم يزل البرد القارس يؤثر عليها، فتلجأ لحيلة تستخدم خلالها قانون الفيزياء الذي يوضح أن الاحتكاك يوّلد الحرارة الخاص بالديناميكا الحرارية.

ولذلك قد تشم ذكور الثعابين رائحة فيرمونات الأنثى، وتسرع لتشكيل الكرة للتزاوج، لكنها لا تجد أنثى في الأسفل! بل ذكرًا قد سرق السائل الذي وجده على أنثى تزاوج معها من قبل، وتعمد أن يُغرق نفسه في هذا السائل الجنسي حتى يجذب له باقي الرجال لتتحكم بجسده وتمنحه الدفء الذي يتمناه، والحيل التي تلجأ إليها الحيوانات لسرقة الحرارة الجسدية من الحيوانات الأخرى هي ظاهرة منتشرة في عالم الحيوان ويطلق عليها «kleptothermy».

«هل علبة العصير فارغة؟»

عندما تشرب من علبة معتمة لا تظهر كمية العصير المتبقية في نهايتها؛ بحركة تلقائية تمامًا تهز العلبة لتسمع إذا كان هناك المزيد من السائل في أسفل العلبة، سواء تعلمت قوانين الفيزياء أم لا، ستفعل هذا؛ لأن ذكاءك وخبرتك البشرية قد علمتك أن احتكاك الأجسام ببعضها يصدر عنه صوت، وكلما كانت الحركة أقوى كلما كان الصوت أعلى، ولهذا تهز علبة العصير بقوة لتسمع اصطدام السائل بها، هذا الذكاء الفطري في فهم الفيزياء ليس للبشر وحدهم.

في دراسة أجريت باليابان في عام 2016، أكد القائمون عليها أن القطط تفهم قوانين الفيزياء بما فيها المثال السابق، ومن خلال دراسة 30 قطة منزلية، لإثبات إذا ما كانت القطط تستطيع من خلال الصوت فقط تحديد إذا كانت الحاوية البلاستيكية السوداء فارغة أم ممتلئة.

وتأكد الباحثون أن القطط قادرة على ذلك، وكانت دائمًا ما تسعى للوصول إلى الحاوية التي صدر منها صوت، وإذا وجدوها خاوية؛ تظهر عليها علامة الدهشة والتساؤل، وما وضحته تلك الرسالة أن تلك التقنية تستخدمها القطط حتى تستطيع اصطياد الفرائس التي لا تراها من خلال السمع وحركة أجسادها في الفراغ فقط.

السقوط الحر: «أيها البشر هل من الممكن أن العب معكم؟»

مفهوم السقوط الحر في الفيزياء يمكن تبسيطه بأنه «سقوط الجسم باتجاه مركز الأرض من دون التأثير عليه بقوة أخرى غير قوة المكتسبة من الجاذبية الأرضية»؛ ويعرّف السقوط الحر في الفيزياء الكلاسيكية التي وضعها العالم إسحاق نيوتن، أو اعتمادًا على نظرية النسبية العامة التي وضعها العالم ألبرت آينشتاين، بأنها مفهوم السقوط الحر لحركة الأجسام عندما تكون تحت تأثير قوة الجاذبية الأرضية فقط.

شاهد مجموعة من الحيوانات تمارس السقوط الحر:

وبالطبع لم يكن الإنسان يتخيل قبل وضع تلك القوانين أنه يستطيع السير على الهواء دون أن يسقط، ولكن مع تطور فهم علم الفيزياء استطاع البشر أن يقيس مفهوم السقوط الحر بناء على وزن الجسم واتجاه الهواء وأشياء أخرى، ومن قبل أن نفهم الفيزياء ونحن أطفال كنا نمارس السقوط الحر كلما ذهبنا إلى مدينة الملاهي واستخدمنا «الزُحليقة»، ولكن نحن في طفولتنا أخبرنا آباؤنا ماذا نفعل، فماذا عن الحيوانات التي تفعل ذلك فطريًا.

عندما يجفف الكلب نفسه بواسطة الفيزياء

في كتابه وضح دوراني أن الكلاب تستخدم في واحدة من حركاتها التلقائية قوانين الحركة في الفيزياء، ويحدث هذا عندما يكون الكلب مبتلًا فيحرك عموده الفقري ذهابًا وإيابًا لينفض الماء من على شعره الكثيف، وكان يمكن للكلب أن يترك المياه تجف عن طريق التبخر، لكن الدراسات التي أجريت على هذا الأمر – كما ورد في الكتاب – أكدت أن الكلاب بتلك الطريقة توفر كمية كبيرة من طاقة أجسادها، والتي يمكن للتجفيف عن طريق التبخر وسخونة جسدها أن تفقدها إياها.

