تخيل عالمًا تجتمع فيه القردة العليا، تحديدًا «الشمبانزي»، في قبائل من أجل توسيع مستعمراتها وحيازة أراضٍ جديدة. ومن ثم تخيل ممالك من النمل الأبيض تغير بعضها على بعض، لتأخذ أسرى عبيدًا من الممالك الأخرى. 

ما نحدثك عنه عزيزي القارئ ليس خيالًا علميًا، بل جزءًا أساسيًا من الحياة في «مملكة الحيوان»؛ إذ تعلن الحيوانات هي الأخرى الحروب بعضها بعض مثل البشر. فما الذي تعرفه عن حروبِ الحيوانات، وإستراتيجياتها في الدفاع عن أنفسها، بدءًا من القردة العليا ووصولًا إلى الديدان.

ماذا تعرف عن حروب العصابات عند قبائل الشمبانزي؟

خلال دراسة استمرت 10 سنوات لعائلة شمبانزي في المتنزه الوطني «كيبالي» بأوغندا، يؤكد نيكولاس إي نيوتن، أستاذ البيئة السلوكية للرئيسيات في «جامعة كنت»، أن مجموعات الشمبانزي قد تقود غارات متعمدة على المجتمعات المجاورة من أجل الاستيلاء على أراض جديدة، وضمها للمقاطعات الخاصة بها، وذلك بعدما قامت مجموعة من القبيلة بقتل 18 من مجموعات شمبانزي أخرى بهدف احتلال أراضيهم.

بحسب مجلة «ناشيونال جيوغرافيك»، تقود مجموعات الشمبانزي حروبًا باستخدام إستراتيجية «حرب العصابات»، إذ تنظم أنفسها قبل الإغارة على جيرانها، والقتال حتى الموت لتوسيع رقعة أراضيها، وزيادة مواردها، وهو ما يشير إلى أن فصيلة الحيوانات التي اشتهرت بقربها الجيني من البشر تنخرط هي الأخرى في سلوكيات عنيفة، مستخدمة هجمات مفاجئة بالأقدام وقبضات اليد.

«جومبي».. حرب الشمبانزي الأهلية في تنزانيا

بين عامي 1974 و1978، اشتعلت حرب أهلية داخل متنزه جومبي، وهو حديقة وطنية في تنزانيا، من أجل الاستيلاء على السلطة. حرب انقسم خلالها المجتمع، واستمر فيها القتل لسنواتٍ. لا نتحدث هنا عن حربٍ بين بني البشر، بل بين قبائل «الشمبانزي» من القردة العليا – الرئيسيات.

عن ذلك تشير جين جودال، وهي باحثة تدرس مجتمعات الشمبانزي في متنزه جومبي منذ أكثر من 50 عامًا، إلى أن انهيار المجتمعات عند قبائل الشمبانزي يشبه إلى حدٍ كبير انهيار المجتمعات البشرية. راقبت جودال سلوكيات القردة العليا في متنزه تنزانيا أثناء الحرب الأهلية التي خاضتها قبائل «الشمبانزي» في سبعينات القرن الماضي، عندما انقسم مجتمع القردة نصفين، وبدأت نزاعًا استمر حوالي أربع سنوات.

(جزء من وثائقي عن حرب جومبي في تنزانيا)

أثناء ذلك كانت جودال تعمل على كتابة ملاحظاتها الميدانية بخصوص الأسباب التي أدت إلى الصراع بين المجموعتين، وقد استخدم الملاحظات مجموعة باحثين في جامعة «ديوك» الأمريكية، على رأسهم جوزيف فيلدبلوم، الذي أعاد رسم الروابط الاجتماعية بين مجموعات الشمبانزي بناءً على تلك المعلومات التي كانت بالنسبة إليه تفصيلية إلى درجة جعلته قادرًا على معرفة الروابط الاجتماعية لكل فرد من قرود المتنزه في تنزانيا.

تتبع الباحثون المعلومات عن تلك المجموعات منذ عام 1978 وحتى 1972، من أجل وصف شامل لطبيعة العلاقات بين بعضهم البعض، ومتى تغيرت العلاقة بالضبط من الود إلى النزاع، وقد كان ذلك بحلول عام 1971، عندما انقسم مجتمع الشمبانزي إلى مجموعتين، واحدة منهما سكنت الشمال، والثانية جنوب الحديقة الوطنية.

لم يستطع الباحثون تحديد السبب الرئيس للنزاع، سوى وفاة قائد كبير يسمى «ليكي»، والذي يبدو كأنه كان همزة الوصل بين قبائل شمبانزي الشمال وقبائل الجنوب. وبمجرد وفاته – بحسب فيلدبلوم – بدأت النزاعات والانقسامات بين المجموعتين على القيادة.

بعد وفاة ليكي، تولى القيادة ذكر آخر يدعى همفري، إلا أنه كان – بحسب الباحثين – حاكمًا ضعيفًا، ولهذا واجه الانشقاقات مع أخوين من مجموعات الجنوب، هما ليو وتشارلي. من هنا بدأ انضمام أفراد الشمبانزي من المجموعات المختلفة إلى إحدى الجبهتين، مدافعتين عما رأته مناسبًا لتولي القيادة. وبدأت الحرب الأهلية التي دارت رحاها أربع سنوات، انتصرت فيها مجموعة همفري على الأخوين المتمردين، وما تبعهما من المتمردات التي إما اختفت أو توفيت، والبالغ عددها سبعًا.

يشير الباحثين إلى أن مجموعات الشمبانزي كان لديها أنماط سلوكية تشبه البشر، جعلت شبكتها الاجتماعية ترتبط بواحدة من الجهتين، على حسب تفضيلاتهم، وجهات الاتصال الخاصة بها مع المحيط، قائلين إن تلك المعلومات من الممكن أن تفيد في دراسة تطور المجتمعات الشبيهة بالبشر.

«النمل الأبيض» في أدغال أفريقيا تحارب لجمع العبيد

في بعض الأحيان تقوم بعض المستعمرات باختطاف صغار الأخريات، من أجل إجبارها فيما بعد على العمل لدى سيداتها الجدد، وهو ما أسماه الباحثون «عبودية النمل»؛ إذ تغير تلك المستعمرات على المجتمعات الأخرى من أجل سرقة اليرقات الحاضنة للصغار، وذلك بعد قتل جميع البالغات.

عندما تنضج هذه الصغار، تحوز رائحة خاطفيها، وتصبح جزءًا من المستعمرة الجديدة، تعمل هناك خدمًا للملكة. رغم ذلك أحيانًا ما يتمرد النمل الصغير بمجرد البلوغ، وهو الأمر الأكثر إثارة للانتباه في حروب النمل، بحسب الباحثين؛ إذ تقوم بتنفيذ بعض عمليات الاغتيال في المستعمرة الجديدة وترفض الخضوع لملكتها.

يُغير النمل الأبيض على مستعمرات النمل الأخرى، مقتحمًا إياها بأعدادٍ هائلة، مُستخدمة في ذلك «إستراتيجية صيد» – بحسب ناشيونال جيوجرافيك – لأخذ أسرى عبيدًا، وهي طريقة تشبه إلى حد كبير البشر في خوض المعارك.

يشير الباحثون إلى أن النمل مجتمع ينخرط في الحروب بطريقتين، إحداهما تعتمد الإغارة على مستعمرات نفس النوع، والأخرى تتضمن الهجوم على مستعمرات أنواعٍ أخرى من النمل، وهما صراعان مهمان لبيولوجيا النمل؛ إذ أحيانًا ما تعمل بعض المستعمرات على احتكار توريد الغذاء، مما يخلق نوعًا من المنافسة بين المستعمرات المختلفة.

كان عالم الأحياء الشهير تشارلز داروين هو أول من لاحظ الصراع بين مجتمعات النمل، كما وصفها الباحثون في العصر الحديث بالكائن الاجتماعي مثل البشر، والتي غالبًا ما تدخل في معارك مثيرة ومدهشة.

(وثائقي ناشيونال جيوجرافيك عن حروب النمل)

يعيش النمل عادةً في مجتمعات مغلقة تسمى «المستعمرات»، وفيها يحتفظ كل مجتمع بخصائص تكامل جيني معين؛ إذ ينحدر أفراد المستعمرة من بنية عائلية واحدة. وهو ما يجعل تلك الحشرات الاجتماعية الصغيرة تستطيع التمييز بين جميع أفراد المستعمرة، والتعرف عليها. داخل تلك المجتمعات يجري الفصل بينها وبين الآخرين بطريقة بسيطة جدًا، وهي تقسيم العالم إلى فئتين، أولها أفراد المستعمرة، وكل ما عداها هي درجة اجتماعية ثانية، يجري اعتبارها أجانب أو دخلاء.

في الأماكن التي يكثر فيها النمل من الأنواع المختلفة، تنشأ الصراعات والنزاعات على الموارد الغذائية؛ خوفًا من فقدان الطعام أو الأرض، وهو الأمر الذي ينتج عنه الغارات والنزاع. على سبيل المثال، رصد الباحثين في الولايات المتحدة الأمريكية، بمنطقة «جبال أبالاتشين»، أنواعًا مختلفة من مستعمرات النمل؛ وهو ما يحفزها للتصارع على المواد الغذائية، إذ تعتبر تلك المنطقة شديدة الكثافة بالنسبة إلى تواجد النمل.

علوم

منذ سنة واحدة
كيف تشيع الحيوانات جنائز موتاها؟

عن ذلك يشير الباحثين إلى أن النمل خاض حروبًا لملايين السنين كانت سببًا رئيسًا في بقائه حتى يومنا هذا؛ إذ كان النمل متواجدًا منذ أن كانت الأرض قطعة واحدة، تمثل قارة كبيرة عملاقة. مع تطور النمل وازدياد أعدادهم، أصبحوا أكثر قدرة على الصراع مع بعضهم البعض. من أجل ذلك بدأت أجسادهم في فرز بعض المواد الكيميائية التي تعتبر أسلحة فعالة ضد أنواع النمل الأخرى.

على سبيل المثال تفرز مجموعات النمل الأبيض أثناء الإغارة رائحة مميزة تعمل على إصابة أعدائها بالذعر، حينذاك تترك مجموعات النمل الأخرى أعشاشهم، مما يسهل الاستيلاء عليها. كما تعمل بعض أنواع النمل على قضم أعدائها وتقطيع أجسادهم إلى أشلاء. هذا الأمر يجعل النمل كمن يمتلك سلاحًا بيولوجيًا إلى جانب القتال الجسدي.

لهذا يقتل «ملك الغابة» أشبال الذكور الآخرين

في عالم الحيوانات تمارس بعض الثدييات من الرئيسيات عملية «وأد الصغار»، كنوعٍ من الهيمنة الذكورية، وهي إستراتيجية تمارسها الأسود في بعضِ الأحيان، خاصةً بعدما يتولى سيد جديد الزعامة في مجتمعات الأسود، إذ يسعى لقتل الأشبال داخل القبيلة، ليثبت هيمنته على الجميع.

غالبًا ما يفعل الأسود ذلك لتتفرغ الإناث من أشبالهن الصغار، وبالتالي تصبحن متاحات للتزاوج مرةً أخرى من الأسد المهيمن، إذ يقضي بذلك على نسل الذكور الآخرين، وفي المقابل يضمن هيمنة نسله على المجموعة.

(وأد الأشبال عند الأسود.. المصدر: أفريقيا جيوجرافيك)

يفسر الباحثون تلك الظاهرة بانخفاض الفترة الإنجابية للأسود الذكور؛ إذ لا يسمح لها بتمرير جيناتها إلا خلال عامين فقط، في حين تلد الإناث مرة واحدة كل عامين، وهو الأمر الذي يشكل عامل ضاغط؛ إذ يحفزها للتصرف بطريقة سلوكية عنيفة لتمرير جيناتهم، عن ذلك تشير التقديرات إلى أن ربع الأشبال التي تموت كل عام، تقتل عادةً بتلك الطريقة قبل إتمام عامها الأول.

يطلق الباحثون على حوادث القتل هذه اسم «معركة بقاء النوع»، إذ يصفونها بكونها نزاعًا جنسيًا، لتسريع عودة الإناث إلى حالة الخصوبة، وبالتالي تصبح فرصة الذكور في تمرير حمضها النووي أسهل، وهو ما تحدده السلوكيات الجنسية لهذا المجتمع التي تعتمد على تعدد الأزواج.

«الحرب البيولوجية».. تخوضها الدبابير الطفيلية والديدان الشعرية

تمتاز كل من الدبابير الطفيلية والديان الشعرية ببعض الخصائص البيولوجية التي تمكنها من شن الحروب «البيولوجية»، سواء على نوعها أو على أنواعٍ أخرى. على سبيل المثال، تعيش معظم أنواع الدبابير بطريقة شبه طفيلية، بعضها تصبح أكثر خطورة وضراوة، لكنه أمر ضروري من أجل معركة البقاء، إذ توصف تلك الطفيليات كونها أكثر المخلصات لغريزة البقاء دون ذرة ندم.

تجيد الدبابير آليات استهداف الضحايا، ومن ثم استغلالهم واستعبادهم، كما يحدث مع حشرة العنكبوت التي تعد رمز القوة والذكاء، إذ تحقنها تلك الطفيليات بمادة كيميائية عن طريق وخزة واحدة، ينتج عنها شلل كامل للعنكبوت قرابة الساعة، وهو الوقت الذي يستخدمه الدبور الطفيلي في وضع بيضة واحدة على السطح الخارجي لبطن العنكبوت، وذلك من أجل استخدامه كعائل لليرقات الصغيرة، تشق طريقها لجسده بعد الخروج من الشرنقة، من أجل امتصاص دمه.

أحيانًا تستهدف الدبابير الحشرات من نفس النوع في أطوار مختلفة من حياتها، بمعنى أنها لن تتردد في افتراس بعضها إن كان ذلك ضروريًا لبقائها النوعي، وعادةً ما تتلاعب الدبابير من خلال المواد الكيميائية التي تفرزها في سلوكيات المضيف، مثل قدرة الإناث منها على تغيير سلوكيات العناكب من أجل استعبادها، ومن ثم استخدامها طعامًا، لهذا السبب يجري استخدام الدبابير الطفيلية لمحاربة الحشرات في الحدائق المنزلية، إذ أثبتت أنها أكثر فاعلية من رش المبيدات الحشرية.

علوم

منذ سنة واحدة
معلمو البشرية المجهولون.. كيف ألهمت الحيوانات الحضارة الحديثة للبشر؟

الديدان الشعرية هي الأخرى قادرة على التحكم في عقل المضيف، وهو ما يدفع الباحثين لتصنيف المواد الكيميائية التي تفرزها بـ«الحرب البيولوجية»، والتي تمنكها من الهرب من جسد الأسماك والضفادع بعدما يفترسها جسد المضيف. إذ تفرز الديدان الشعرية بروتينات تمكنها من السيطرة على الجهاز العصبي المركزي للمضيف، تمهيدًا لقتله والهروب من فتحة الشرج.

المصادر

تحميل المزيد