2,914

لم يكن وزير الداخلية التونسي المقال لطفي براهم مسؤولًا عاديًا، بل كان يثير الجدل في كل خطوة يخطوها، ويبدو أن تلك الصفة قد رافقته حتى بعد إطاحته من منصبه، إذ كشف عن تورطه في أحد أخطر المخططات التي تستهدف المسار السياسي في تونس منذ إطاحة رئيسها السابق زين العابدين بن علي.

تونس تفشل «مخطط انقلاب» إماراتي

في السادس من يونيو (حزيران) الجاري، استيقظت تونس على وقع تغيير حكومي في أحد أكثر الوزارات حساسية، إذ أطيح وزير الداخلية لطفي براهم، ولم تعلق الحكومة رسميًّا على أسباب الإقالة، لكن البعض عزا الأمر إلى حادثة وقعت قبل أيام حين غرق قارب صيد كان يقل عشرات المهاجرين الشرعيين جنوب شرقي البلاد، ونقلت تقارير صحافية عن مسؤولين حكوميين أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد قد أقال براهم بسبب فشله في منع القارب والهجرة غير الشرعية بوجه عام.

لكن تلك «المبررات» لم تقنع الكثيرين الذين أكدوا أن وراء الأمور أمورًا، لا سيما أن براهم لم يكن وزيرًا عاديًا، بل كان سياسيًّا مثيرًا للجدل يعلو نجمه يومًا بعد يوم، قبل أن يخرج عدد الأمس -11 يونيو- من مجلة «موند أفريكا» الفرنسية المهتمة بالشؤون الأفريقية بتسريبات تكشف السبب الحقيقي وراء إقالة براهم، الذي كان -وفقًا للصحيفة- رأس حربة في مخطط إقليمي كبير يستهدف إحداث «انقلاب» على السلطة القائمة في تونس.

Embed from Getty Images
لطفي براهم (يسار)

وحسب الصحيفة، فإن إقالة وزير الداخلية جاءت بعد لقاء سري جمعه بمسؤول رفيع في جهاز الاستخبارات الإماراتية، جاء بعد عودة المسؤول الإماراتي من لقاء تحضيري لقمة باريس التي ستناقش الأوضاع في ليبيا، وقد اجتمع المسؤول الإماراتي مع براهم في جزيرة جربة التونسية، حيث اتفق الاثنان على «خارطة طريق» لإدخال تغييرات جوهرية على رأس السلطة في تونس، في سيناريو شبيه بسيناريو عزل الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة على يد زين العابدين بن علي.

اتفق الرجلان -وفق التسريبات- على إقالة رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد من منصبه، واستبداله بوزير الدفاع بن علي كمال مرجان رئيسًا للحكومة، ثم يتم عزل الرئيس الباجي قايد السبسي من منصبه «لأسباب مرضية»، في خطة كانت الإمارات تهدف منها إلى استبعاد حركة «النهضة» الإسلامية من المشهد السياسي التونسي.

ووفقًا للصحيفة، فقد تم إحباط المخطط بعد اكتشافه من قبل أجهزة الاستخبارات الفرنسية والألمانية والجزائرية، التي أبلغت بدورها السلطات التونسية التي تحركت لإحباط «الانقلاب»، وأقالت براهم، وهو الذي لم يقضِ في منصبه أكثر من تسعة أشهر.

القوات المسلحة التونسية.. قصة جيش لا يسعى إلى السلطة!

رجل الظل ذو الطموحات الواسعة

تحيلنا التسريبات السابقة إلى تذكر حادثة أخرى مثيرة للجدل، وهي زيارة براهم نفسه إلى المملكة العربية السعودية أواخر فبراير (شباط) الماضي، وهي الزيارة التي أثارت الكثير من الجدل؛ إذ دامت خمسة أيام كاملة، ليصفها المغرد السعودي الشهير مجتهد بأنها «أطول مما ينبغي»، كما لوحظ الاحتفاء الزائد بالوزير التونسي على غير العادة وخلافًا للبروتوكول، فقد استقبله العاهل السعودي بنفسه، وهو الذي لا يستقبل عادة سوى كبار الزوار.

لوحظ كذلك محاولة الإعلام السعودي التعتيم على الزيارة، إذ اقتصر الأمر على نقل وكالة الأنباء السعودية (واس) نبأ الزيارة من دون التطرق إلى تفاصيلها، وقد خرجت تغريدات المغرد السعودي «مجتهد» لتزيد النار اشتعالًا، فتحدث عما يمكن وصفه بـ«مخطط» سعودي لإعادة بن علي إلى الحكم، ملمحًا إلى لقاء تم بين براهم وبن علي في السعودية، وهو الأمر الذي تسبب في طول مدة الزيارة.

ووفقًا لـمجتهد، فـ«الحكومة السعودية لا تزال ترغب في إعادة بن علي إلى الحكم، وذلك بتنفيذ برنامج إعلامي سياسي أمني لإقناع الشعب التونسي أن الوضع تحت حكمه أفضل بكثير مما عليه الآن، وتمارس هي والإمارات نفوذهما المالي هناك لتهيئة الشعب التونسي لذلك».

وأضاف مجتهد: «لطفي براهم من الشخصيات المساهمة في هذا البرنامج… لكن جريمته الحقيقية تجاوزت هذه العملية الإرهابية الكاذبة إلى جريمة أكبر وهي الاستجابة للضغط السعودي الإماراتي بالاستماع لتوجيهات بن علي من منفاه باعتباره أعرف منهم بقمع الإسلاميين، وذلك بتدشين خط سري بينهما».

ووفقًا لمجتهد فـ«الاتصال يبدو أنه لم يكن كافيًا، فأصرت السعودية على مقابلة شخصية مع بن علي حتى يتمكن من استعراض الوضع بالتفصيل، وإعطاء التوجيهات. ولهذا السبب طالت مدة الزيارة وحاول الجانبان إعطاءها غطاءً سياسيًّا بمقابلة الملك ووزير الخارجية، وكأن وزير الداخلية أتى ممثلًا للرئيس».

ويعد لطفي براهم من أكثر وزراء الداخلية التونسيين إثارة للجدل، فقد لوحظ التسويق له تونسيًّا باعتباره «الرجل القوي» القادر على مواجهة «الظلاميين»، ويلقبه أنصاره بـ«قلب الأسد» و«قاهر الجرذان»، وقد شهدت وزارة الداخلية في عهده العديد من «الانتهاكات» إلى حد اقتحام مجموعة من الأمنيين قاعة محكمة مطالبين بالإفراج عن زملاء لهم.

وقد أشار تقرير «موند أفريكا» إلى محاولة براهم -الذي لقبته بـ«رجل الظل ذي الطموحات الواسعة»- التقرب من العديد من السياسيين، من بينهم رضا بلحاج أحد قيادات «نداء تونس» الذي انشق عنها قبل عامين وأسس حركة «تونس أولًا»، وآخرون ممن تلقوا تمويلًا من دولة الإمارات بحسبها، وقد حاول هؤلاء نسج تحالف مع نجل الرئيس حافظ قايد السبسي، المعروف هو الآخر بعلاقاته المتوترة مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

كما عرف عن براهم توتر علاقته بـ«صاحب القصبة» رئيس الحكومة يوسف الشاهد، الذي كان يمتعض من استفراد وزير الداخلية بقراراته، وبكونه لا يعير تعليماته أو اقتراحاته الكثير من الاهتمام، وكان ينظر إلى براهم باعتباره محسوبًا على «قصر قرطاج»، أي على الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، ومن ثم فإن تلك الإقالة تأتي باعتبارها تأكيدًا لسلطة رئيس الوزراء، وقدرته على امتلاك القرار في حكومته.

عرّاب الانقلابات.. هواية الإمارات في «رسم القمع» على وجه الشعوب

«كلاكيت عاشر مرة»

في حال ثبوت صحتها، فإنه لا يمكن قراءة المحاولة الإماراتية الأخيرة التي كشفت عنها «موند أفريكا» للانقلاب على المسار السياسي في تونس، إلا باعتبارها حلقة في سلسلة من الجهود الإماراتية الدؤوبة التي تكل ولا تمل لتغيير الأوضاع في البلاد، في محاولة لقطع الطريق أمام عدوها اللدود حركة النهضة، للعب أي دور سياسي هناك.

ففي ديسمبر (كانون الأول) 2015، نشر موقع «ميدل إيست آي» تقريرًا يكشف فيه كواليس لقاء دار بين رئيسي الأركان الإماراتي والجزائري، أسر فيه رئيس الأركان الإماراتي لنظيره بأن بلاده ستقوم بزعزعة استقرار تونس، انتقامًا من رفض الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي طلب أبوظبي بقمع حركة النهضة على خطى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي الذي عمد إلى استئصال الحركة الأم (الإخوان المسلمين) تمامًا من المشهد السياسي، ووفقًا للتقرير فقد رفض المسؤول الجزائري تلك التصريحات مؤكدًا أن أمن تونس من أمن بلاده، وقام الجزائريون بتمرير تلك الخطط إلى السلطات التونسية لأخذ الحذر.

Embed from Getty Images
أنصار لطفي براهم يتظاهرون ضد إقالته

وقد كان الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي نفسه أحد من استهدف الإماراتيون كسب ودهم، ليكون أداة مناسبة لتنفيذ خططهم، إذ أهدته أبوظبي خلال الحملة الرئاسية سيارتين مدرعتين، وذكر أحد الصحافيين المقربين من السبسي أن الأخير أخبره أن «دولة الإمارات العربية المتحدة ربطت أي مساعدة اقتصادية لتونس بتكرار المشهد المصري، واستبعاده الإسلاميين تمامًا من الساحة السياسية»، لكن السبسي أدار ظهره للإماراتيين واختار التوافق مع حركة النهضة بدلًا من إعلان الحرب عليها.

ومنذ ذلك الحين، والإمارات لا تكف عن تكرار المحاولات، سعيًا وراء اكتشاف «فرس رهان» يمكن الاعتماد عليه لمواجهة الإسلاميين، فاستثمرت في كثير من السياسيين، من بينهم محسن المرزوقي المنشق عن الحزب الحاكم، ولما فشل مسعاها حاولت الاعتماد على مهدي جمعة، رئيس الوزراء السابق، ورغم فشل تلك المحاولات حتى الآن، واستمرار المسار السياسي التونسي رغم التحديات، إلا أن الجعبة الإماراتية على ما يبدو لم تفرغ بعد.

عرّاب الانقلابات.. هواية الإمارات في «رسم القمع» على وجه الشعوب