واكتشف علماء الحيوان أن بعض الدببة والفئران تدرك فطريًا تلك القاعدة في الفيزياء أيضًا، والتي تُعرف في الفيزياء باسم «الحركة الاهتزازية»، وتعريفها العلمي هو «اهتزاز الجسم حول موضع سكونه في اتجاهين متضادين، وفي فترات زمنية متساوية».

«كيف تشرب القطط؟»

كان هذا السؤال الذي طرحه عالم الحيوان رومان ستوكر في إحدى الصباحات وهو يراقب قطته وهي تشرب الماء بسرعة كبيرة رغم أن ما يراه من لسانها يكون مسطحًا تمامًا، فكيف تصل المياه إلى جوفها، وكان لهذا السؤال الدور في تغيير مسار ستوكر المهني، حيث أثبت بحثه الذي أجراه على القطط أنها تستخدم الحيّل الفيزيائية في تلك العملية، ونشر الخبر وقتها على غلاف مجلة «ساينس» الأمريكية في عام 2010.

فعلى مدار سنوات طويلة ظن علماء الحيوان أن القطط تشرب المياه مثل الكلاب عن طريق غرف السائل مثل الملعقة، ولكن القطط تستخدم تقنية مختلفة.

ما توضحه تلك الدراسة أن القطط تستخدم كلًا من قوانين القصور الذاتي في الفيزياء، إلى جانب قوانين قوة الدفع للأجسام في مواجهة قوة الجاذبية، ويمكنك من خلال الفيديو بالأعلى أن ترى القطة وهي ترفع المياه بلسانها للأعلى وتترك الطبيعة أو قوانين الفيزياء تأخذ مجراها لتدخل المياه إلى جوفها بسلاسة شديدة، بينما المتبقى من الماء الذي لم ترفعه لأعلى يسقطه مرة أخرى في الوعاء وتكرر القطة الأمر حتى ترتوي.

 الأمر المعقد في تلك العملية كما وضح ستوكر في دراسته، إن على القطة تحديد الوقت المناسب تمامًا لغلق فمها على المياه التي تريدها حتى لا تسقط مع البقية في الوعاء، وتلك العملية التي تتم في جزء من الثانية، تحسبها القطة فطريًا وفي كل مرة تغلق فمها في الوقت الصحيح، فهل رأيت من قبل قطة حاولت أن تشرب فسقطت كل المياه منها؟ هذا التوقيت المناسب تمامًا لغلق فم القطة، كان ما أدهش علماء الحيوان والفيزياء سواء.

الحيوانات تفهم الفيزياء بالفطرة

إذا كنت من محبي تربية الحيوانات الأليفة، أو مشاهدة الوثائقيات، وبعد قراءتك لهذا التقرير؛ راقب الحيوانات وستجد الكثير من الأفعال الأخرى التي تقبل عليها، والتي ليس لها تفسير سوى إدراكها الفطري للقوانين التي تحكم الطبيعة، لأن فهم تلك القوانين هي وسيلتها الأولى والأهم للبقاء، فهي مدفوعة بغريزة البقاء لفهم قوانين الفيزياء من خلال التجربة والخطأ، أو حتى المشاهدة والمحاكاة.

كما يفعل الأطفال بالضبط في ظاهرة يطلق عليها «حدس الفيزياء»؛ ما يجعلنا ندرك أننا جميعًا كبشر ندرك آلية الفيزياء، ولكن ليس جميعنا يفهم القوانين التي تحكمها، مثل علاقة كتلة الجسم بالسرعة، أو قياس قوة الاصطدام مع السرعة لتحديد المكان الذي تصل له الكرة في النهاية، ولكن فطريًا كل الكائنات الحية تدرك أنها إذا قفزت من فوق هذا الجبل ستسقط، حتى من قبل أن نعرف الجاذبية، ولكننا لا نستطيع أن نتنبأ بالسرعة التي سنصل بها إلى سطح الأرض بعد أن نقفز من الجبل، علماء الفيزياء وحدهم هم من يستطيعون حساب ذلك، فهل لم تزل تظن أن الفيزياء هي مادة دراسية صعبة يجب تجنبها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد