750

بعد سقوط طائرته على جزيرة استوائية معزولة، أصيب نولاند بالاكتئاب الحاد بسبب الوحدة وإدراكه أن فرص إنقاذه تكاد تكون معدومة، ولكن هل استسلم؟ لا؛ فقد أقام نولاند علاقة صداقة مع كرة قدم رماها وعادت له، ورسم عليها وجهًا أخذ يحادثه وأسماه ويلسن.

كانت هذه قصة فيلم «Cast away» لتوم هانكس، من إنتاج عام 2000. الغريب هنا هو أن نولاند ليس قصة فريدة، ولن يحتاج أحد للسقوط في جزيرة ليخلق علاقة مع كرة؛ فهذه سمة بشرية منتشرة تدعى «أنثروبومورفايز (anthropomorphism)» أو «التجسيد»، نمنح فيها الحيوانات والظواهر الطبيعية والجمادات بعض خصائص البشر.

فأحيانًا عند الحوادث نتساءل كيف للحيوان أن يتصرف كحيوان، أو لماذا يعمل الكمبيوتر حسب مزاجه، ولماذا تتعطل السيارة في كل مرة نريد فيها الذهاب لهذا الشخص، وكأن للكمبيوتر والسيارة إرادته التي تجعلهما يتخذان القرارات مثل البشر، وهي أخطاء نقع فيها كثيرًا، ولكن بزيادة حدتها قد تتحول لاضطراب عقلي.

ما هو «التجسيد»؟

عرف معجم الطب النفسي و العقلي معنى التجسيد بأنه: التأنيس أو التشبيه أو التجسيد، هو مصطلح يستخدم للدلالة على تلك النظرية التي تنسب الخصائص والمميزات البشرية، وخاصة الصفات العقلية الإنسانية، إلى كائنات خارجة عن دائرة الإنسان، مثل الآلهة والحيوانات والجمادات، فهي تشبه ذلك كله بالإنسان، وتعمد إلى تأنيس الكائنات غير الإنسانية، كما تلجأ إلى تفسير سلوك الحيوان وأفعاله في ضوء السيكولوجية البشرية والمزايا الخاصة بالإنسان. وتتكرر شواهد التجسيد يوميًا في حياتنا، بداية من الحيوانات اللطيفة التي ترعانا، مرورًا بالآلهة قديمًا، والتي لديها أهداف وخطط للحياة، إلى أجهزة الكمبيوتر التي قد نعتقد أنها تفكر، وليست مجرد آلات مبرمجة.

وفي كل مثال يظهر البشر قدرة على منحهم صفات بشرية ليست لهم، فيقومون بالتجسيد مستدلين على ذلك بمواقف غير سليمة. يتحدث البشر أحيانًا مع التماثيل، ويسألونها ويخاطبونها بلغة الأصدقاء، ويتحدثون إلى نباتهم ويسألونها: لماذا لم تزهر بعد؟ وينهرون جهاز الكمبيوتر إذا تعطل للحظات، ويطلقون الأسماء على حيواناتهم وسياراتهم، ويلبسون الكلاب والقطط القمصان والحلي.

مترجم: بين بوذا وفرويد.. هل تساعد «الأنا» الإنسان أم تستعبده؟

عمر التجسيد من عمر التاريخ.. فكر في ماضيك قليلًا

قدم عالما النفس آدم وايتوز من جامعة هارفارد ونيكولاس إيبلي من جامعة شيكاغو نتائج دراستهما عن «التجسيد» في تقرير بمجلة «الاتجاهات الحديثة في علم النفس»، وفيه أن مصطلح «التجسيد» يعود للفيلسوف اليوناني كزينوفانيس بينما كان يصف التشابه بين المؤمنين وآلهتهم، ففي اليونان مُثلت الآلهة على أنها بيضاء بعينين زرقاوين، في حين أنه في أفريقيا مُثلت الآلهة ببشرة سمراء وعيون بنية.

تقود ظروف مختلفة إلى هذه الاتجاهات المتباينة، أوضحها آدم ونيكولاس، وكان هناك عاملان رئيسان يحفزان الإنسان على القيام بذلك، أولهما الرغبة في المشاركة وإقامة روابط اجتماعية، والرغبة القوية في أن نكون مشاركين فاعلين في هذه العلاقات؛ ما يؤدي بنا في كثير من الأحيان إلى خلق نسختنا الخاصة من الرفاق البشريين. وقد استشهد العالمان بمثال أطلقت فيه امرأة اسمًا على نظام الاستريو المنزلي الخاص بها، ووقعت في حبه بعد ذلك، وهذا المثال شائع، يقوم فيه الناس بأنسنة الأشياء كمضاد للوحدة.

كان الدافع الثاني هو الرغبة في التأثير بالمجتمع، وهو مثل ما يقوم به علماء البيئة عند إطلاق الأسماء، فيستخدمون مصطلح «الأرض الأم»، ويطلقون أسماء أشخاص على الأعاصير، مثل إعصار ساندي، بدلًا عن تسميته باسم علمي. وجاء في التقرير تفسير ذلك بتسمية الأعاصير والعواصف بأسماء قديسين وشخصيات سياسية غير محبوبة، وأسماء صديقات البحارة، بدافع الرغبة في التجسيد لتسهيل وتبسيط تبادل المعلومات ونشرها على وسائل الإعلام من أجل تعزيز التأهب العام، فيساعد التجسيد بعض الأشخاص على تبسيط المواقف المعقدة وجعلها أكثر منطقية، وذلك وفقًا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية.

الكلب الصديق الوفي.. يلبس النظارات ويرتاد المقاهي

إن التفكير في شيء غير إنساني بطريقة تضفي عليه صفات البشر يجعل هذا الشيء مستحقًا للرعاية والمعاملة الأخلاقية، كما أنه يصبح مسؤولًا عن أفعاله، ويستحق الثواب والعقاب عليها. وهذا ما يحدث مع الحيوانات الأليفة. والخطأ ليس خطأ الحيوانات، ولكن ميل البشر لتشخيص ما هو غير بشري هو سبب الخطأ، وتوقعهم لسلوكيات مخالفة لطبيعة أصحابها.

Embed from Getty Images

في السنوات الأخيرة ازدهرت تجارة الحيوانات الأليفة، وأصبحت شريحة هامة في السوق، حتى طغت على تجارة لعب الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية، ووصل حد الإنفاق على أدوات رعاية الحيوانات الأليفة إلى مستويات غير عادية، وهو مستمر في النمو بلا توقف.

ومع إضافة عضو جديد للأسرة، ومنحه عدة امتيازات، فإن صاحبه يتوقع من الحيوان أن يفكر مثل البشر، وتسبب في ذلك الفيديوهات المنتشرة عن أن الكلاب أفضل أصدقاء لنا، وأن لديها القدرة على التكيف مع حياتنا، ولذلك سنستمر في سوء تفسيرنا المتكرر لنواياها ودوافعها، فإن ما نراه منها لطيفًا ومقبولًا هو بعض المهارات التي يمتلكها الحيوان، وستظل مهارات حيوانية، ولن تحوله بالتأكيد لشخص يفهمنا بالتدريج.

يطلق 83% من مالكي الحيوانات الأليفة على أنفسهم اسم «الأب»، أو «الأم»، ويدعون أنهم يربون الحيوان كالأبناء، أو أنهم قاموا بتبنيه، متفادين ألفاظًا مثل البيع والشراء. فنحن نمنح عواطفنا سريعًا للكلب الذي اقتنيناه، خاصة إذا قام بتلبية رغبتنا في إحضار شيء من فوق المنضدة مثلًا، أو قام بأي عمل جيد، وإذا قام بعد ذلك بسلوك سيئ، كإفساد الطعام أو سكب المياه على الأرض، فإننا نعاقبه وكأنه إنسان يعي ما يفعل.

ينسى البعض أن الكلاب والقطط في النهاية تحتاج إلى قواعد وحدود وقيود، وإلا فستتعامل كما يتعامل أشقاؤها في البرية، وأنه عندما يعيش الكلب مثلًا مع الإنسان فإنه يخضع للروتين اليومي للإنسان، ولبقاء هذه العلاقة جيدة سيظل الإنسان يقوم بالتوجيه والقيادة؛ لأن البقاء بدون قواعد وحدود يتعارض مع طبيعة الكلب، ولكن إذا كنت تشعر بأن لحيواناتك الأليفة عقلًا وقلبًا وعواطفَ ونوايا وخططًا لحياتهم، فأنت أيضًا مصاب باضطراب التجسيد، ويجب عليك إعادة التفكير في علاقاتك.

قد يولد الجمال من رحِم القبح.. كيف يفسّر علم النفس انجذابنا للأشياء القبيحة؟

لماذا قد يرتبط شخص بحيوان أو هاتف أو وسادة؟

بحسب طبيعة البشر هم يحبون هذا التجسيد؛ بسبب عامل التشابه، فمن المرجح أن يكون الحيوان أو الشيء الذي يجسده شخص له بالفعل بعض السمات المشابهة للبشر، وفي بعض الأحيان قد يكون ذلك رغبة في تلبية الحاجة للانتماء والارتباط بأشخاص غير موجودين.

اختبرت إحدى الدراسات اضطراب التجسيد من خلال عرض أربعة أجهزة على أشخاص عاديين لوصفها مثل: المنبه الذي يدور حول نفسه فتحتاج إلى الاستيقاظ ومطاردته لإيقاف تشغيله، والشاحن الذي يتوقف عن العمل بمجرد اكتمال الشحن، ومنقي الهواء الذي يعمل خصيصًا من أجل أشخاص يعانون من الحساسية أو مشاكل في الجهاز التنفسي، والوسادة المبرمجة على منحك عناقًا عندما تضغط عليها.

قام المبحوثون بتصنيف الأجهزة ووصفها مستخدمون بصفات إنسانية، مثل: «الوسادة الصديقة»، «الشاحن الذكي»، «المنبه المنضبط». وغير ذلك، وقامت الدراسة بقياس سيطرة نظرية التجسيد على عقول كل فرد، وجاء أن أكثر من استخدم الصفات الإنسانية لوصف الأجهزة هو شخص وحيد، أما من استخدموها بدرجة أقل، فهم أشخاص أقل وحدة.

Embed from Getty Images

كرر باحثون آخرون التجربة، وأرادوا معرفة ماذا لو ساعدنا الأشخاص الوحيدين على إقامة علاقات اجتماعية، ودور ذلك في توقفهم عن أنسنة الأشياء غير البشرية. وعند إجرائهم للبحث وجدوا أن نصف المبحوثين فكروا في الأجهزة التقنية المعروضة عليهم وأقاموا بخيالهم علاقات قوية معها، وفكروا بكيفية الاعتماد عليها وعدم القلق من قدرتها على التخلي عنهم، وما سيبدو عليه هذا الجهاز وحتى سماته الشخصية، أما النصف الآخر من المبحوثين فلم يفكروا في الأجهزة بهذا الشكل، وذلك بعد تذكيرهم بعلاقة وثيقة وداعمة في حياتهم؛ ما قلل من ميلهم إلى التجسيد البشري.

استنتجت هذه النتيجة معرفة أن الحاجة للانتماء لها آثار سلبية على الإنسان، وأن قلق التعلق بالبشر يصاحبه رغبة شديدة في الانشغال والمشاركة والارتباط، مع الخوف من الهجران، وفرط الحساسية في التجمعات؛ ما يساعد على فهم أسباب لجوء البعض «لا إراديًا» للتجسيد.

واستطاعت مثل هذه الدراسات الإضافة إلى فهمنا للوحدة، فهي انعدام حاجة إنسانية نحتاجها ونريدها، فالشعور بالوحدة يشبه الشعور بالجوع، شعور يحتاج للإشباع، وإذا لم يتم إشباعه، فسيصبح طبق المكرونة بالجبن المختلفة أقرب صديق، وستصبح الوسادة شريكًا جنسيًا يبادلنا المشاعر والأحاسيس.

فنحن كبشر نحب التواصل الاجتماعي، والدخول في علاقات، ونعتمد على ذلك كسبب للبقاء أحياء، ولذلك أصبحت علاقات الفرد الاجتماعية متنبئًا رئيسًا بصحته وحالته النفسية وحياته، أما الأشخاص الذين يتواصلون مع الآخرين بدرجة أقل مما يرغبون، فسيشعرون بالوحدة، وسيتغير العالم في نظرهم.

علم النفس الجنائي.. كيف يساعد التحليل النفسي في حل أعقد الجرائم؟