أصبحت سيرة خليفة حفتر باعتباره قائدًا عسكريًا ميدانيًا، وجنرال ليبيا الأبرز في الزيارات الدولية لبحث تسوية لقضية بلاده، سيرة شبه رسمية، يتباهي بها دومًا أمام رؤساء الدول وحلفائه الدوليين، خصوصًا بعدما أصبحت قواته مسيطرة على الجانب الأكبر من ليبيا.

غير أن هذه السيرة تُخفي وراءها تفاصيل أخرى لا يرغب الجنرال الليبي في ذكرها أمام جنوده وجهات دولية. ترمز هذه التفاصيل لخيبات كُبرى وثقوب في بذته العسكرية. وتُشكل محطتها الأبرز هزيمة قواته أمام جنود تشاد «الهشة الصامدة» في حرب عرفت باسم «حرب تويوتا» عام 1987، انتهت به أسيرًا، هو و300 من أفراد قوته.

في التقرير التالي يتتبع «ساسة بوست» سيرة أخرى غير رائجة لجنرال ليبيا، وذلك عبر روايات مثبتة تروي أدوار الرجل في سنواته الأولى، قائدًا عسكريًا في الجيش الليبي، قبل فراره إلى أمريكا خوفًا من بطش رئيسه آنذاك مُعمر القذافي، كما ترسم مصادر كانت شهودًا على محطات متنوعة في حياته، صورة لتحولات الرجل والسياقات النفسية والسياسية لها.

حفتر الذي لا نعرفه.. أسير حرب تشاد الهارب خوفًا من بطش القذافي

على مدار الثمانينات، وبعد نحو عقد من تنصيب مُعمر القذافي رئيسًا لبلاده، ذهبت طموحات الرجل، المحتكم على ثروات هائلة من النفط، نحو القارة الأفريقية التي رأها امتدادًا لامبراطوريته المتخيلة. فأفريقيا التي وصفها آشيل مبيمبي في كتابه «ما بعد الاستعمار» بأنها: «جسد بلا رأس يهدده الجنون»، كانت هي المرآة التي يرى معمر القذافي في صحرائها الشاسعة وثرواتها؛ حقًا مكتسبًا له باعتباره «ملك ملوك أفريقيا»، كما توج نفسه ضمن عشرات الألقاب الرنانة.

لم يمض طويلًا حتى تحولت هذه الخيالات إلى واقع ملموس كشفت عنه نزعات القذافي الاستعمارية، بعدما أصدر فرمانًا لقوات جيشه للسيطرة على منطقة أوزو شمال تشاد. أخذت محاولات القذافي لضم هذه المنطقة سنوات عديدة، كان أبرزها عام 1981 بدخول قواته لتشاد، وفرض السيطرة العسكرية على مساحات واسعة منها.

أعلن بعدها الزعيم الليبي رفع علم بلاده، وتدريس الكتاب الأخضر. وبعد سنوات طويلة من تواجد الجيش الليبي، وتحديدًا في يناير (كانون الثاني) 1987، استطاعت القوات التشادية تحرير أولى مدنهم فادا؛ فتثار غضبة «ملك ملوك أفريقيا»، ويختار قائدًا جديدًا هو العقيد – آنذاك – خليفة حفتر، الذي عده القذافي «ابنًا له»، فيما اعتبره الأول «أبًا روحيًا له».

أمام هذا الاختيار ترك حفتر عمله حاكمًا عسكريًا لمنطقة طبرق، متوجهًا لتشاد عبر الجنوب، رافعًا شعار «لا أسرى ولا جرحى»، ومُدججًا بالسلاح السوفيتي الذي كان المصدر الرئيس لتسليح الجيش الليبي آنذاك.

كان حفتر وجهًا معروفًا للقذافي، فالأول ولد عام 1943 لقبيلة الفرجان، التي تنتشر أعداد كبيرة من سكانها حول سرت، مسقط رأس القذافي. وهو أيضًا زميله في الكلية العسكرية في بنغازي، ورفيق سابق بصفته أحد الأعضاء الذي اختارهم القذافي في مجلس القيادة بعد الإطاحة بالنظام الملكي عام 1969؛ بناءً على ما رأه من «ولاء وطاعة مُطلقة إلى جانب انتمائه القبلي»، بحسب وزير الخارجية الليبي السابق عبد الرحمن شلقام.

وبحسب شلقام، فقد كان حفتر «من بين الضباط الذين اعتادوا مغادرة معسكراتهم بدون خلع ملابسهم العسكرية وشارك في العديد من ورش التدريب العسكري داخل ليبيا وخارجها»، وحصل على امتيازات واسعة، استنادًا على علاقته الخاصة مع القذافي.

ودفعت هذه العوامل المجتمعة الزعيم الليبي لوضع ثقته كاملة في حفتر لقيادة أهم المعارك في البلد التي كان يعدها القذافي امتدادا لبلاده. غير أن هزيمة حفتر الكبري في يناير (كانون الثاني) 1987، وفشله الاستخباراتي الواسع، بعدما قاتل بلا خطة أو تغطية، كتب نهاية هذه الثقة، وبدأ محطة جديدة لحفتر يمكن من خلالها تفسير تحركاته اللاحقة في الانقلاب على رفيقه السابق، أو في تواصله لاحقًا مع الاستخبارات الأمريكية خلال سنوات إقامته في فريجينيا بالولايات المتحدة.

راكم آثار الهزيمة فقد ليبيا أكبر قواعدها العسكرية في أفريقيا، وهي قاعدة وادي الدوم، وسقوط آلاف من جنودها قتلى في صحراء أوزو شمال تشاد، والتي لا تزال بقايا عظامهم المتناثرة شاهدة على الخيبة الكبيرة والمذلة التي لاقوها، بينما انتهت مصائر الناجين بين فارين في صحراء التشاد الواسعة، أو أسرى حرب في يد القوات التشادية.

سياسة

منذ 5 شهور
بعيدًا عن حفتر والسراج.. 9 دول تتقاتل في ليبيا

كان حفتر على رأس هؤلاء الأسرى، قبل أن يتفتق ذهنه مع مجموعة من الضباط الليبين عن تشكيل «الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا» حيلة منه للنجاة من الهزيمة، وكسب ثقة حلفاء جدد بعد خسارة حليفه ورفيقه السابق القذافي. تسارعت خطوات حفتر نحو التخطيط للانقلاب على القذافي، مدعومًا آنذاك من الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، الذي رأى فيه بديلًا مناسبًا للزعيم الليبي؛ بعدما شرع الأخير في تنفيذ سلسلة هجمات إرهابية بسفارات أوروبية؛ ليتحول الرجل من رفيق وداعم ومؤيد للقذافي إلى ناقم على حكمه.

اكتشف القذافي المحاولة، وأعدم عشرات من هؤلاء الضباط، بينما فر حفتر إلى أمريكا بعد فشل محاولة الانقلاب في أوائل التسعينات، عبر طائرة إلى الكونغو ومنها إلى واشنطن، بتسهيلات أمريكية.

في السنوات اللاحقة للهزيمة والفرار إلى أمريكا، ظل حفتر ملتزمًا الصمت لنحو 20 عامًا، خلال سنوات إقامته بمنزله في شمال فرجينيا، قبل أن يعود من جديد للواجهة، الرجل صاحب الشعر الرمادي والشارب الأسود ببزته العسكرية بعد سقوط قائده السابق ورفيق الانقلاب الأول مُعمر القذافي، ليظهر كقائد عسكري يخطط لحُكم البلاد بدعم من حلفاء دوليين.

استدعت هذه العودة إعادة رسم صورة جديدة له، وتأريخ جديد لهزيمته، بتقديم رواية أخرى يبرئ فيها نفسه. إذ يحكي حفتر في مقابلة تلفزيونية رواية متناقضة، وأن الحرب كانت بقرار شخصي من القذافي، واضطر في الوقت ذاته لقيادة القوات الليبية لدفع العدوان عن بلاده وتقليل الخسائر وتحسين موقف بلاده التفاوضي، مما اضطره للقبول بالقيادة العسكرية للقوات البرية لمواجهة تهديد استقرار بلاده، على الرغم من أن زوجته كانت في حالة وضع آنذاك ولم يكن مستعدًا نفسيًا.

ويُشير إلى أنه لم يكن يملك عصا موسى: «خصوصًا بعد الدعم الفرنسي الكبير للقوات التشادية وانخراطها في الحرب مدعومة بقوات جزائرية الذي كان سببًا رئيسًا في الهزيمة»، ويضيف: «بعد سنوات نُقلت بطائرة خاصة من أواسط أفريقيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية ولم يكن معي ورقة عيش».

وعبر تنصيب نفسه رئيسًا لجمعية أعاد تسميتها باسم «ضحايا حرب تشاد»، حاول الجنرال العسكري محو هذا المشهد العام من سيرته، عقب إطلاق عملية الكرامة، مانحًا نفسه درع البطولة والتنصيب الفخري لهذه الجمعية، في مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة في مدينه المرج.

«سريع الغضب» لا يحب إلا ذاته.. شبح القذافي يسكن حفتر

«لقد كان ابني، وكنت مثل والده الروحي» *معمر القذافي عن خليفة حفتر

يحاول خليفة حفتر دومًا الظهور بمظهر الجنرال الحاسم، الذي لا تشق له كلمة، فهو القائد العسكري الذي استجاب لجموع الشعب الليبي الغفير، والطامح لولاية حُكم لمحو سنوات رفيقه القذافي، والدخول ببلاده لرغد العيش، كما يتظاهر بذلك دومًا.

الجانب الأبرز من سيرة هذا الرجل، الساكنة في الغرف المُغلقة، هي تحولاته الدائمة على حلفائه، التي تعكس مزاجًا نفسيًا شديد التقلب، ورغبة دائمة في المناورة المغلفة بتهور غير مسبوق، مدفوعًا في ذلك بحب الذات، وفساد مالي، وهوس بتجربة القذافي الذي يجاهر بعدائه.

حفتر يهدد مصالح تركيا

يتضح بعض من هذه الجوانب في كواليس علاقته مع القذافي، ففي واحدة من مقابلات الزعيم الليبي الصحافية، وصف حفتر قبل فراره بأنه مثل ابنه، غير أن الابن سرعان ما انقلب على أبيه الروحي، بعدما أسس جبهة وطنية خلال سنوات بقائه في تشاد للانقلاب على القذافي بدعم من هيئة الاستخبارات الأمريكية، تاركًا زملائه الأسرى في سجون تشاد ممن رفضوا الانضواء تحت الكيان الذي أسسه تحت شعار «الجبهة الوطنية الليبية»؛ قبل أن يفشل في مسعاه، بعدما كشف القذافي المحاولة وأعدم عددًا ممن تعاونوا مع حفتر، بينما نجا هو وذهب إلى منفاه الاختياري بوساطة أمريكية.

امتدت هذه التحولات عقب سعيه لمد قنوات الاتصال مع القذافي، عقب تخلى أميركا عنه، ليرحب به الزعيم الليبي، ويعاود الاتصال به من فترة إلى آخرى، مانحًا إياه 200 ألف دولار سنويا. مشهد التحولات في حياة حفتر تجاه القذافي كاشف لانقلابات الرجل المستمرة على حلفائه، والتي تعكس بدرجة أكبر أسباب نفسية تتقاطع بدرجة كبيرة مع شخصية القذافي.

إذ يروي محمد بوسر، المستشار السابق لحفتر في الفترة بين عامي 2014 إلى 2016 شهادته عن الجنرال الليبي قائلًا: «كان مدفوعًا بمصالحه الذاتية دومًا»، ويضيف أنه «يتحدث عن الرشاشات والمدافع والدبابات والطائرات، مثل الطفل الذي يستمتع بمشاهدة كرة القدم».

دولي

منذ 4 شهور
بعدما أرسلت تركيا قواتها.. كيف ستتغير خريطة الحرب في ليبيا؟

تمتد هذه التحولات في حياة الرجل إلى التشابهات بينه وبين القذافي، إذ يستيعد بوسر بعضًا من هذه التقاطعات بين الشخصين: «ليس لديه أي عمق، سأخسره إذا كنت أتحدث معه أو تتعلق به بأي فكرة فكرية. إنه مهووس بتجربة القذافي. الخطاب السياسي الوحيد الذي يعرفه هو خطاب القذافي ذاته عن الانقلاب؛ يصعد للحكم، ويورثه لأبنائه كما فعل القذافي».

كذلك تُظهر أجوبة حفتر في اللقاءات التلفزيونية أو الصحافية سمة جديدة مشتركة مع القذافي؛ فهو رجل اعتاد دومًا التحايل على الأسئلة الموجهة له، ويتعمد تحقير خصومه بطريقة رفيقه السابق نفسها، كما فعل على سبيل المثال، عند سؤاله من صحيفة «الجادريان» البريطانية عن عدد مقاتليه ممن يخضعون لأوامره مباشرة، ليردبالسخرية من رئيس الأركان ووزارة الدفاع في طرابلس، قائلًا: «إنهم لا يسيطرون على أي شيء باستثناء عدد قليل من الموظفين في مقرهم والملفات الموجودة على الطاولات أمامهم. باقي الجيش معنا».

امتدت هذه التحولات تجاه حلفائه الحاليين مثل مصر، وهي الداعم الأول له عسكريًا وسياسيًا، إذ يذكر في مقطع فيديو سابق له أسماء دول يعتبرها أعدائه: «مصر والجزائر وتونس وتشاد. ينبغي أن نتعامل مع هؤلاء كأعداء نخشاهم، لأنهم فقراء وطامعون في ثروات بلدنا». لاحقًا أفاض في مشاعره المحبة لمصر نظامًا وشعبًا، متناسيًا تصريحاته السابقة.

اتصالًا بجوانب ووجوه حفتر الغائبة يبرز «فساد الرجل السبعيني المالي» كأحد الوجوه التي لازمته في كثير من محطاته واتصالاته، مثل إلحاحه على التواصل مع المسؤولين الأمريكين خلال سنوات إقامته في فريجينا، بحثًا عن هبات مالية يمنحها إياهم له، بعدما قطعت «سي آي إيه» التمويل عنه، غير عابئ بطريقتهم التي اعتادت التقليل منه، واحتقاره لاحقًا، بحسب شهادات مسؤولين أمريكين استخبارتيين لصحيفة «الجارديان» البريطانية، قالوا: «إنه نوع من الرجال الفاسدين الذين اعتدنا التقليل منهم».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد