خلال الأسبوع الماضي، اجتاحت العواصم الأوروبية مجموعة من التظاهرات والاحتجاجات ضد العنصرية، تضامنًا مع نظيرتها في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بعد حادثة مقتل جورج فلويد على يد أحد أفراد الشرطة.

خرجت المظاهرات في شوارع باريس وروما وبرلين ولندن وأمام السفارات الأمريكية بالعديد من المدن دعمًا لحركة «حياة السود مهمة» أو كما تعرف بالإنجليزية «Black Lives Matter»، والتي نشأت في أمريكا عام 2013 ردًا على العنصرية والعنف الممارس على الأفراد من ذوي البشرة السمراء.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ امتدت بعض الاحتجاجات لتشمل التنديد بعنف الشرطة في العواصم الأوروبية ذاتها، وذلك رغمًا عن القيود المفروضة على الحركة لانتشار الفيروس التاجي المسبب للمتلازمة التنفسية كوفيد-19؛ فهل تنتقل حمى الحراك السياسي إلى العواصم الأوروبية؟ هذا ما سنعرفه في السطور التالية.

موت فلويد يفتح قضية العنصرية في أوروبا

يوم السبت الفائت، شهدت عواصم مثل باريس وبرلين ولندن موجة غضب شعبي ضد عنصرية ووحشية الشرطة في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من أن الاحتجاجات بدأت سلمية، إلا أنها قد تحولت إلى اشتباكات ما بين حشود المتظاهرين والشرطة في أكثر من مدينة.

حقوق إنسان

منذ 3 أسابيع
مترجم: ماذا تعرف عن مذبحة تولسا ضد السود التي تريد أمريكا محوها من التاريخ؟

ويشير تقرير «يورونيوز» إلى أنه على الرغم من التركيز على الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن القارة الأوروبية قد شهدت هي الأخرى عنفًا ووحشية من أجهزة الأمن للأعراق المختلفة، وذلك بحسب استطلاع «أن تكون أسود اللون في الاتحاد الأوروبي» الصادر عام 2018، والذي تناول معاناة ما يقرب من ثلث الأوروبيين ذوي الأصول الأفريقية من المضايقات والعنصرية وتعنت أجهزة الأمن داخل دول الاتحاد الأوروبي، خلال السنوات الخمس التي سبقت ذلك.

باريس

على الرغم من أن العاصمة الفرنسية حظرت تجمع أكثر من 10 أشخاص في مكانٍ واحد بسبب المخاوف من انتشار كوفيد-19، إلا أن باريس كانت حاضرة وسط موجة احتجاجات الأسبوع الفائت. 

لمنع التجمعات، أغلقت الشرطة الفرنسية الطرق المؤدية إلى السفارة الأمريكية، في وقتٍ مبكر من السبت الفائت، رغم ذلك انتشرت دعوات التظاهرات على منصات التواصل الاجتماعي، والتي دعت الحشود للتجمع أمام برج إيفل للاحتجاج على «عنف الشرطة». خرج في باريس وحدها أكثر من 5500 متظاهر من بين 23300 خرجوا في مدن فرنسية أخرى، كان منها بوردو وليون ومارسيليا.

وشبه المتظاهرون حادثة مقتل جورج فلويد، بمقتل شاب من أصول أفريقية، أداما تراوري، أثناء استجوابه على يد أفراد الشرطة في بلدة شمالي باريس عام 2016؛ لكن لم تكن تلك هي المظاهرة الوحيدة التي شهدتها باريس خلال الشهر الحالي.

«ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية، ألقى الضوء على انتهاكات الشرطة في فرنسا»
*آسا تراوري – شقيقة أداما تراوري

في بداية يونيو (حزيران) دعت أسرة تراوري إلى تنظيم مظاهرة في باريس ضد عنف الشرطة، وهو الأمر الذي أسفر عن اشتباكات وصدامات استخدمت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، ووصف المحتجون أفراد الأمن بـ«المافيا»، قائلين: «الشرطة الفرنسية تفعل ما تريد، وتفلت دومًا من العقاب».

خرجت مظاهرات أخرى في باريس عن نطاق الاحتجاج التضامني إلى الثورة على أجهزة الشرطة الفرنسية، ورفعت لافتات تندد بوحشية أفراد الأمن، كان منها لافتة كتب عليها: «دعونا نضع حدًا لاستعمار الشرطة».

على الرغم من نجاح قوات الأمن في تفرقة المتظاهرين؛ إلا أن الشوارع الباريسية قد تحولت عقب ذلك إلى ما يشبه «ساحة الحرب»، استخدم فيها المحتجون الحجارة والحواجز وأحرقوا بعض الدراجات الهوائية، وقدرت أعداد المتظاهرين في تلك الاحتجاجات بأكثر من 20 ألف شخص في باريس وحدها.

برلين

في مقال نشره موقع المؤسسة الإعلامية الألمانية «دويتشه فيله»، أشار الصحفي الزامبي الأمريكي شيبوندا شيمبيلو إلى أنه ليس أفضل حالًا من السود الذين يعيشون في أمريكا لعيشه في أوروبا؛ وقال إنه محبط ويائس مما يتعرض له ذوو البشرة السمراء من اضطهادٍ وعنصرية داخل دولة الاتحاد الأوروبي، مؤكدًا على أنهم يعانون في مواجهة العنصرية المؤسسية والهيكلية، والتي لا تقتصر على الولايات المتحدة فقط، بل تمتد لتشمل القارة الأوروبية العجوز.

تاريخ

منذ شهر
مالكوم إكس vs مارتن لوثر كينج.. مسيرة نضال السود على دروب متناقضة

في الوقت ذاته شهدت العاصمة برلين مجموعة من التظاهرات التضامنية مع حركة «حياة السود هامة» على خلفية مقتل جورج فلويد على يد أحد أفراد الشرطة الأمريكية؛ إلا أنها سرعان ما تحولت إلى احتجاجات على عنف الشرطة والعنصرية على أساس عرقي في ألمانيا.

يشير تقرير نشرته «دويتشه فيله» إلى ارتفاع حوادث التمييز العنصري في المجتمع الألماني، وإلى أن أعمال الشغب والهجمات ضد الأقليات الأجنبية أمرًا ليس بالجديد، خاصةً من قبل حركات «اليمين المتطرف»، وذلك وفقًا للتقرير السنوي للوكالة الألمانية الفدرالية لمناهضة التمييز (ADS)؛ وأكد التقرير أن ألمانيا تواجه مشكلة كبيرة فيما يخص التمييز العنصري، وهو ما قد ينتج عنه عواقب وخيمة على المدى الطويل.

لندن

 في العاصمة البريطانية لندن، تحولت التظاهرات ضد العنصرية إلى اشتباكات ما بين المحتجين وأفراد الأمن؛ وهو ما نتج عنه أربعة اعتقالات وإصابة شرطية سقطت عن حصانها. في النهاية قامت الشرطة باستخدام معدات مكافحة الشغب لتفريق المتظاهرين.

في الوقت ذاته، أشارت السلطات البريطانية إلى أن العالم يمر بجائحة صحية، وعلى المحتجين أن يضعوا «الصحة العامة» في المقام الأول، وذلك بالتزام قواعد التباعد الاجتماعي والبقاء في المنزل.

بحسب مقال نشره أستاذ القانون بجامعة لندن، كوجو كورام، في صحيفة «الجارديان»، كان بعض المثقفين البريطانيين يجدون أن التضامن الذي شهدته لندن عام 2016 مع حركة «حياة السود هامة» مضحكًا ومثيرًا للسخرية؛ إذ اعتبروه أمرًا خاصًا بالدولة الأمريكية وبعيد كل البعد عن بريطانيا؛ رغم ذلك تجمعت حشود كبيرة تجمعت في «هايد بارك» للتضامن مع الحركة، وكأن رقبة جورج فلويد تحت قدم أحد رجال الشرطة في مدينة مينيابوليس، قد أيقظت الجميع على الوضع المرعب الذي يواجهه ذوو البشرة السوداء في العواصم الأوروبية، ولندن من بينهم.

يشير مقال «الجارديان» إلى أن العنصرية ليست ببعيدة عن المجتمع البريطاني؛ إذ شهد خلال السنوات القليلة الفائتة الكثير من حوادث العنف، كان أبطالها رجال شرطة، وضحاياها من أصولٍ أفريقية.

في 2010، قتل ثلاثة أفراد من شرطة الهجرة جيمي موبنجا، أثناء تقييده على متن طائرة بمدرج هيثرو المدني، وفي 2011 اجتاحت المظاهرات العاصمة لندن، بعدما أطلق أفراد الشرطة النار على مارك دوجان، وهو رجل من أصولٍ أفريقية. وقد كانت آخر هذه الحوادث مقتل رشان تشارلز عام 2017.

روما

وصلت موجة تظاهرات «حياة السود هامة» إلى إيطاليا الأسبوع الماضي، وقد نادى المتظاهرون في فلورنسا وميلانو بضرورة معالجة التمييز العنصري داخل إيطاليا ذاتها، التي كانت شاهدة على العديد من جرائم العنف المرتبطة بالعرق، كان آخرها عام 2018، عندما أطلقت الشرطة النار على إيدي دين -مواطن سنغالي- وذلك بالقربِ من منطقة الاحتجاجات الحالية، خارج مبنى القنصلية الأمريكية.

شملت الاحتجاجات في العاصمة الإيطالية روما، التنديد بقانون الجنسية الذي يمنع الطفل المولود لأبوين وافدين من المطالبة بالجنسية قبل 18 عامًا، كما نادت النقابات بضرورة الاعتراف بحقوق المزارعين المهاجرين، تحت دعوات قائلة: «كم عدد الأشخاص في مدينتنا الذين لا يستطيع التنفس؟».

نظرة الغرب الأوروبي للعرق الأسود

على الرغم من أن العبودية في شكلها القديم قد انتهت، إلا أن المجتمع الأوروبي ما زال يحمل داخله الفكر الاستعماري، حتى وإن لم يشأ أن يعترف بذلك؛ إذ يشير الكاتب ومقدم البرامج البريطاني، جوني بيتس، في كتابه «ملاحظات من أوروبا السوداء» إلى أن حركة تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي قد لعبت دورًا كبيرًا في تكوين الصورة التي ينظر بها الغرب إلى «العرق»، خاصةً على المستوى اللاواعي؛ فما زالت الشعوب الغربية، بحسبه، تؤمن بالتسلسل الهرمي للأعراق، وفقًا لرؤية القرون الاستعمارية. وهو الأمر الذي لم يبذل المجتمع الدولي فيه مجهودًا كبيرًا لتغيره منذ مطلع القرن العشرين وحتى الآن. إذ يشير بيتس إلى أن نشر الوعي لدى الأجيال الجديدة، وتناول قضايا العرق في التعليم لم يصل بعد إلى المستوى اللائق للقضاء على «التمييز العنصري» من الجذور.

«العنصرية القائمة على العرق ولون البشرة لا تزال آفة منتشرة بجميع دول الاتحاد الأوروبي» *مايكل أوفلاهرتي -مدير وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية (FRA).

وفقًا لاستطلاع رأي أجري عبر دول الاتحاد الأوروبي عام 2018؛ فإن قضايا العنف المرتبطة بالعرق والتمييز العنصري لأجهزة الشرطة داخل دول الاتحاد راسخين في العقلية الغربية، إلى درجة يضطر معها المواطنون المنحدرون من أصولٍ أفريقية إلى مواجهة التحيز العنصري والاستبداد والتمييز في الوظائف والسكن.

في التقرير سجلت فنلندا أعلى معدلات العنف والتمييز المرتبطة بالعرق؛ حوالي 38% من ذوي الأعراق المختلفة يجري توقيفهم من قبل رجال الشرطة سنويًا؛ رغم ذلك، أشار 4% منهم فقط أنهم اعتقدوا أن توقيفهم مرتبط بأسباب عنصرية. وقد أشار الاستطلاع إلى أن ربع عدد الحالات قد لاحظوا تمييزًا ضدهم في الوظائف والسكن، خاصةً في النمسا وإيطاليا. أما المملكة المتحدة فقد جاءت في ذيل التقرير بمعدلات عنف وتمييز أقل.

المصادر

تحميل المزيد