حسين توفيق إسماعيل أحمد الحكيم أو «توفيق الحكيم» الاسم الذي نال شهرة طاغية في العالم العربي، وأكسب صاحبه – الذي يعرفه القاصي والداني – قدرًا وفيرًا من الصيت والمال معًا، بعدما تحولت أعماله الأدبية – التي لا تزال تُطبع إلى الآن – إلى الأكثر رواجًا.

لتوفيق الحكيم سيرة رسمية يحتفي بها الجميع، وتنشرها الصحف ووسائل الإعلام في ذكرى ميلاده أو فاته؛ فهو الرجل الذي ألف أكثر من 100 مسرحية وحوالى 62 كتابًا أولها «عودة الروح» عام 1933، وآخرها «مصر بين عهدين» عام 1983، وتوفى فى 26 يوليو (تموز) 1987، كما تروي عنه وسائل الإعلام.

غير أن هذه السيرة الرسمية المتداولة، تقابلها سيرة أخرى لتوفيق الحكيم، تروي وجوهًا غائبة عنه لدى الكثيرين، ممن ألفوا التعامل معه باعتباره أديبًا بارزًا لا ينازعه أحد في مهاراته الأدبية، أو اطلاعه الواسع، وهي حقائق لا ينكرها أحد. غير أن هذه السيرة الشائعة تخفي شخصًا آخر تغيب صفاته عن الكثيرين، وشكلت بعدًا هامًا في نوعية أعماله الأدبية، والتي نستعرضها في التقرير التالي.

مكتب 606.. الشاهد على خداع توفيق الحكيم لزملائه

كان مكتب توفيق الحكيم الذي يحمل الرقم 606 – أكبر مكاتب الدور السادس بمؤسسة الأهرام – ملتقي كبار صحافيي أكثر الصحف المصرية انتشارًا آنذاك في العالم العربي، وشبابها أيضًا مثل محمد سلماوي، رئيس اتحاد كُتاب مصر الذي كان يعمل آنذاك في القسم الخارجي بالصحيفة.

في واحدة من زيارات سلماوي لمكتب الحكيم وجد كبار صحافيي مصر العاملين في المؤسسة أو من خارجها مجتمعين حول الحكيم. البعض جالس والآخر واقف لا يجد مكانًا للجلوس. لم تمر ثوان على دخول سلماوي، حتى باغته الحكيم بسؤال عما إذا كان سيوقع على بيان كتبه بخط يده عن حالة الركود التي تعيشها البلاد؛ ليوافق الصحافي الشاب على الفور.

توفيق الحكيم

حمل الخطاب كذلك انتقادات مباشرة لسياسات الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، ومطالبات فتح المجال العام أمام حرية الرأي والتعبير، وتنفيذ تعهداته السابقة بالإفراج عن الطلبة الذين اعتقلوا أثناء المظاهرات والاعتصامات.

كانت أراء الحكيم بحسب ما رواه محمد سلماوي في كتابه «يومًا أو بعض يوم: مذكرات (1945 – 1981)»، تتراوح بين نقد سياسات السادات، والهجوم عليه في الجلسات الودية، حتى وصل للأخير بعض مما قاله توفيق الحكيم؛ لينفعل الرئيس الراحل في حديث مع أحمد بهاء الدين، قائلًا: «هذا المخرف العجوز توفيق الحكيم الذي لا أعرف ماذا يعجبكم فيه؟».

ضمت الأسماء الموقعة مع سلماوي جمعًا من أبرز مثقفي مصر، أبرزهم نجيب محفوظ، وأحمد بهاء الدين، وجمال الغيطاني، وثروت أباظة، ورجاء النقاش، ولطفي الخولي.

كان أثر انتشار الخطاب سريعًا على جميع موقعي البيان، بعدما انتشر في صحف العالم العربي التي احتفت به على صدر صفحاتها الأولى، وسمع به الجميع داخل مصر، بمن فيهم القابعون في القصر الرئاسي.

بعد انتشار الخطاب ثأر السادات تجاه كُل موقعي البيان، حيث أصدر بحقهم قرارات فصل من وظائفهم داخل مؤسسة الأهرام، ونقل بعضهم لمهن أخرى أقل شأنًا عقابًا على فعلتهم التي رأها «عملًا مُناهضًا للصالح القومي».

وسط قرارات العزل والعقاب الجماعي التي طالت جميع الموقعين على البيان، نجا توفيق الحكيم: كاتب الخطاب، من أي قرار توقيف عن العمل، أو عقاب مادي، وسط تعجب كافة زملائه، وتساؤلات دارت في أذهانهم، وشكوك أيضًا، حول دوافع توفيق السياسية، عقب استثنائه من العقوبة التي طالتهم جميعًا.

وقد كان لهذه الاستثناء بالغ الأهمية في كشف جانب رئيس من شخصية الحكيم، اكتشفه المقربون منه، وهو تحايله الدائم، وسعيه الدءوب للنجاة بنفسه، حتى لو كان سببًا في أن ينتهي ببعض زملائه إلى الزنزانة كما فعل في فعلته.

كانت الحيلة التي عرفها الجميع، بعد مرور شهور على قرارات السادات العقابية بحسب ما يحكي سلماوي، هي تواصل توفيق الحكيم سرًا مع الرئيس المصري آنذاك، والإيعاز له بأنه «مضحوك» عليه، وأن هناك أشخاصًا غرروا به عبر دفعه لكتابة هذا الخطاب، وأنه نادم على كُل حرف خطه بقلمه.

وظهرت آثار عفو السادات عن الحكيم سريعًا في كتابات الأخير، التي امتدحت سياساته، وهاجمت بضراوة سياسات خلفه جمال عبد الناصر، وأصدر كتابه «عودة الوعي» الذي هاجم فيه نظام عبد الناصر بشدة، والذي رأى فيه أنه –وغيره – كانوا مغيبين عن الوعي طوال سنين حُكمه وحتى هزيمة 1967.

على إثر هذه التحول حظي الحكيم بمكانة خاصة عند السادات، جعلته من أقرب المُقربين له، ومستشاره الذي يأخذ برأيه في كُل كبيرة وصغيرة، ويُفصح له بأسرار الدولة، لدرجة أنه كان من المعدودين الذين عرفوا بموعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) قبل انطلاقها، بعدما كان يصفه السادات بـ«رجل عجوز استبد به الخرف، يكتب بقلم يقطر بالحقد الأسود. ومحنة أن رجلًا رفعته مصر لمكانته الأدبية إلى مستوى القمة، ثم ينحدر إلى الحضيض فى أواخر عمره».

وتحول كتاب «عودة الوعي» إلى منشور ترويجي توزعه مؤسسات الدولة برغبة من السادات، محاولة من الأخير لمحو حقبة عبد الناصر، والإشارة إلى كم الخطايا في عهده. وسرد الحكيم في الكتاب وقائع من مسيرة حركة الضباط الأحرار، والذي رأى أن مبادئها روجت للديمقراطية والمساواة، فيما مارست الاستبداد والتفرد بالحكم. ووصف الحكيم تلك المرحلة بأنها «كانت مرحلة عاش فيها الشعب المصري فاقدًا للوعي، في وقت تعرض فيه الزعيم الراحل لحملة شرسة قلبت انتصاراته إلى هزائم وإنجازاته إلى أخطاء».

نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم

نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم

وقد تسببت كتابات الحكيم المتملقة للسادات في هجوم واسع عليه من جانب زملاء سابقين له، أبرزهم محمد حسنين هيكل، الذي اتهمه بالجبن لأنه لم يواجه عبد الناصر في حياته، وأنه لم يكن سوى أحد حارقي البخور أمام عبد الناصر خوفًا من بطشه.

واقعة أخرى تُبرز هذا التناقض في مواقف توفيق الحكيم السياسية، وتحولاته الدائمة وفقًا لما تقتضيه المصلحة. فقد ثارت ثائرة الحكيم حيال القرار الصادر من عبد الناصر بتعيين هيكل وزيرًا للإعلام، حتى أنه بعث بخطاب مكتوب بخط اليد إلى هيكل وعبد الناصر يرفض فيه قرار التعين، متمسكًا باستقلال الصحافة عن السلطة. وبرر ذلك قائلًا: «لا يتفق مجال القلم مع كرسي السلطة، وأن البلاد أصبحت لا تصدق الجهات الحكومية؛ لأن الأزمة صارت أزمة ثقة، وأن الأقلام الحرة المستقلة هي وحدها التي تستطيع أن تعالج نفسية الشعب».

بعد سنوات على مرور هذه الواقعة التي كانت سببًا في خصامٍ بين هيكل والحكيم، ورحيل عبد الناصر وخفوت نجم هيكل، سنحت الفرصة للحكيم بالتودد للسادات، متبعًا كتالوج هيكل نفسه الذي سبق وأن هاجمه عليه، ويصبح في موقع قريب من السادات، في موقف كاشف عن تحولات الأديب، وهدره للمبادئ التي روج لها في الخطاب الذي بعثه لعبد الناصر منتقدًا هيكل.

وقائع أخرى كان بطلها توفيق الحكيم تروي ملامح من هذا الجانب، وتُعيد التذكير بالبعد الغائب في شخص القاص البارز الذي تحاكى الجميع عن أسلوبه المتميز، وكان ضحية مناورات الحكيم هذه المرة وتراجعاته المستمرة، وهو الأديب البارز طه حسين، الذي رفض عرضًا من محمد حسنين هيكل بالانضمام لكُتاب الدور السادس في الأهرام، بعد تركه رئاسة تحرير جريدة الجمهورية، وبرر قراره بأنه «لا يجمعه دور أو مكان مع توفيق الحكيم، لقد اختبرني الله فيه.. فأرجو ألا يختبرك أنت أيضًا».

غير أن الناقد الأدبي شعبان يوسف يرى تحولات توفيق الحكيم من زاوية أخرى له علاقة بشكل أساسي بشخصيته «المحافظة» التي تتجنب دومًا الصدام مع السلطة، ورغبته الدائمة في أن يكون له قناة اتصال، خلافًا لزملائه مثل شكري غالي، ولويس عوض، أو محمد سلماوي، قائلًا في تصريحات لـ«ساسة بوست»: إن «السادات استثنى الحكيم، ونجيب محفوظ، من قائمة الاعتقال؛ لأنه رآهما «كاتبين لا يخرجان عن الخط العام للدولة»، على خلاف الآخرين من أصحاب الرؤى النقدية للنظام بشكل جذري».

ويؤكد يوسف أن الحكيم «بريء» من أن يكون سببًا في اعتقال زملائه أو يكون مدفوعًا من جهة أمنية لتوريط أصدقائه، كاشفًا أن كتاب «ملف عبد الناصر.. بين اليسار المصري وتوفيق الحكيم»، الذي واجه فيه لطفي الخولي الحكيم بمجموعة أسئلة حول هذه الاتهامات، والتي دافع فيها الحكيم عن نفسه، كاشفًا في أجوبته جانبًا من شخصيته الخائفة من المُغامرة بنقد السلطة، الساعي إلى مد قناة تواصل مع السلطة، والمفضلة الانتقاد في الحدود الآمنة.

ويُكمل يوسف الحديث عن الحكيم: «توفيق الحكيم كاتب عظيم، وهو من الكتاب المرموقين، ذو شأن، ولا أحد يستطيع التقليل من قيمته الأدبية الرفيعة؛ ولم يكتب يومًا بصفة «رجل مباحث»، وما يردده البعض لا يخرج عن كونه شائعات». لكنه يستدرك قائلًا: «لكنه طول الوقت عايش جوة السلطة. ويوسف إدريس كان قريب من السلطة هو الآخر».

البخيل.. الرجل الذي تندر الجميع عليه

صفة أخرى ارتبطت بشخص توفيق الحكيم، وهي البخل، الذي لازمه في يومياته وتعاملاته مع أصدقائه والمحيطين به. كان واحدًا من الشهود على هذه الصفة هو طه حسين، الذي روى في مقال بصحيفة أخبار اليوم، نشره الصحافي المصري محمد شعير في كتابه «أحجار ونياشين.. حكاياتي من أرشيف الصحافة، والثقافة، والفن» الصادر حديثًا عن دار أخبار اليوم، أن الحكيم كان يُساوم ناشرًا للكتب، فلما رأى في يد هذا الناشر ورقة مالية لم يستطع أن يستمر في المساومة وأعطاه الكتاب وأخذ الورقة ذات العشرة جنيهات.

وذاعت مواقف الحكيم التي تندر فيها زملاؤه وتلاميذه عن بخله الشديد، والحرص على أمواله للدرجة التي كان تثير سخريتهم منه. وقد كان رئيس اتحاد كُتاب مصر محمد سلماوي شاهدًا على بُخل الرجل، كما كان واحدًا من ضحايا تحولات الرجل في مواقفه السياسية التي انتهت بسلماوي إلى السجن بعد توقيعه على خطاب الحكيم الذي تنصل منه لاحقًا.

وروى سلماوي في مُذكراته «يوم أو بعض يوم»، الصادرة عن دار الكرمة للنشر، أن الحكيم استدعاه في إحدى المرات إلى مكتبه لحضور جلسة اتفاق مع وفد من اليونسكو بهدف مساعدته في تدقيق بنود العقد الموقع بينهما باللغة الإنجليزية التي كان يُجيدها سلماوي.

وعرض الحكيم على الضيفين «كوكاكولا» و«سفن آب»، بينما اقترح سلماوي «قهوة تركي»؛ ليختار الرجلان الأجنبيان القهوة. وبعد انتهاء الزيارة قال الحكيم لسلماوي مسرورًا: «أنت لك عندي هدية كويسة؛ لأنك وفرت علي بالقهوة ما كنت سأدفعه ثمنًا للمياه الغازية، التي كان ثمنها ثلاثة أضعاف القروش التي كان سيدفعها في القهوة».

ويتندر سلماوي من تحايل الحكيم على الهدية التي اقترح الأول أن تكون وجبة غداء في يوم الواقعة نفسه؛ قبل أن يسرع الحكيم بنفي الأمر، والهروب منه بوعده بتناول الغداء معًا في وقت لاحق.

ومضت الأيام والسنون على وعد الحكيم دون أن يأتي اليوم الذي يهادي فيه الحكيم تلميذه، بحسب رواية سلماوي. وتكثر نوادر الحكيم في البخل، والحرص الشديد على المال، وتدبر جهة الإنفاق قبل التفريط في النقود، واعتبارها أولوية دومًا في تفضيل دار نشر عن أخرى للحصول على حق توزيع أعماله الأدبية.

مجتمع

منذ 8 شهور
خلاف غير مُعلن.. حين حاولت جيهان السادات محو إرث أم كلثوم بسبب الغيرة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد