لا يغيب رجال الدين عن المشهد السياسي في لبنان الذي يعيش منذ شهور قطيعة بين رموز طبقته الحاكمة التي تتصارع على السلطات والوزارات، كان أبرز علاماتها الفشل في تشكيل الحكومة، وإسقاط أكثر من رئيس للوزراء في غضون شهور معدودة بسبب غياب التوافق السياسي.
ودخل رجال الدين المُمثلين للطوائف الدينية على خط هذه التشابكات بين رموز الطبقة الحاكمة، عبر دعوة وجهها البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، أكبر رجل دين مسيحي في لبنان، إلى الرئيس ميشال عون بعقد اجتماع مصالحة مع رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري، وإنهاء الخلافات بينهما التي وصلت إلى طريق مسدود؛ حتى يتسنى تشكيل الحكومة.
وسبقت هذه الدعوة تدخلات غير مباشرة من وراء ستار الأحداث لمفتي السنة بهدف نزع الشرعية عن بعض المرشحين لرئاسة الحكومة غير المرغوب فيهم من جانبه؛ لتثير هذه الدعوات والتدخلات تساؤلات حول الأدوار غير المباشرة لأبرز الزعامات الدينية في التأثير على الساسة والحكام في لبنان، وحدود هذا التأثير، وعما إذا كانت هذه التدخلات فاعلة ومؤثرة للدرجة التي تستجيب لها الطبقة الحاكمة.

مفتي السنة.. نفوذ أكبر تعززه صلاته مع الحريري

حضر رجال الدين من ممثلى الطوائف الدينية التي ينتمي لها رجال الطبقة الحاكمة في لبنان في المشهد السياسي في الشهور الأخيرة كلاعب رئيس في صراع السلطة القائم بين الطوائف السياسية، منذ استقالة حكومة سعد الحريري أكتوبر (تشرين الأول) العام قبل الماضي، تجاوبًا مع الاحتجاجات التي عمت المدن اللبنانية، ورفع خلالها المتظاهرون مطلب استقالة الحكومة وإجراء انتخابات مُبكرة، وإنهاء نظام المحاصصة السياسية.

وتباينت تدخلات رجال الدين في المشهد السياسي لتعكس حصص هذه الطوائف في السلطة ورغبتهم في إثبات حضورهم، وكذلك ضمانة امتلاك صبغ الشرعية الدينية على الساسة المدعومين من جانبهم، وقطع الطريق على أي منافس سياسي يحاول طرح نفسه كمرشح دون موافقة رموز هذه الطوائف.

على سبيل المثال تدخل المفتى عبد اللطيف الدريان لحسم رغبة الطائفة السنية في اختيار سعد الحريري كرئيس للحكومة دون غيره، وإضفاء درجة من الشرعية الدينية على شخصه مقابل التراجع عن دعم أي مرشح سنة آخر، كما حصل مع سمير الخطيب، وحسان دياب.

وقائع رفض مفتي السنة للخطيب ظهرت في التحول في موقف الأخير من القبول بالمنصب إلى الاعتذار عنه عقب لقاء عبد اللطيف الدريان في دار الإفتاء، وزيارته لاحقًا للحريري في منزله لنقل رغبة المفتي في ترشيحه لهذا المنصب ممثلًا للسنة بتأييد من المفتي.

ونقل الخطيب عنه آنذاك أن «صاحب السماحة هو من داعمي الرئيس سعد الحريري الذي يبذل جهودًا للنهوض بلبنان ويدعم دوره العربي والدولي الذي يصب في هذا الاطار. وعلمت من سماحته انه نتيجة اللقاءات والمشاورات والاتصالات مع أبناء الطائفة الإسلامية تم التوافق على تسمية الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة المقبلة».

تكرر تدخل المفتي مرة أخرى عند ترشيح حسان دياب لهذا المنصب، وقبوله بالمنصب آنذاك دون الرجوع لمفتي السنة، ليرفض الأخير استقباله قبل تسميته رئيسًا للحكومة، قبل أن يتم استقباله بعد نيل الثقة باعتباره «قد صار رئيسًا لحكومة كل لبنان»، حتى استقال من المنصب بعد شهور معدودة.

وتشمل الحصة السُنّية فى الحكومة اللبنانية مناصب رئاسة الوزراء، ووزارة الداخلية، والاتصالات، والتربية والشباب والرياضة، وامتدت مهام المفتي في حلبة السياسة لتشمل الدفاع عن صلاحيات رئيس الوزراء، في خطبه الأسبوعية من محاولات التهميش أو تجريده من بعض سلطاته، إلى جانب تفضيل بعض الأسماء في الحقب الوزارية التي بحوزة السنة، والدفاع عن هذه الترشيحات.

كما يظهر إضفاء هذه الشرعية الدينية في الإثناء المتكرر على زعامة سعد الحريري «كنموذج للاعتدال والكرم»، الذي تنطلق مبادراته السياسية على «خريطة طريق إسلامية ووطنية» بحسب المفتي، وتظهر أيضًا في موافقته وترحيبه برغبة الحريري في بدء حوار مع «حزب الله».

ودار الفتوى هي مؤسسة حكومية، يترأسها الشيخ عبداللطيف دريان، منذ انتخابها في أغسطس (آب) عام 2014، وتقوم الدار بمهمة إصدار الأحكام الشرعية الخاصة بالطائفة السنية وإدارة المدارس الدينية والإشراف على المساجد، في سياق نظام لبنان الطائفي الذي تتولى فيه كل طائفة إدارة شئونها الداخلية. وتعكس آلية اختيار مفتي السنة إجابة السؤال حول ممارسة هذا الدور السياسي من قبله إلى جانب عمله الدعوي؛ إذ شكل السياسيون السنة ما يقرب من ثلث الهيئة الانتخابية التي اختارت دريان.

البطريرك الراعي.. أكبر رجل دين مسيحي ليس بنفس نفوذ أسلافه بسبب عون

دخل البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، أكبر رجل دين مسيحي، على خط أزمة تشكيل الحكومة، بعد دعوته الرئيس ميشال عون، المُمثل للطائفة المسيحية، لعقد اجتماع مصالحة مع رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري لتشكيل حكومة وإنهاء حالة الجمود السياسي في البلاد.

وتدهورت العلاقة بين عون والحريري بعد ظهور فيديو مسرّب انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، يتحدث خلاله عون إلى حسان دياب رئيس حكومة تصريف الأعمال عن الحريري. وسُمع عون في الفيديو وهو يقول: «ما في تأليف (حكومي)، يقول عطاني ورقة… بيكذّب».

وأعاد تدخل البطريك تساؤلات حول مهامه في ساحة السياسة وحدود أدواره في دعم ممثل طائفته ميشال عون، وطبيعة تدخلاته في تفضيل وزراء عن آخرين، والأهم نفوذه عند رموز طائفته الممثلين في السلطة. غير أن حدود أدوار البطريرك بشارة بطرس الراعي، الذي انتخب عام 2011، في تدخلات السياسة تقلصت كثيرًا، وهُمشت سلطاته، بالنظر لصلاحيات أسلافه من المطارنة الموارنة، بسب الخلافات السابقة بين الراعي وعون منذ كان الأول متحدثًا رسميًا للكنيسة المارونية.

وظلت العلاقات بين الراعي وعون يخيم عليها التوتر مع توقف انتقادت رأس الكنيسة لعون بعد انتخابه لرئاسة لبنان، قبل أن يعاود الراعي العام الماضي الانتقاد دون أن يسمي أحدًا بعينه حين انتقد سياسات «حزب الله» اللبناني وحلفائه، دون أن يذكرهم بالاسم، في إشارة غير مباشرة لعون وصهره جبران باسيل المتحالفين مع التنظيم الشيعي.

وسبق للراعي وصف ميشال عون حين كان نائبًا سابقًا بأنه «يتم استخدامه لشق الصف المسيحي، وانه اداة بيد «حزب الله»، كما كرر الدعوة لحصر السلاح بيد الجيش اللبناني؛ مما خلق عداوة وخصومة لم تزل رواسبها قائمة بين الرجلين، وأدت إلى تقويض مهام الرجل في الحياة السياسية، وعدم تجاوب السلطة مع مبادراته.

ويقتصر حضور الراعي في الخلافات السياسية القائمة على دعوات للطبقة السياسية اللبنانية للتحرر من الضغط الخارجي أو إطلاق مبادرات للصلح دون أن تجد تجاوبًا من زعماء طائفته، وتحديدًا من عون الذي يسيطر على رأس السلطة، بسبب خلافاتهما السابقة، وتتمثل حصة المسيحين في لبنان بحسب المنصوص عليه في الدستور في رئاسة الجمهورية، كما أن قائد الجيش وحاكم مصرف لبنان يكون أيضًا من تلك الطائفة.

عربي

منذ 4 شهور
مترجم: عام على «ثورة تشرين».. هكذا أصبح الرحيل عن لبنان هو الخيار الأفضل

من جانبها قالت مطيعة هلاك، صحافية لبنانية، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»: إن البطريرك الراعي عنده بالطبع كلمته وتأثيره في الوسط المسيحي، الماروني تحديدًا، لكن كلمة البطرك الراعي ليست حاسمة؛ لأنه قد يتضارب أحيانًا مع التيار العوني أو مع القوات اللبنانية (جعجع) في بعض المواقف.

المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.. حضور رمزي

لم يغب المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي يُمثل المرجعية الشيعية الأعلى، عن التشابكات السياسية، بعدما صدر عنه أول خطاب عنيف من نوعه ضد النظام والطبقة السياسية، مدافعًا خلاله عن «حزب الله» ضد الانتقادات التي وجهتها بعض المرجعيات الدينية، كالبطريرك الراعي، بأنه السبب الرئيس في «تعطيل الحكومة».

وفي بيان صدر عن المجلس، هاجم ممثلي الطوائف السياسية من خصوم «حزب الله» في الطبقة الحاكمة قائلًا: «أن تفرض طبقة سياسية فاسدة، خرج منها من يراهن على سحق المقاومة وتمديد الحرب عليها، شروطها، ونحن نعتبر هذه الفئة مسؤولة عما وصلت إليه البلاد من انهيار اقتصادي، وهي تحاول مرة أخرى فرض شروطها على تشكيل الحكومة».

ويُعد المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان، أول مركز رسمي للشيعة في لبنان، والمرجعية الدينية للمنتمين للطائفة الشيعية، الذي أسسه الإمام موسى الصدر؛ وذلك للدفاع عن حقوق الشيعة وتوحيد صفوفهم، وتولّى الإمام موسى الصدر رئاسته منذ تأسيسه الذي تولّاها بعده محمد مهدي شمس الدين إلى حين وفاته سنة 2001، ثم ناب عنه عبد الأمير قبلان.

ويقول صحافي لبناني منتم للطائفة الشيعية، ومُقرب من «حزب الله»، رفض ذكر اسمه، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»: إن الكلمة العليا لـ«حزب الله» ونبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني، في الطائفة الشيعية، موضحًا أن موقف المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى عمليًا هو صدى لهما، وإذا حصل بعض التباين أو رفع النبرة فسرعان ما تنطفئ ولا تترك أي أثر. وأضاف الصحافي أن للمجلس كلمة مؤثرة، لكن ليست عليا. قائلًا: «في كثير من الأحيان تكون الكلمة للساسة ويوفّر لها المرجع الديني المخرج اللازم».

تدخلات الزعامات الدينية.. صورة أخرى للطائفية

تعكس تدخلات الزعامات الدينية في صراعات الطبقة الحاكمة السياسية صورة للنظام السياسي «الطائفي» في لبنان، الذي تحول معه كُل زعيم ديني لطائفة لمدافع عن مصالح أبناء طائفته في السلطة، ومصدر شرعية دينية للساسة المتوافقين معه.

من جانبه قال ربيع بركات، أستاذ الإعلام في الجامعة الأمريكية ببيروت، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»: تدخل رجال الدين ممن يعتبرون مرجعيات روحية على رأس المؤسسات الدينية في السياسة منذ تأسيس دولة لبنان الكبير، موضحًا أن هذا الدور مرتبط بمكانة هذه الزعامات وسط رعاياهم، فضلًا عن أن العصب السياسي في لبنان جزء كبير منه مكون طائفي.

وأضاف بركات أن التداخل ما بين الطائفي والسياسي ليس جديدًا، بحكم أن لبنان تكوينيًا قام على التعايش بين الطوائف، وليس الأفراد، شارحًا ذلك بأن «العقد الاجتماعي بالدرجة الأساس يقوم على التوافق الطوائفي الميثاقي الذي انعكس بعد ذلك في صورة قوانين وتقاسم مقاعد برلمانية وزارية، وتُرجم لاحقًا لما بات يعرف «بالزبائنية»، أي أننا أصبحنا أمام نظام زبائني تمكن خلاله الزعماء السياسين ممن يمثلون نسب مرتفعة من طوائفهم من توظيف نفوذهم من خلال الأجهزة البيروقراطية في الدولة عبر خدمتهم بتقديم الموارد لهم مقابل كسب ولائهم».

وتابع مسؤول صفحة الرأي السابق بجريدة السفير اللبنانية، أن ممثلي المؤسسات الدينية لعبوا هذا الدور منذ مرحلة تأسيس دولة لبنان الكبير، مؤكدًا أنه كان هناك غطاء ديني من المؤسستين المسيحية المارونية والإسلامية السنية بالدرجة الأساس على كُل القرارات السياسية، قبل أن تتجلى أدوار لمرجعيات دينية آخرى في السبعينات بعد بروز رموز دينية، مثل سيد موسي الصدر، والذي مأسس هذا النفوذ من خلال مجلس الإسلام الشيعي.

واختتم بركات تصريحاته بالتأكيد على أن هذا الدور الذي يمارسه رجال الدين في المرحلة الحالية هو امتداد لهذا الدور الذي بدأ منذ عقود، ويتفاوت تأثيره ومظاهره قياسًا على الأوضاع، مستدعيًا بعض أبرز هذه الأدوار كاعتصام الإمام موسي الصدر رفقة مرجال دين مسيحيين في بداية الحرب الأهلية داخل إحدى الكنائس للتعبير عن رفض استمرار الحرب، ورعاية بطريرك المسيحيين الموارنة في نهاية التسعينات لتجمع سياسي مناهض للوجود السوري في لبنان، واغتيال مفتي السنة الشيخ حسن خالد على خلفية مواقف له تتعلق بالحرب الأهلية اللبنانية.

المصادر

تحميل المزيد