الهوية الدينية قد تستخدم سلاحًا من وراء ستار ليخدم أحيانًا مصالح غير مصالح الدين الذي يُحمل شعاره، فنرى ميليشيات ممسكة بالأسلحة النارية مدافعة عن دين ما، عن طريق قتل كل من يتعارض مع تلك الهوية الدينية، أو إجبارهم على ترك دينهم والدخول في الدين الذي يقف وراء السلاح.

في عصرنا الحديث عندما تُذكر كلمة ميليشيات بجوار دينية، قد يجنح ذهن القارئ سريعًا إلى تلك الملابس السوداء الشهيرة للتنظيمات الجهادية الإسلامية وأبرزها «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، ولكن هناك ميليشيات أخرى، تتشابه مع «داعش» في بعض النقاط وتختلف معها في أخرى، ولكنها تقف أيضًا خلف السلاح تحت شعار الدين، تلك الميليشيات التي تمارس أعمال العنف منذ عام 2014 في أفريقيا الوسطى، في نفس الوقت تقريبًا الذي اقتحمت فيه كلمة «داعش» الإعلام العالمي والعربي، فهل سمعت من قبل عن جماعة أعداء بالاكا؟ والتي اتهم قائدها باتريس نغايسونا منذ أيام أمام المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب ضد المسلمين؟

«احرقوا بيوت المسلمين مع شعاع الفجر الأول»

كان يومًا هادئًا في الحي الإسلامي بقرية زيريه الواقعة على بعد 25 كيلومترًا من بوسانجوا في مقاطعة أوهام بأفريقيا الوسطى، الصغار يلعبون بما أتيح لهم من مواد معادة التدوير، لأن الألعاب الجديدة ليست في قاموس هذا البلد الفقير، خاصة وإن كنت من الأقلية المسلمة مهضومة الحقوق، ولكن الفقر لم يكن أكبر همهم في مساء السادس من سبتمبر (أيلول) من العام 2013، عندما هجمت جماعة أعداء بالاكا على تلك القرية، وقتلوا ما يقرب من 60 فردًا من المسلمين، وأحرقوا منازل الحي الإسلامي والمسجد الواقع فيه، وتلك الدماء التي سفكت في الحي الإسلامي لم تكن سوى البداية.

ميليشات أعداء بالاكا

فمع الساعات الأولى من فجر يوم الخامس من ديسمبر (كانون الأول) بنفس العام تطور الأمر إلى حرب أهلية عندما هجم أعداء بالاكا على معسكر خاضع لسيطرة حركة خصومهم «سيليكا»، وبدأت أعمال القتل والعنف وسفك الدماء بين عناصر مقاتلي حركة سيليكا وبين أعداء بالاكا، التي لم يعد اهتمامها الأول هو حركة سيليكا والتي من المفترض أنها المقصودة من أعمال العنف، ليمتد هجومهم إلى بيوت المسلمين وحرقها بعد أن قتلوا سكانها من المسلمين، ووصلت حصيلة تلك الهجمات إلى 300 قتيل ومئات الجرحي، و52 ألفًا من المشردين.

لفظة أعداء بالاكا لها أكثر من تفسير، الترجمة الحرفية لها هي أعداء المنجل أو السيف، بينما يشير البعض أنه مصطلح يعني القوة التي لا تقهر، وتلك القوة يقول أفراد الميليشيات أنها ممنوحة لهم من قِبل القلادات التي يرتدونها في أعناقهم وتحمل تعويذات.

في بداية الأمر لم يصبغ تلك الجماعة صبغة دينية، فقد كان غرضها الأول هو تكوين قوات دفاع من المواطنين بسبب غياب قوات الأمن لما تمر به البلد من قلاقل بحسب قولها، أي لحماية الأهالي من قطاع الطرق وسارقي الماشية، ولكن ما إن تحول الأمر إلى صراع بين أعداء بالاكا وسيليكا والتي تجسد الإسلام في أذهان العامة في أفريقيا الوسطى، حتى صُبغت الجماعة بالصبغة الدينية المسيحية، واستهدفت حتى إرغام بعض المسلمين هناك على اعتناق المسيحية كما هاجمت المساجد وأغلقتها. ولكن يجب أن نوقف المشهد لحظة، ونتأمل سيليكا وأعداء بالاكا اللذين أقاما حربًا أهلية في أفريقيا الوسطى، ونتساءل ما الذي تسبب في كل هذا؟

