ميرهان فؤاد 16
ميرهان فؤاد 16

1,297

المنتحرون بلا شك وثقوا في الحياة أكثر مما يجب، فظنوا أنها تنتظرهم في مكان آخر *الشاعرة إيمان مرسال

على كثرة برامج، ومدوني الطبخ لم يكن أنتوني بوردين طاهيًا عاديًا، كان شخصية استثنائية، كاتبًا وحكّاءً وملهمًا، كان يؤمن أن الطعام ليس وقودًا فحسب؛ إنه قصة تُحكى، وعلاقة عاطفية وذاكرة، حضارة كاملة يكشفها مطبخ كل بلد، في مقدمة برنامجه «بلا تحفظات» كان يقول: «أنا أنتوني بوردين، أكتب وأسافر وآكل وأنا جائع للمزيد».

إذا رأيت هذا الرجل المفعم بالحياة وهو يحكي عن الطعام كأن بينهما علاقة حب، وهو يشدد على ترك «الستيك» خمس دقائق بعد تسويته، قبل الأكل، لن تصدق أنه سيتخلى عن الحياة بالكامل ويغادرها منتحرًا عن عمر 61 عامًا، كانت نصيحته دائمًا أنه عليك بالسفر، ثم سافَر بمعدة خاوية في رحلة طويلة بعد حياة غنية وملهمة، وبعدما أعد مائدةً شهية تضم طبقًا من كل بلدان العالم.

Embed from Getty Images
محبو بوردين يتركون خطابات في وداعه أمام أحد المطاعم التي عمل بها سابقًا في نيويورك

سفر وطبخ.. الطهو قصة حياة

بدأت شهرة أنتوني إعلاميًا بعد مقاله «لا تأكل قبل قراءة هذا» والذي كتبه في صحيفة «النيويوركر» عام 1999عن كواليس المطاعم الصادمة وكان قد عمل طاهيًا لمدة 10 سنوات قبلها، في أحد المطاعم الفرنسية في نيويورك، بعدما درس في معهد أمريكا للطبخ.

أدرك الرجل أن الطهي حمّال ثقافة، وأن كل المشاكل تُحل على مائدة الطعام. في برامجه التلفزيونية، «بلا تحفظات»، و«أماكن غير معروفة» كان يسافر ليتعرف على مطابخ العالم. أكثر ما آمن به بوردين هو التجربة، والاكتشاف، الطهو في أبسط معانيه هو فعل تجريبي، كان يقول: «لا تخف من التجربة، إن لم تجرّب الوجبة السيئة، لن تنل الأكلة الرائعة».

سافر إلى 80 دولة، منها: سلطنة عُمان، وأوزبكستان، وتشيلي، وغانا، ونيكاراجوا، وكمبوديا، ذهب إلى دبي (الإمبراطورية التي شيدت على الصحراء على حد قوله)، أكل في مطاعم الهنود الفقيرة في مدينة الغنى الفاحش، كان مهتمًا بسؤال من بنى هذه المدينة؟ هؤلاء الوافدون من الهنود والباكستانيين كيف يُعاملون؟

في فيتنام، وجهته المفضلة عام 2016، وَقع في حب الطعام الفيتنامي، تناوَل الطعام هناك مع باراك أوباما أثناء زيارته لفيتنام، جلسا سويًا على كراس بلاستيكية في مطعم بسيط وتناولا «طعام الشارع» يتحدثان معًا عن الطعام الآسيوي، لم يحبذ مقابلة ترامب لأنه لا يبدو ممن يحبون الطعام، ولكنه قال مازحًا: «قد أعد طبقًا سامًا لترامب وكيم يونج».

أدب الطعام.. أعمال أدبية صبغها كتّابها برائحة التوابل المكسيكية

كان كلاسيكيًا شكلًا ومضمونًا، وفي تفضيلاته للطعام، ويؤكد أننا لا نحتاج للحكم على الطاهي الجيد سوى من طبق البيض، إيمانًا بقاعدة «عد إلى الأصول»، كان يبحث في سفره عن الشيء الأصيل، عن البشر الحقيقيين وليس عن تصوراتنا عنهم؛ سافر إلى مصر ليأكل الفول والكشري من عربات الشارع، ذهب إلى سيناء ومشى حافيًا على الرمال، ليأكل اللحم المسوّى تحت الرمل، كان يقول دائمًا: «جرّب، إن أكل الشارع ممتع ولن يقتلك».

ذهب إلى بني غازي ليتحدث إلى الناس الذين استقبلوه بترحاب في اليوم الأول بعربية ركيكة: «السلام عليكم»، وفي اليوم الثاني تحول نفس الشارع الذي مشى فيه إلى ساحة حرب، سافر إلى طهران ليأكل الأرز بالزعفران، والكفتة التبريزي، ويتحدث مع الإيرانيين عن العلاقات الإيرانية الأمريكية، وليرى الأناس العاديين ويعرف كم هم مختلفون عمن يظهرون في نشرات الأخبار القادمة من إيران. وإمعانًا في خوض المغامرة للنهاية، لم تفوته فرصة التعرف على مقادير الحشيش، من بائعيه أنفسهم في المغرب.

Embed from Getty Images

إحدى حلقات برنامج «The taste»

الطعام أداة مقاومة مستمرة

أنقذه الطبخ من الإدمان، أنتوني الذي أدمن الهيروين لفترة طويلة في عشرينياته، يقول:«لقد نظرت في المرآة لأرى شخصًا يستحق أن أحميه»، في الوقت ذاته لم يكن يتسنى له أن يبدأ عمله طاهيًا وهو مدمن، أقلع عن الإدمان ثم احترف عمل الطهي في «les Halls».

من المطبخ يبدأ كل شيء؛ هاجم بوردين ترامب من منظور المطبخ، فترامب الذي كان يهدد بترحيل 11 مليون لاجيء، قال عنه إنه سيغلق جميع مطابخ أمريكا.

لعلك تعرف الآن من هو الطاهي الأمريكي الذي سيذهب إلى السعودية، ليأكل «المفطح» ويرى عادات السعوديين، وأكلاتهم الشهيرة، ويتحدث عن وضع النساء السعوديات، سوى شخص لا يخاف من الأماكن المجهولة؟ في القدس كذلك تناوَل بوردين الفلافل والحمص ومشى في طريق الآلام، ثم نحى الطعام جانبًا ليتحدث عن تاريخ استيلاء إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، والمستوطنات، والأسوار.

هذا هو الجانب الآخر لبوردين أيقونة الطهي، ليس ناشطًا سياسيًا ولكنه شخص مهتم بالقضايا الإنسانية والبشر، سانَد صديقته الممثلة الإيطالية «آسيا أرجينتو» في حملة Me Too والتي كانت قد اتهمت المنتج السينمائي هارفي واينستين باغتصابها عندما كانت في عمر21 سنة.

Embed from Getty Images

بوردين وآسيا أرجينتو

سافر لغزة وصوّر عذابات أهلها الممنوعين من السفر، 5 ملايين نسمة في إقامة جبرية، قابَل الصحفية ليلى حداد صاحبة كتاب «المطبخ الغزاوي»، مشيا سويًا على شاطئ غزة يتعجب كيف لا يستطيع الغزاوي أن يذهب إلى «يافا»؟ بهذه البساطة عاش وسافر، لن ينسى «توني» المقلوبة الأكلة الشعبية في غزة، وسيتذكرها في كل مرة تُقصف فيها المدينة.

أما لبنان فكانت بلده المفضل، كانت طوال الوقت جزءًا من رحلته ذهابًا وإيابًا، زارها للمرة الأولى في 2006، بعد يوم واحد، من وصول فريق البرنامج إلى هناك، بدأت حرب إسرائيل على لبنان، واضطروا للسفر إلى قبرص، صور آثار القصف التي جعلت البيوت كالثوب المهترئ، كان يقول: «أحب هذا البلد على الرغم من كل شيء».

أنتوني بوردين يسافر إلى آخر العالم

في باريس داخل غرفة أحد الفنادق، في 8 يونيو(حزيران) 2018، عُثر على بوردين ميتًا، كان ذلك عندما شعر صديقه الطاهي الفرنسي المقرب إيريك ريبير أن هناك شيئًا مريبًا، عندما تخلف بوردين عن الغداء؛ لن يترك بوردين أبدًا وجبة طعام جميلة.

ولاقى الخبر ردود أفعال حزينة، ومَثل صدمة لمحبيه حول العالم، لم يعرف أحد بطبيعة الحال ما الذي قاده لإنهاء حياته على هذا النحو القاسي، خاصةً وأن التحاليل أثبتت عدم تعاطيه للمخدرات، أو أدوية بجرعات سامة، لم يعرف أقرب أصدقائه سبب الانتحار، وتقول أمه جلاديس بوردين: «لم تكن هناك أي علامة تنبئ بانتحاره، لا أعرف لماذا، فقد كان ناجحًا يمتلك كل شيء: المال، والآمال الواسعة، كان آخر شخص في العالم أتوقع أن يفعل ذلك».
عزا البعض السبب للاكتئاب، لا عجب وهو الذي ذكر من قبل أن «ساندوتش هامبرجر سيئ قد أصابه بالاكتئاب لأيام»، وأن هذه هي طريقة تعامله مع الأمور دائمًا، وتكهن البعض الآخر أن السبب هو بعض القلاقل في علاقته بصديقته الإيطالية آسيا التي كان يحبها بجنون، على حد قول أصدقائه.

أحد مفاتيح سبب انتحاره ربما كانت في عام 2016 حين زار بوردين بوينس آريس، في أثناء تصويره لبرنامج «أماكن غير معروفة»، وخضع لجلسة علاج نفسي، إبان انتهاء زيجته الثانية، قال خلالها إن «نظام حياته يجعله وحيًدا ومعزولًا للغاية»، لن يعرف أحد السبب على وجه الدقة بالتأكيد، لكنه ربما يكون ولع بوردين بالترحال جعله يذهب إلى آخر العالم.

إذا كنت من محبي الطعام.. 6 تطبيقات مذهلة ستضع اللمسة السحرية على وجباتك