نجلس – نحن البشر – في سرادق العزاء، ننظر في صمت حزين إلى الأرض، ونحتسي القهوة السوداء السادة في عالمنا العربي، نواسي أحيانًا أقارب المتوفى، البعض يبكي، والبعض الآخر ربما يصرخ، وتلك هي الشعائر الجنائزية المتعارف عليها لدى البشر في حال موت أحدهم، وتختلف تلك الشعائر باختلاف الدين والثقافة والزمن أيضًا.

ولكن نحن البشر لسنا الوحيدين الذين نشعر بالحزن ونقيم شعائر حين يتوفى فرد من جماعتنا، الحيوانات أيضًا لديها مشاعر وروابط وثيقة بين أفراد كل جماعة، ولذلك هناك الكثير من الحيوانات عندما يموت أحد أفرادها، تقيم شعائر جنائزية، وكل نوع من أنواع الحيوانات له شعائره الخاصة بها، والتي ينفذها بحزن شديد ومشاعر متدفقة في حالة وفاة أحد أفراد القطيع.

في هذا التقرير نخبركم عن بعض الشعائر الجنائزية في عالم الحيوان.

الفيل.. «لن أترك ابني»

بمجرد أن رأت الضباع صغير الفيل يسير وحيدًا، وعلى بعد من قطيعه، وتبدو عليه معالم اقتراب الموت، ويلفظ أنفاسه الأخيرة؛ أصبحت في انتظاره ليكون جثة حتى تنقض عليه وتلتهمه، ولكن الأم جاءت راكضة فهربت الضباع سريعًا. نظرت الأم لصغيرها المتوفى ومعالم الحزن واضحة على عينيها، سريعًا ما انضم إليها أفراد القطيع واحدًا تلو الآخر، اقتربت منها في إشارات جسدية واضحة للمواساة، ومن أهم الإشارات الجسدية لدى الأفيال في مواساة بعضهم البعض في الشعائر الجنائزية لمس الخرطوم بالفم، فكل فرد من القطيع يلمس بخرطومه فم الأم، وتلتف جميعًا حول جثة الصغير في صمت.

بعد ما يقرب من نصف ساعة بدأ القطيع ينفض من حول الجثة، بينما بدأت الأم مراسم الدفن بخرطومها؛ حتى لا تأكل الضباع جثته، وحتى يكون له مقبرة يعود القطيع إليها للزيارة فيما بعد، فمن الشعائر الجنائزية المشهورة لدى الأفيال هي زيارة مقابر موتاهم كل فترة، ولا تنسى مكانها، ولا تنسى الموتى. الغريب في أمر الفيلة هو تعاطفها مع مجموعات الأفيال الأخرى، فإذا مات فيل لا يمت بصلة للمجموعة، تنضم لقطيع المتوفى وتقديم العزاء، تلك الطقوس التي قد تستمر لأسابيع كاملة.

وعندما تنجب أنثى الفيل صغيرًا متوفيًا تبقى إلى جواره لمدة أربعة أيام وحدها في الطقس الحار لتحرس جسده من الأسود والحيوانات المفترسة الآخرى، بعض الأفيال تحمل جثث أطفالها الميتين على أنيابها حتى لا تترك جثته وحيدًا لحين دفنه.

فنون

منذ سنة واحدة
رقيق ويحترم كبار السن.. رحلة للتعرف إلى الفيل أكثر الحيوانات إثارة لتعاطف البشر

الشامبنزي.. الطب الشرعي بمفهوم القردة 

على عكس باقي الحيوانات التي عادًة ما تدفن موتاها أو تلتف حولها في حزن وتقديم العزاء لبعضهم البعض، تأتي القردة وتفعل شيئًا مختلفًا تمامًا، قبل الحزن عليهم الفهم، ولذلك تجد جماعة الشمبانزي تلتف حول جثة المتوفى، وتشم رائحته، وتتذوق جسده، وتنظر له بفضول في محاولة للفهم.

في إحدى الدراسات التي أجريت من خلال دراسة مجموعة من الشمبانزي توفي فيها شمبانزي عمره تسع سنوات، وجدوا أن واحدة من القردة صفعت الجثة بقوة وابتعدت، وبعدها التفت بقية القردة حول الجثة تراقب ردة فعلها، يرجح الخبراء القائمون على تلك المشاهدات الحيّة للشمبانزي أن هذا التصرف يعني رغبة جماعة القرود في فهم معنى الموت والفرد الميت، ولذلك يحاولون دراسة ردود أفعال الجثث.

أنثى الشامبنزي أيضًا حين يتوفى رضيعها لا تدفنه ولا تتركه في وقتها، وتحتفظ به لأيام ولشهور وأحيانًا لسنوات حسب قدرتها على الحفاظ على الجثة، من خلال عمليات تنظيف مستمرة لأي محاولات من الحشرات والديدان لاختراق الجسد وتحليله، بمعنى أو بآخر فإن الشامبنزي يمارس نوعًا في غاية البدائية من الطب الشرعي، قبل أن يفكروا في الحزن.

الزراف.. الانحناء للموتى 

الزراف من الحيوانات التي لا تتفاعل معها البشر كثيرًا، ولا يمكن أن تجدها في الطرقات مثل القطط والكلاب والحيوانات الأليفة الآخرى، ولكن ما لا يعرفه البعض أن الزراف من الحيوانات الراقية ذات الإحساس المتدفق، وعندما يموت أحد أفرادها تشعر بالحزن، وتلتف حوله لتفقد جثته أكثر من مرة. عندما يتأكد قطيع الزراف من موت الفقيد واحدًا تلو الآخر تنحني أمام جثته وكأنها يجثوا أمام ملك، وبهذه الحركة – في اعتقادها – يقدمون الواجب للمتوفى.

ما أكده علماء الحيوان أن هذا السلوك الذي اكتشف في العشر سنوات الأخيرة، يظهر أن الزراف يشعر بالحزن على موتاه، ولديه وعي بمفهوم الشعائر الجنائزية والمواساة وتكريم الموتى، وتلك الطقوس التي تتضمن انحناء الزراف هي طريقهم لتقديم العزاء بين قطيعهم.

الدلافين تحزن أيضًا

تلك الحيوانات السعيدة، غريبة الاطوار أحيانًا، لها نصيبًا في الحزن عندما يصل الأمر لموت فرد من أفراد جماعتها. في عام 2000 وعلى عمق 50 مترًا تحت سطح الماء بالقرب من اليابان، شاهد أحد الغواصين مجموعة من الدلافين تحرس جثة دولفين متوفى وتحوم حوله، حاول الغواص الوصول لجثة الدولفين للحصول عليها ودراسة سبب موتها، ولكن الدلافين التي كانت تحرس الجثة تصرفت بعدوانية عكس عادة الدلافين مع الغواص ورفضت اقترابه من جثة الدولفين.

عاد الغواصون في اليوم التالي للحادثة، ولكنهم وجدوا الدلافين مازالوا يحرسون الجثة فلم يستطيعوا الحصول عليها، وتكرر الأمر في اليوم الثالث أيضًا. وفي دراسة أمريكية نُشرت في عام 2016 عن السلوك الانفعالي للثدييات، تأكد أن سبعة أنواع من الثدييات البحرية، منها الدولفين والحوت يحزنون على موتاهم ويقيمون شعائر جنائزية، ولم تستطع تلك الدراسة تحديد سبب هذا السلوك، ولكن السبب الذي رجحته الدراسة أن الدولفين والحوت يشعران بالحزن على موتاهما.

طائر العقعق.. وجنازة رومانسية

طائر العقعق من الطيور التي تحزن على موتاها، هذا ما أكده خبراء السلوك الحيواني، مؤكدين أنها تقيم جنازات حول جثة الطير المتوفى من الجماعية، بل تضع أكاليل من العشب حول جثته. 

يُعرف عن طائر العقعق ميولة المفترسة العدوانية، ولكن هذا الاكتشاف كان مؤثرُا بالنسب لعلماء الحيوان لأنهم اكتشفوا جانبًا جديدًا ومؤثرًا في سلوك هذا الطائر، عبر طريقتها لتقديم الاحترام لموتاها واحدًا تلو الآخر في مشهد مؤثر ورومانسي.

طائر الإوز أيضًا من الطيور التي تعيش مع رفيق واحد طوال عمرها، وإذا مات هذا الرفيق يتملكها الحزن، وطريقته في الحداد تكون عن طريق الامتناع التام عن الطعام حتى يقل وزنها وبعد فترة طويلة يبحث طائر الإوز الأرمل عن شريك يكون قد فقد شريكه أيضًا ليعيشا سويًا ويواسيان بعضًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد