عاشت الحيوانات على كوكب الأرض قبل الإنسان لفترة طويلة جدًّا، وأول حمض نووي مكتشف لخلية حيوانية رُصدت على كوكب الأرض يعود عمرها إلى 700  مليون سنة، بينما يُحسب ظهور الإنسان وفقًا للحفريات التي عُثر عليها إلى ما يقرب من 6 ملايين عامًا، ما يجعل الفترة التي عاشها الحيوان على سطح كوكب الأرض بدون الإنسان تُقدر بعشرات الأضعاف الفترة التي عاشها الإنسان مع الحيوان على الأرض.

عملية تطور الحيوان قبل ظهور الإنسان كانت عملية بطيئة وتتحكم فيها الظروف البيئية والجوية فقط، ولكن بعد ظهور الإنسان في حياة الحيوانات، تسبب الأثر الذي تركه الإنسان في البيئة في عمليات تطورية من جانب الحيوان، حتى يستطيع التعامل مع الوجود البشري، وسواء بالآثار الصناعية والتلوث البيئي، أو الصيد الجائر؛ رصد علماء الحيوان مجموعة من عمليات التطور التي وقعت لبعض الحيوانات، وفي هذا التقرير نخبرك عن حيوانات طوَّرت جيناتها لتستطيع التعامل مع البشر.

الحرب الأهلية التي سلبت الأفيال أنيابها

هل تتخيل أن حربًا أهلية قد يكون لها الدور في تطور حيوان موجود في البلد الذي قامت فيها الحرب جينيًّا؟ هذا ما حدث بالفعل في موزمبيق

يُعرف عن الأفيال الأفريقية تميز أنيابها العاجية، والتي تعد أهم أسباب الصيد الجائر الذي تتعرض له، والذي كان في قمة انتشاره في أواخر السبعينيات وحتى أوائل التسعينيات بغرض التجارة في العاج غالي الثمن، لتمويل الحرب الأهلية في موزمبيق، وتسبب هذا الصيد الجائر في موت ونهاية ما يزيد على 90% من أعداد الأفيال الموجودة في حديقة جورونجوسا الوطنية في موزمبيق، وتبقى من 2500 فيل أفريقي في أوائل القرن الحادي والعشرين نحو 200 فيل فقط من أفيال موزمبيق.

أكدت دراسة نُشرت بنهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الجاري 2021 تحت عنوان «Ivory poaching and the rapid evolution of tusklessness in African elephants» أو «الصيد الجائر للعاج والتطور السريع لفقدان الأنياب لدى الأفيال الأفريقية»، واختصت الأفيال الموجودة في موزمبيق، ظهور نسل جديد من الأفيال الأفريقية في موزمبيق بدون أنياب أو بأنياب صغيرة للغاية، وأرجعوا هذا التطور الجيني بوضوح للصيد الجائر الذي تعرضت له الأفيال في هذه المنطقة، ولكن كيف يحدث هذا؟

شاهد مقطعًا مصورًا يوضح لك كيف تطور الفيل على مر السنين.

عندما يقرر الصياد أن يصطاد الفيل ليحصل على أنيابه العاجية ليبيعها، فسوق يستهدف الأفيال ذات الأنياب الأكبر والأكثر صحة والألمع، ولن يستهويه الأفيال ذات الأنياب القصيرة أو غير الصحية؛ لأنها لن تعود عليه بالفائدة، وبعد عقود من صيد الأفيال ذات الأنياب الأفضل، وقد كانوا النسبة الأكبر في الأفيال، لم يتبق سوى الأفيال ذوي الأنياب القصيرة، وعندما تكاثر هؤلاء الأفيال الناجين نتج منهم جيلًا وراء جيل؛ نسل لأفيال بلا أنياب، وهو ما وصفه علماء الأحياء في الدراسة أنه «تطور سريع» قد حفَّزه الصيد الجائر، وعلى الرغم من أن هذا التطور لم تُقبل عليه الأفيال بإرادتها، فإنه سيكون المنقذ لحياتها من الصيد الجائر بغرض الحصول على العاج من أسنانها.

صيد الغنائم يحصد قرون الكباش

التطور السريع للحيوانات بسبب الإنسان لم يرصده العلم حديثًا فقط، بل إنه أمر تحت دراسة العلماء منذ ما يقرب من عقدين من الزمان، وفي عام 2003 نشرت دراسة بعنوان «Undesirable evolutionary consequences of trophy hunting» أو «العواقب التطورية غير المرغوب فيها لصيد الغنائم»، والغنائم يُقصد بها في هذه الدراسة، رؤوس الحيوانات وقرونهم التي يحتفظ بها الصيادون في منازلهم لكونها «غنيمة» صيد جميلة تزين منزل الصياد ويتفاخر بها أمام أصدقائه، وكندا من البلدان التي ينتشر بها هذا النوع من الصيد، خاصة لحيوان الكبش ذي القرون الكبيرة والوزن الثقيل.

شاهد مقطعًا مصورًا عن الصيد الجائر الذي يقع للكباش.

وضحت الدراسة أن الانتقاء الذي يحدث أثناء عملية الصيد الجائر، ويستهدف الكباش الأكثر صحة والأثقل وزنًا، والتي تمتلك قرونًا كبيرة؛ قد تسببت مع الوقت في تأثير تطوري في الأجيال الجديدة من الكباش، وتغيرت جينات الأجيال الجديدة في كندا لتكون أصغر حجمًا وأقل وزنًا وبقرون صغيرة أو بلا قرون تقريبًا، كما وضحت الدراسة أن الكباش التي تنطبق عليها المواصفات المرغوب فيها لصيد الغنائم، يصادف أنها الكباش الأكثر قدرة على التكاثر والأكثر خصوبة، لذلك بجانب تغير صفات الكباش في الأجيال الجديدة، فقد قل عددها بشكل عام؛ نتيجة أن الناجين من الصيد معظمهم غير قادر على التكاثر.

الثورة الصناعية.. الفراشة أصبحت سوداء!

العث هو نوع من الفراشات البيضاء التي تعيش في بريطانيا، وقد رصد علماء الأحياء تغيرًا في لون العث الأبيض هناك، ولم يكن السبب معروفًا وراء تحول لونها من الأبيض للون الأسود، حتى عام 2016، عندما نُشرت دراسة بعنوان «The industrial melanism mutation in British peppered moths is a transposable element» والتي وصفت ما حدث للعث في بريطانيا بأنه «طفرة جينية من نوع غير عادي» و«لغز».

قبل الثورة الصناعية كان هذا العث الأبيض المرقط بنقاط سوداء صغيرة يعيش في جميع أنحاء بريطانيا، ولكن العث الموجود في المناطق الصناعية حيث تلوث الهواء بالكربون وتغطيته لمعظم الأشجار والنباتات المجاورة له، وخشب الأشجار يعد المسكن الدائم لهذا العث الأبيض، حيث يلتصق به طوال الليل لينام، وبعد فترة من تفاعل الكربون الأسود الموجود على الأشجار بدأ لون العث الأبيض يتحول إلى الأسود، وقد كان هذا الأمر لغزًا، خاصة وأنه كان في عام 1848 أي قبل 10 سنوات من إسهامات تشارلز داروين.

شاهد هنا مجموعة متنوعة من فصائل العث.

ولكن الآن مع تطور العلم الحديث وقدرة العلماء على تحليل جينات الكائنات الحية بتفصيل دقيق، تأكد العلماء من أن السبب الرئيسي في تغير لون العث من الأبيض للأسود كان بسبب تفاعله مع الكربون واحتكاكه به بجسده الخارجي من خلال دخول الكربون إلى المسام وتفاعله مع مادة الميلانين ليحدث طفرة جينية في لون العث، ولهذا أطلق العلماء على تلك الطفرة الجينية اسم «الميلانين الصناعي»، وتأكدوا من هذا التفسير عندما بدأت عمليات الحفاظ على البيئة وتنظيف الهواء من الكربون إلى عودة بعض العث للون الأبيض مرة أخرى.

وتلك الطفرة الجينية الذي وصفها العلماء بالمذهلة، لحسن حظ العث كانت في صالحه، فوقوف العث الأسود على خشب الأشجار الأسود المصبوغ بالكربون؛ يعد تخفيًا وحماية لها من الطيور الجائعة التي تبحث عن فرائس ليلًا.

الأسماك.. هل الصيد الجائر هو المتهم الوحيد؟

في البحار والمحيطات، تقوم كل سمكة تقريبًا بدور فريسة للسمك الأكبر، وبدور المفترس للأسماك الأصغر، وتلك الدورة الغذائية عاشها عالم البحار لملايين السنين بين فريسة ومفترس، وكوَّنت نظامًا غذائيًّا مستقرًّا جعل عملية التطور بطيئة وطبيعية، ثم جاء الإنسان ليصطاد السمك ويصبح جزءًا من تلك الدورة الغذائية بدوره مفترسًا فقط، ما أحدث خللًا في تلك السلسلة الغذائية التي كانت متوازنة من قبل، وهو ما سبب تغيرات وتطورًا جينيًّا في الأسماك.

في ورقة بحثية نشرت بالعام 2020 تحت عنوان: «Direct and Indirect mechanisms of Fisheries-Induced Evolution» أو «الآليات المباشرة وغير المباشرة للتطور الناجم عن مصايد الأسماك»، وضحت أن الأسماك في العديد من البحار والمحيطات قد تطوَّرت ليكون سن البلوغ ونضوج الأعضاء الجنسية في وقت أبكر من المعتاد لتلك الأسماء وهو ما يعد طفرة جينية.

كان الهدف الرئيسي من وراء تلك الورقة البحثية هو محاولة فهم العلماء لسبب تغير سن النضوج لدى الأسماك، وهل الصيد هو الذي يختار سمات الأسماك التي تفلت من محاولات القبض عليها؟ أم أن الصيد الجائر في العموم يغير من البيئة للدرجة التي تدفع الأسماك للتعرض إلى ضغوط تطورية بغرض البقاء، ووضحت الورقة البحثية أن الصيد الجائر ليس السبب الوحيد في تلك الطفرة الجينية مثل الحالات السابقة مع الفيل والعث والكبش، بل هو أحد الأسباب المهمة فقط.

مترو أنفاق لندن وفصيلة جديدة «متوحشة» من الناموس

أثناء بناء مترو الأنفاق في لندن في القرن التاسع عشر، تسللت مجموعة من البعوض تحت الأرض وراء عمال البناء لتحصل على غذائها من دمائهم، بجانب دماء القوارض، وظل هذا الناموس معزولًا جسديًّا في خطوط الأنابيب بأسفل لندن لفترة طويلة، وبعد الانتهاء من بناء مترو الأنفاق لم يصعد البعوض لسطح الأرض، لأنه أصبح غير قادر على الاختلاط مع باقي أقرانه من البعوض.

وفي دراسة نشرت عام 1999 تحت عنوان «Culex pipiens in London Underground tunnels: differentiation between surface and subterranean populations» حلل العلماء الحمض النووي للبعوض المقيم تحت الأرض، ووجدوا أنه من سلالات تسمى «سنترال» و«فيكتوريا» و«باكرلو»، ولكنها طوَّرت نفسها جينيًّا وأصبحت متميزة وراثيًّا عن أنواعها نفسها الموجودة فوق سطح الأرض، حتى إن العلماء جنحوا إلى تصنيفها نوعًا منفصلًا جينيًّا لأنها لم تصبح قادرة على التزاوج مع الأنواع الموجودة فوق سطح الأرض، وهي حالة يطلق عليها العلم «العزلة الإنجابية»؛ والتي ينتج منها أنواع جديدة مع تواصل التكاثر.

ما دفع العلماء لدراسة الناموس الموجود تحت سطح الأرض وتصرفاته العدوانية والهجومية تجاه البشر، وقرص البشر قرصات قوية شبهها العلماء بأنها «عضات طيور» وليس مجرد ناموس، وأكد العلماء أن الأنواع الجديدة من الناموس الموجودة تحت الأرض بجانب الخطر الذي تشكله على أي عمال موجودين هنا أو ركاب مترو، أظهرت في المطلق اختلافات جوهرية في السلوك، خاصة فيما يخص طرق الحصول على الطعام وطقوس التزاوج التي جعلت من الصعب عليهم التزاوج مع ناموس سطح الأرض، فقد طور ناموس الأنفاق قدرة التزاوج في مواسم مختلفة عن مواسم ناموس سطح الأرض؛ ما ساعد على وجود العزلة الإنجابية التي نتج منها ظهور أنواع جديدة للناموس.

لرؤية تأثير الإنسان في التطور الجيني للحيوانات، لست في حاجة للذهاب إلى بلاد مثل التي ذكرناها، كل ما عليك فعله هو السير في الطرقات ومداعبة أول كلب ضال ودود يهز ذيله فرحًا بمداعبتك، هذا الكلب منذ ما يقرب من 32 ألف عام كان ضمن الذئاب الرمادية التي انفصلت عن قطيعها عندما استأنسها البشر بغرض حماية المزارع والبيوت، وتطورت الكلاب من حينها للكثير من الأنواع التي نراها الآن، والتي تعيش في بيوت الكثير منَّا، وعندما ننظر إلى هذا التأثير الذي صنع العلاقة التي يطلق عليها «الصديق الأفضل للإنسان»؛ قد يمنحنا الأمل بأن تأثير البشر في تطور الحيوان لا يجب أن يكون دائمًا مضرًّا أو سيئًا.

علوم

منذ سنة واحدة
هل يعمل «التطور» بشكلٍ غبي؟

المصادر

تحميل المزيد