أبرق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى أجهزته الأمنية والرقابية بعدم أخذ الرسائل المجهولة التي لطالما كانت سببًا في كشف فساد المسؤولين بالجزائر بعين الاعتبار في محاكمة، أو التحقيق مع أي مسؤولٍ في إدارته.

يأتي هذا التطور المقتضب في مسار مكافحة الفساد بالجزائر؛ ليضع شكوكًا لدى كثير من الجزائريين حول نوايا الرئيس الجزائري الجديد الذي تعهّد بمحاربة الفساد بالبلاد، فالرسائل المجهولة، التي كانت فزّاعة المسؤولين والإداريين بالجزائر، لن يُعتدّ بها لدى الأجهزة القضائية بعد الآن!

عربي

منذ شهر
أزمة سيولة وحرائق وانقطاع مياه.. هل يواجه الرئيس الجزائري حقًّا مؤامرة داخلية؟

«الرسائل المجهولة».. صوت الجزائريين للتبليغ عن الفساد

خلال العقدين الأخيرين، استشرى الفساد المالي والإداري بشكلٍ غير مسبوقٍ في الجزائر، حتى بات من النادر أن تجد مسؤولًا في الحكومة الجزائرية لا تحوم حول قطاعه شبهة فساد. وأمام هذا الوضع وجدت الرسائل المجهولة نفسها الوسيلة الأبرز للجزائريين من أجل التبليغ عن الفساد؛ وعما يتعرضون له.

تعدّ هذه الرسائل الطريقة الأكثر انتشارًا بين الجزائريين للتبليغ عن قضايا الفساد داخل المؤسسات الحكومية وحتى الخاصة؛ إذ توجه إلى مصالح الأمن أو القضاء لطلب فتح تحقيقات فيما يعتبره أصحابها فسادًا في التسيير أو التعاملات الاقتصادية.

لا توجد مادةٌ أو بندٌ صريح في القانون الجزائري يجيز التعامل بالرسائل المجهولة وتشجيعها للتبليغ عن الفساد، لكن بالرغم من ذلك وجدت العدالة الجزائرية في تلك الرسائل ضالتها في الكشف عن العديد من القضايا المرتبطة بالفساد.

فقد سبق وأن أفصح وزير العدل الجزائري بلقاسم زغماتي نهاية العام الماضي عن فضل تلك الرسائل في جهود الدولة في الحدّ من الفساد حين قال: «إنّ ظاهرة التبليغ عن جرائم الفساد عن طريق الرسائل المجهولة ليست خاصة بالجزائر، بل تعيشها كل دول العالم، لكن في الجزائر أخذت أبعادًا ملحوظة؛ إذ تتلقى النيابة العامة يوميًا، مئات الرسائل المجهولة يبلغ من خلالها مواطنون عن جرائم فساد مفترضة».

الرسائل المجهولة ، الوسيلة الأكثر شيوعًا بين الجزائريين للتبليغ عن الفساد
الرسائل المجهولة، الوسيلة الأكثر شيوعًا بين الجزائريين للتبليغ عن الفساد

وبحسب قانونيين تواصل «ساسة بوست» معهم، فإن «الرسائل المجهولة» هي إجراء غير قانوني، باعتبار أن القانون والقضاء عامة يبني على المعلوم لا المجهول، لكن المحامي عبد الله عزام درويش، يوضح أنّ «الرسائل المجهولة باتت مصدرًا معلومًا يعتد به، وقابلًا للتحقق منها؛ إذ عادة ما تحوّل لمراكز الأمن بقصد التأكد من بياناتها، ثم فتح تحقيقات حولها ومعاقبة المذنبين».

وساهمت الرسائل المجهولة في كشف العديد من قضايا الفساد التي هزّت الجزائر في العقدين الأخيرين، ومن بينها قضية الخليفة الشهيرة باسم «فضيحة القرن» بالجزائر، والتي كان الفضل لاكتشافها والتحقيق فيها يعود إلى الرسائل المجهولة التي قدّمت لمختلف مراكز الأمن ولكبار المسؤولين في الدولة، ونقلت تجاوزات عبد المؤمن خليفة القابع الآن في السجن.

وساهمت أيضًا في كشف قضية أكبر اختلاس وتبييض للأموال في تاريخ الجزائر، التي هندس لها المتهم عاشور عبد الرحمان المسجون حاليًا، ولم تسلم شركة سوناطراك من استهداف الرسائل المجهولة، لكوادرها المتهمين بالفساد، ففتحت عدّة قضايا حول الشركة واستثماراتها بناءً على تلك الرسائل.

الانتقام وإفشاء الأسرار.. الوجه الآخر للرسائل المجهولة

ما الدافع الذي قد يدفع شخصًا ما في الجزائر إلى حمل قلمٍ وورقة وكتابة رسالة باسم مجهول إلى السلطات الأمنية والقضائية يسرد فيها ما بجعبته من معلوماتٍ حول قضية فسادٍ ما؟ قد تكون إجابة القارئ أنّ روح المسؤولية وخدمة الصالح العام هي الدافع الأساسي لفعلٍ هذا، لكنّ حالاتٍ عديدةٍ كشفت عنها الأجهزة الأمنية والقضائية حوّلت الرسالة المجهولة إلى وسيلةٍ للانتقام وإفشاء الأسرار بين الموظفين والإداريين.

(ح.ب) أحد إطارات وزارة السكن الذين تعرضوا إلى التشويه والتضييق بسبب الرسائل المجهولة يعيد بمرارة تجربته تلك فيقول لـ«ساسة بوست»: «تمّ استهدافي من طرف أحد زملائي برسالة مجهولة يتهمني فيها باستغلال السلطة وتلقي عمولات ورشى. وبناءً على تلك الرسالة تمّ التحقيق معي والتضييق عليّ لمدة ستة أشهر، وسُرِّحت إلى عطلة؛ وكلّ هذا بسبب تلك الرسالة».

ويضيف محدثنا «في الأخير ظهر أن كلّ ما جاء في الرسالة، مجرد اتهامات باطلة، بعد أن توصل التحقيق إلى براءتي، وتمّ بعدها التوصل إلى صاحب الرسالة الذي يتابع الآن بتهمة التبليغ الكاذب».

وزير العدل الجزائري بلقاسم زغماتي
وزير العدل الجزائري بلقاسم زغماتي

يعود المحامي درويش في حديثه مع «ساسة بوست» إلى سبب اعتماد الجزائريين على الرسائل المجهولة في تبليغهم السلطات عن شُبه الفساد فيقول: «غالبًا ما يندرج استعمال الرسائل المجهولة ضمن خانة إفشاء الأسرار المهنية أو تصفية بعض الحسابات الشخصية بين بعض الموظفين ومسؤوليهم المباشرين، خاصة إذا ما تعلق الأمر بحرمانهم من الترقية أو معاقبتهم بعد تقصيرهم في أداء مهامهم، فيلجأون إلى كتابة رسائل مجهولة ضدهم وإرسالها من مكتب بريدي يكون بعيدًا عن مقر إقامة الباعث، أو مكان عمله لإبعاد الشبهة عنه، ويقوم بنشر فيها بعض ما يراه تجاوزات من طرف مسؤوله من باب الانتقام منه».

يضيف القانوني: «هذا لا ينكر أنّ هناك رسائل من فاعلي خير، أو غيورين عن المصلحة العامة والذين لا يقدرون العيش وسط الفساد».

حمايةٌ للفساد أم وضع حدّ له! لماذا يريد تبون وقف العمل بالرسائل المجهولة؟

مرة أخرى يتجدد الجدل في الجزائر بخصوص أساليب مكافحة الفساد وقدرة الدولة في التصدي للظاهرة على خلفية التعليمة الجديدة التي أقرها الرئيس عبد المجيد تبون بخصوص منع السلطات الأمنية والقضائية الاعتداد بالرسائل المجهولة للتحقيق في قضايا الفساد.

وجاء في نص تعليمة تبون أن «كل شخص يحوز معلومات حول الفساد مدعو إلى التقرب من السلطات المؤهلة، وفقًا للإجراءات المعمول بها، أو إن تعذر ذلك فالتوجه صراحة إلى وسائل الإعلام التي يكرس الدستور حريتها».

بيان
سبق لرئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون أن أعلن في كلمته الافتتاحية التي ألقاها في اللقاء الثاني للحكومة مع…

Posted by ‎رئاسة الجمهورية الجزائرية‎ on Friday, 18 September 2020

وأضاف تبون: «بناء عليه، سيتم إسداء تعليمات لوزير العدل ومسؤولي الأجهزة الأمنية، المشرفين على الإجراءات الأولية والقضائية، كل في حدود اختصاصاته، بعدم أخذ رسائل التبليغ المجهولة بعين الاعتبار من الآن فصاعدًا، لأنها لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال دليلًا قطعيًا لنسب وقائع تكتسي صفة الجريمة أو الجنحة».

وينطوي قرار تبون حسب المراقبين، إلى الظرف الحالي الذي تمرّ به البلاد خصوصًا بعد الحملة غير المسبوقة التي شنتها السلطات ضدّ الفساد منذ اندلاع الحراك الشعبي، إذ أصبح المسيرون الإداريون يرفضون التوقيع على المشاريع خوفًا من متابعتهم القضائية بعد ذلك بتهم الفساد؛ ممّا أدى إلى تأخرٍ في مشاريع التنمية على صعيدٍ كبير.

وانبعثت هذه المخاوف بالأساس، من محاكمات كبار المسؤولين السابقين والوزراء والمدراء في الفترة الأخيرة، الذين واجهوا تهمًا بالفساد بسبب تسييرهم لمشاريع أو منحهم صفقات؛ وهي المخاوف التي يريد تبون أن يضع لها حدًا.

ويُعيد قرار تبون بمنع استعمال الرسائل المجهولة إلى الواجهة؛ قانون رفع التجريم عن فعل التسيير الذي كان وراءه وزير العدل المسجون حاليًا الطيب لوح، والذي كان يهدف حسب صاحبه إلى تشجيع المبادرة لدى المسيرين، غير أنّه كان سببًا في غرق البلاد في الفساد.

كما أنّ الوزير الأوّل الأسبق عبد المالك سلال القابع هو الآخر في السجن قد أمر سنة 2016 بتوقيف الاعتماد على «الوشايات الكاذبة» و«الرسائل المجهولة»، للإيقاع بإطارات الدولة في مختلف القطاعات الوزارية والقطاعات ذات السيادة، والامتناع عن اتخاذ أي قرار بخصوص أي إطار بناء على هذه «العرائض» التي لا تحمل لا الصفة القانونية ولا الإدارية.

ومن شأن قرار تبون الأخير أن يعكر الصورة التي يحاول الرئيس الجزائري رسمها، بأنّه مناهض للفساد؛ وذلك بعد أن جمّد الأسلوب الأكثر انتشارًا بين الجزائريين لمحاربة الفساد، حسب المختصين.

بعيدًا عن كلّ هذا.. هل انتهت حملة مكافحة الفساد بالجزائر؟

من بين وعود الرئيس الجزائري الحالي قبيل انتخابه كان ما أسماه «الحرب المستعرة»، التي سيشنها على الفساد بالبلاد، متوعدًا كلّ إطارات الدولة الذين عليهم قضايا وشبهات فساد بالمحاسبة حال انتخابه رئيسًا؛ واعتبر تبون أن تعرض شخصيات شغلت مناصب سامية في الدولة للسجن بتهم «الفساد»، خلال الفترة الأخيرة، «لا يعني نهاية عملية مكافحة الداء الذي سبب خسائر كبيرة لاقتصاد البلاد».

الرئيس الجزائري تبون
الرئيس الجزائري تبون

وعليه فقد استبشر الجزائريون خيرًا بوعود تبون الانتخابية، وبالفعل صار مكافح الفساد رئيسًا للجزائر، ومما زاد أمل واستبشار الجزائريين بالعهد الجديد، إبقاء تبون على وزير العدل بلقاسم زغماتي في منصبه، واستمرار محاكمات الرءوس الكبيرة للفساد بالبلاد والتي تمّ اعتقالها من طرف قيادة الجيش في الفترة الانتقالية، غير أنّ أسئلةً كثيرة باتت تطرح اليوم حول توقّف المحاكمات والمتابعات القضائية بشكل مفاجئ.

فمنذ أشهرٍ لم تبرز إلى السطح قضايا فساد جديدة، غير تلك التي يحاكم عليها رموز النظام السابق والتي تمّ إصدار أحكامٍ فيها، وصفها القانونيين بأنّها مخففة.

ومن بين أبرز القضايا التي سار فيها نظام تبون عكس عجلة محاربة الفساد بالبلاد، امتناع وزارة العدل في شهر فبراير (شباط) الماضي عن التقدّم بطلب إلى رئاسة المجلس الشعبي الوطني، لرفع الحصانة عن 20 برلمانيًا ينتمون إلى ثلاثة أحزاب سياسية، ويواجهون قضايا بالفساد؛ ناهيك عن إطلاق سراح رجل الأعمال يسعد ربراب الذي تحوم حوله شبهات الفساد، وهي المؤشرات التي جعلت الجزائريين يرون أنّ حملة مكافحة الفساد بالجزائر قد انتهت بالفعل، خاصة بعد القرار الرئاسي الأخير.

عربي

منذ شهرين
أسوةً ببوتفليقة.. هكذا يستغل تبون التاريخ الجزائري سياسيًّا

المصادر

تحميل المزيد