أفريقيا الوسطى.. من المتحكم هُنا؟

تخيل «داعش» يقفون أمامك على اليمين، بينما تقف ميليشيات أعداء بالاكا على اليسار مشهرين أسلحتهم، الاثنان متحفزان والغضب صارخ في أعينهم، وإيمانهم بقضيتهم هو ذخيرة تلك المدافع، ما الظروف التي شجعت ظهور تلك الميليشيات باختلاف الدين الواقف وراء تلك الأسلحة؟

لنجيب عن هذا السؤال، يجب أن نعود بالزمن للوراء قليلًا، فعندما يبدأ فيلم إثارة بجريمة قتل، عادة ما يعود بك الكاتب لنقطة البداية، حتى تفهم الظروف المؤدية لسفك تلك الدماء التي تملأ الشاشة الآن.

أفريقيا الوسطى هي بلد فقير يشكل المسلمون الأقلية على أرضه، ما يحرمهم من الكثير من الحقوق السياسية، ويمكنك أن تستعيد في ذهنك كل الصور التقليدية عن البلدان الأفريقية الفقيرة بوجوه مواطنيها لتتخيل هذا البلد، وفي المقابل هناك فرنسا، وهذا لأن أصابع فرنسا التي تحرك خيوط مصالحها السياسية الدولية، كانت وما زالت ممسكة بزمام أمور أفريقيا الوسطى، ولها نفوذ على أرض هذا البلد يعود إلى عهد الاستعمار المباشر، عندما كانت منطقة أوبانجي-شاري التي تنتمي لأفريقيا الوسطى حاليًا؛ جزءًا من أفريقيا الاستوائية الفرنسية مع تشاد والجابون والكونجو خلال أعوام 1910 و1934.

فترة الاستعمار الفرنسي لأوبانجي عُرف عنها الفساد والظلم المتمثل في الانتهاكات التي ارتكبتها الإدارات الاستعمارية، والتي بسببها سُفكت الدماء على أرض أفريقيا الوسطى في أول موجات مقاومة ضد المستعمرين، وكان هذا الوقت، وتلك الدماء؛ هي المُشكّل الرئيسي لمستقبل هذا البلد الذي يعيشه الآن، شاهدًا على المزيد من الدماء إثر الحرب الأهلية.

استطاعت أفريقيا الوسطى الاستقلال عن الاستعمار في العام 1960، ولكنه كان استقلالًا ظاهريًا بعض الشيء حيث ظل نفوذ فرنسا فارضًا نفسه، ما ساعد على تواجد قاعدة عسكرية فرنسية في أفريقيا الوسطى حتى العام 1997، في ذاك الوقت، هذا التواجد السياسي والفعلي لفرنسا داخل أفريقيا الوسطى، جعلها عاملًا محركًا أساسيًا لاختيار القيادة التي تدير البلد.

في عام 2003 لم يكن رئيس أفريقيا الوسطى أنجي فيليكس باتاسيه يحظى برضا فرنسا، نظرًا لسعيه للاستقلال الحقيقي عنها من خلال تقليل اعتماد البلد على الدعم الفرنسي، الأمر الذي لم يكن في صالح فرنسا، وهنا جاء الرئيس الأسبق فرانسوا بوزيزي وشق طريقة للسلطة بالعنف مكان باتاسيه، عن طريق انقلاب عسكري مدعوم من فرنسا.

ظهرت حركات متمردة بغرض قتال الحكومة المركزية بعد ذلك، وفشلت محاولات السلام بين الطرفين منذ أن تولى بوزيزي الحكم وحتى عام 2008، ما دفع تلك الحركات لتكوين تحالف أكبر عددًا وأكثر قوة تحت اسم «سيليكا» والذي كان معظمه من المسلمين، بجانب بعض المقاتلين السودانيين والتشاديين الذين شاركوا في نزاع دارفور والحرب الأهلية التشادية، وتحت وطأة هذا الضغط وفي عام 2013 وصل رئيس جماعة سيليكا للحكم، دون أي دعم فرنسي، بل رغمًا عن فرنسا؛ لتبدأ الحرب الأهلية داخل أفريقيا الوسطى والتي فشلت ثمانية اتفاقات سلام خلال ست سنوات في جلب السلام إلى أطرافها.

قمع الهوية الدينية.. «اعتنقوا ديننا وإلا قتلتم»

ظهر «داعش» للحياة رافعًا شعار الدولة الإسلامية ونصب زعيم التنظيم نفسه خليفة، وقد تشكلت تلك الجماعة بالطبع من المسلمين فقط بل والمتطابقين في تفسير الإسلام بطريقة جهادية معينة، إذ أنهم كفروا حتى سائر الجهاديين، على الجانب الآخر كانت حركة أعداء بالاكا، يمثل المسيحيون النسبة الأكبر منها بينما يقف بين صفوفها أعضاء من أتباع الإحيائية وهي نوع من أنواع العبادات الوثنية.

وعلى الرغم من اختلاف «داعش» عن أعداء بالاكا في وحدة أعضائهما على دين واحد، إلا أن أعداء بالاكا اكتسبت سمعتها بكونها ميليشيات مسيحية متطرفة مثل «داعش»، نظرًا لممارسة الاثنين الضغط على المواطنين لترك دينهم الأصلي والانضمام للدين الذي تحمل الميليشيات شعاره.

في عام 2014 سُجلت أعمال عنف لـ«داعش» أجبرت فيها المئات من اليزيديين على اعتناق الإسلام، على الجانب الآخر من الشاشة يمكنك أن ترى أعداء بالاكا وفي العام نفسه، يمارسون التطهير العرقي للمسلمين داخل أفريقيا الوسطى ما بين ممارسات القتل والتهجير القسري، وقمع الهوية الدينية من خلال إجبارهم على التخلي عن الإسلام والدخول في المسيحية، لكن ما قامت به جماعة أعداء بالاكا لم يحظ بالتغطية الكافية من الإعلام العالمي في ذلك العام، مقارنة بتغطية العنف الذي قامت به الجماعات الإسلامية المسلحة في بقاع أخرى.

أقدام العنف تتشابه وطأتها 

الدماء المسفوكة على طرقات أفريقيا الوسطى أو شوارع العراق خلال الحرب الأهلية في البلدين، لن تسأل عن هوية أصحاب الأقدام التي تترك آثارها عليها أثناء الزحف للبحث عن مزيد من القتلى أيًّا كان دينهم، فأقدام العنف عادة ما تتشابه وطأتها، وبالنظر إلى الخسائر التي تكبدها البلدان إثر تلك الحروب الأهلية، سندرك أوجه من التشابه بين داعش وأعداء بالاكا.

أعداء بالاكا

في عام 2018، أكد تقرير نشرته جميعة أطباء بلا حدود الدولية؛ أن الحرب الأهلية في أفريقيا الوسطى أدت إلى «أزمة إنسانية» مطولة في جمهورية أفريقيا الوسطى مخلّفة وراءها احتياجات طبية شديدة لدى السكان، موضحًا – التقرير – أن بعد الحرب الأهلية «المدمرة» التي وقعت بين عامي 2013 و2014 تمتعت أفريقيا الوسطى ببعض الهدوء، ولكن بنهاية عام 2016 ظهرت التوترات على السطح من جديد عبر مجموعات مسلحة من ضمنها أعداء بالاكا «وبات هذا البلد يدور في دوامة من العنف المتجدد. تطوّر النزاع في عامي 2017 و2018 على هيئة هجمات عنيفة في مواقع متعددة، ونجم عن ذلك احتياجات طبية هائلة لدى السكان».

وحتى المواطنين الذين لم يتعرضوا للهجوم المباشر، كان للعنف تأثير مباشر في حصولهم على الرعاية الطبية الطعام والمياه النظيفة والمأوى والتعليم خلال سيطرة الحرب الأهلية على أفريقيا الوسطى، ويعتبر الأطفال والنساء من أكثر المتضررين بهذه الأوضاع بحسب نفس التقرير الخاص بأطباء بلا حدود.

شاهد بعض أعمال العنف التي ارتكبها أعداء بالاكا ضد المسلمين

ومن أفريقيا ننتقل إلى العراق والتي عاشت حربًا طويلة ضد «داعش» انتهت بانتصار الأولى، وبمجرد أن أعلن رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي النصر على التنظيم عام 2017، حتى انتشرت المعلومات عن عدد الضحايا والخسائر الاقتصادية التي تكبدها العراق أثناء حربه على أعمال العنف الخاصة بداعش، والتي تجاوزت 100 مليار دولار في أكثر من قطاع من مختلف قطاعات الدولة.

فقد راح ضحية تلك الحرب ما يقرب من 250 ألف منزل في القطاع الخاص، بما يعادل 7.5 مليار دولار، وجاءت الخسائر في قطاع الكهرباء بالمناطق التي سيطر عليها التنظيم باهظة للغاية، إذ قدرت بـ 12 مليار دولار، وكشف تقرير صادر عن مجموعة البنك الدولي ووزارة التخطيط العراقية في العام 2018 بأن تكلفة إعادة الإعمار في جميع المدن التي شهدتها الحرب تفوق الـ 88 مليار دولار، وأن إعادة إعمار قطاع الإسكان الخاص بحاجة إلى 17.2 مليار دولار، أما عن الضحايا البشرية خاصة من المدنيين فلم تتفق جهة على عدد محدد بعد، وتراوحت الأرقام التقريبية ما بين 16 و17 ألف مدني. 

وفي أبريل (نيسان) من العام 2018 أطلقت الأمم المتحدة بعثة لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى، بالتعاون مع قوات الأمن الحكومية بغرض نزع سلاح من المسلمين الذين يتصارعون مع هجمات أعداء بالاكا، ما يجعلهم عرضة لتلك الهجمات المسلحة، فاندلعت اشتباكات عنيفة أسفرت عن مقتل أكثر من 20 شخصًا، من بينهم جنود حفظ السلام التابعين للأم المتحدة، وإصابة ما يقرب من 150 من المسلمين، وبعد أيام من هذا الاشتباك وضع المتظاهرين جثث 16 شخصًا من جماعتهم قتلوا أثناء الاشتباك أمام مقر بعثة الأمم المتحدة متهمين قوات حفظ السلام بإطلاق النار على المدنيين من المسلمين.

وهو ما يتفق مع الموقف الذي أخذته هيومن رايتس ووتش تجاه قوات حفظ السلام، حين أدانتها بعد تلك الواقعة بالتسبب في إعاقة المسلمين في البحث عن الأمان أمام هجمات أعداء بالاكا في أفريقيا الوسطى، موضحين أن ما يزيد عن 1750 مواطنًا من المسلمين كانوا يختبئون من هجمات أعداء بالاكا المتحملة وهم يتضورون جوعًا بسبب حصار الميليشيات المسيحية لهم، ولم يكن أمامهم سوى البقاء والموت من الجوع، أو الخروج من مخابئهم والتعرض للقتل على يد أعداء بالاكا.

وفي تقرير أصدرته منظمة العفو الدولية في عام 2018؛ أكدت فيه أن سيطرة الحكومة في أفريقيا الوسطى على مجريات الأمور في أدنى مستوياتها، حيث واصلت الجماعات المسلحة المسيحية استهداف المدنيين من المسلمين، واستهداف العاملين في مجال تقديم المساعدات الإنسانية وقوات حفظ السلام، ما أدى إلى انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب على نطاق واسع ما تسبب في المزيد من تأجيج الصراع وعدم الاستقرار، وتزايدت أعداد طالبي اللجوء للبلاد المجاورة والنازحين داخليًا وسط أوضاع وصفها التقرير أنها «بالغة القسوة».

وأوضح التقرير أن هناك ما لا يقل عن 2.4 مليون شخص يعتمدون على المساعدات الإنسانية، ولا يزال هناك 1.4 مليون شخص لا يتوافر لديهم الأمن الغذائي.

هذا الصراع الدائر سلط الضوء بشكل خاص على ميليشيات أعداء بالاكا أكثر من غيرها من الجماعات المتمردة في أفريقيا الوسطى نظرًا لاستهدافها للمواطنين المسلمين بالذات، كآثار فتنة بين المسلمين والمسيحين، وأسفر هذا الصراع الديني السياسي في عام 2014 عن قتل ما يزيد 5186 شخصًا ما بين المسلمين والمسيحين، وهو الرقم الذين جُمع من الناجين والقساوسة والأئمة وعمال الإغاثة.

من منظور الطائر قد تتشابه العراق وأفريقيا الوسطى سواء في التاريخ السابق لانبثاق تلك التيارات الأيديولوجية الراديكالية أو في الحاضر المصبوغ بالعنف وملطخ بالدماء، أو حتى في الخسائر البشرية والاقتصادية التي تخلفها الحروب الأهلية وراءها، على الرغم من اختلاف بعض أهداف الجماعتين، ووحدتها الداخلية في تنظيمها، فإن الرقاب المنحورة في المساجد والكنائس تسيل منها نفس الدماء الحمراء، والأقدام التي تسير تخلف وراءها الجثث والبيوت المهدمة، إذ لا ترى الضحية التي تلفظ أنفاسها الأخيرة، الشعار المنقوش على الراية التي تحملها تلك الأقدام.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد