عرفت البشرية المضادات الحيوية مصادفة، عندما نسي العالم ألكسندر فلمنج وعاء البكتيريا مكشوفًا في عام 1928، فأهدى البشر إنجازًا علميًّا فارقًا. فعندما عاد من عطلته التي قضاها في ضاحية سافولك، اكتشف أن بعض المناطق في وعاء البكتيريا المكورة العنقودية الذهبية باتت خالية من البكتيريا تمامًا، ولاحظ أيضَا أن فطر المِكْنَسِيَّة المُعَيَّنَة (Penicillium notatum) أصاب الوعاء بالعدوى، وعندما فصل العفن في وعاء منفصل اكتشف مادة كيمائية (البنسلين) استطاعت القضاء على البكتيريا بكفاءة أعلى من المطهرات المستخدمة آنذاك.

Embed from Getty Images

ألكسندر فلنج يفحص وعاء البكتيريا

انتقلت الإنسانية من الظلام إلى النور، ومن العلة للصحة والنشاط بعد اكتشاف البنسلين. فالمضادات الحيوية تقي من الكثير من العدوى البكتيرية والالتهابات بمختلف أنواعها وتركيبتها. لكن كل ما عرفناه عنها أنها تعالج الأمراض الجسدية كالالتهاب الرئوي والإسهال وغيرها، فماذا عن الأمراض النفسية؟

هذا ما نتناوله في التقرير، وكيف تؤثر المضادات الحيوية في الأمراض النفسية؟ وهل تساهم بعضها في علاج العديد من الأمراض النفسية؟ 

هل تؤثر الكائنات الحية الدقيقة في صحتنا النفسية؟

قبل الانتقال إلى أثر المضادات الحيوية في علاج الأمراض النفسية، يجب التطرق إلى اتهام العدوى بالتسبب في الإصابة ببعض الأمراض النفسية.

يقول مدير المعاهد الوطنية للصحة النفسية، توماس أنسل، إن «إصابة العديد من الأطفال بالوسواس القهري بعد الإصابة بعدوى البكتيريا الكروية السبحية، يدفعنا للتساؤل عن ماهية العلاقة بين العدوى والمرض».

وتعد رئيسة قسم الأطفال في المعهد الوطني للصحة العقلية، سوزان سويدو، أول من تعرف إلى العلاقة بينهما، فقد نشرت بحثًا بعنوان «متلازمة الأمراض النفسية والعصبية الناتجة عن المناعة الذاتية المصاحبة لعدوى البكتيريا الكروية السبحية»، تقول فيه إنه بعد الإصابة بالبكتيريا الكروية السبحية (Streptococcus) يثور الجهاز المناعي على الجسم ويبدأ في مهاجمة أعضائه، ويصحب ذلك عدة حالات مرضية نفسية، منها: الوسواس القهري، ومتلازمة توريت، واضطرابات طيف التوحد، إلا أن الوسواس القهري أكثرها شيوعًا.

بكتيريا البكتيريا

كذلك أثبتت ورقة بحثية دنماركية كان الدكتور كوهلر فورسبرج الباحث الرئيسي فيها، عن وجود علاقة بين إصابة الأطفال بالالتهاب الرئوي والأمراض النفسية.

فقد تابع الباحثون الأطفال المحتجزين في المستشفى بسبب إصابتهم بالالتهاب الرئوي، وجمعوا بياناتهم منذ الولادة، وتابعوا الأدوية التي استعملت لعلاجهم. وتبين للباحثين أن عينة صغيرة أصيبت بمرض نفسي، و4% منهم شُخص بأعراض تشبه الفصام والقلق واضطراب الشخصية، و5.2% احتاجوا وصفة طبية لعلاج الأعراض النفسية.

لكن، إذا كانت هذه العلاقة تؤكد العلاقة بين العدوى البكتيرية والإصابة ببعض الأمراض النفسية في الأطفال، فماذا عن البالغين؟

أثبتت الدراسة التي نشرت في عام 2013، أن بعض البالغين القابعين في المستشفى بسبب عدوى بكتيرية أو مرض مناعي قد أصيبوا بالاكتئاب واضطراب ثنائي القطب.

كذلك رجح البعض أن بعض العائلات المصابة بعدوى فيروسية أو طفيلية تظهر عليها أعراض نفسية. فإصابة الحامل بفيروس الإنفلونزا قد تكون عاملًا في إصابة أطفالهم بالفصام، وإذا تخطى طفيل المُقَوَّسَةُ الغُونْدِيَّة (Toxoplasma gondii) الحاجز الدموي الوعائي فإنه يزيد من احتمالية الاصابة بأمراض نفسية. 

إذًا.. هل تشفي المضادات الحيوية الأمراض النفسية؟

قبل عشرات السنين، كان هذا ضربًا من الجنون، أن تفكر في علاج مرض نفسي بالمضادات الحيوية، لكن في عام 2007 ذهب شاب ياباني مصاب بالذهان للمستشفى طلبًا للعلاج، بسبب معاناته من الأرق والقلق علاوة على هلوسات سمعية. كانت تحاليل الدم والتحاليل المطلوبة للمخ طبيعية، وصف له الأطباء دواء «الهالبياردول»، وهو مضاد للذهان، لكنه لم يشف، وظل الوضع كما هو عليه. 

لكن عندما تفاقمت حالته وأصيب بالتهاب رئوي، تبين أنه شفي من الذهان بعد أسبوعين وشفي من الالتهاب الرئوي أيضًا، وعندما توقف عن تناول دوائه ساءت أعراض الذهان ثانية، فما هذا اللغز؟

أثارت هذه النتيجة عقل تسويوشي مياوكا، أستاذ الطب النفسي المساعد في كلية الطب بجامعة شيمان اليابانية، فأجرى دراسة على 22 شخصًا مصابًا بالفصام وأعطاهم المضاد الحيوي «مينوسيكلين» بالإضافة إلى مضادات الذهان لمدة أربعة أشهر، فاكتشف أن 50% من الأعراض السلبية والإيجابية للفصام قد تحسنت، وكان هذا مبشرًا للغاية.

تبعه الدكتور يشيل ليفكوفيتز، من مركز شالفاتا للرعاية الصحية العقلية في هود- هشارة وزملاؤه بإجراء التجربة على 54 شخصًا يعانون من المراحل المبكرة للفصام، وأعطاهم «مينوسيكلين» بالإضافة إلى مضادات الذهان النمطية، أو بإضافة مضادات الذهان اللانمطية.

توصل الباحثون إلى أن المينوسيكلين استطاع تحسين الأعراض السلبية التي يصعب حلها وعلاج القصور المعرفي، وتحسين أدائهم الوظيفي، ولاقى استخدام مضاد «سيفاتريكسيون» النجاح ذاته، ما يجعلنا نصدق أن المينوسيكلين يعد مضادًا للذهان، لكن كيف يعالج المرضى؟

ولفهم الآلية جيدًا، علينا إلقاء الضوء على النظريات التي فسرت أسباب مرض الفصام. أثبتت بعض النظريات أن الجينات تلعب دورًا مهمًّا في انتقال المرض عبر الأجيال، وبعضها أقر بأن نقص الدوبامين هو المسئول عن معظم الأعراض الإيجابية للمرض، حتى فاجأتنا نظرية أخرى بأن الدوبامين ليس المسئول الوحيد عن المرض، فالخلل في تصنيع الجلوتامات يؤثر في إفراز الدوبامين، ونظرية أخرى ربطت بين نشاط الخلايا الدبقية في الدماغ وأعراض الفصام. لذا فإنهم يرجحون أن قدرة المينوسيكلين على تخطي الحاجز الدماغي الدموي قد ساهمت في إعاقة مسار الجلوتامات، وتثبيط نشاط الخلايا الدبقية.

كما كان استخدام المضادات الحيوية فعالًا في علاج الأعراض النفسية والعصبية خلال جائحة فيروس كورونا المستجد. ففي دراسة بحثية نشرها الباحث تشافيس فيلو، أكد أن الإصابة بالمتلازمة التنفسية الحادة المصاحبة لفيروس كورونا، قد صاحبتها بعض الأمراض النفسية والعصبية، كالقلق والتوتر والاكتئاب وتشتت الانتباه، وهذا إما أن يكون نتيجة لأن الخلايا العصبية المسئولة عن الشم ترتبط بالمخ، وإما لأن الفيروس تخطى الحاجز الدماغي الدموي.

صحة

منذ 4 شهور
مترجم: كيف تتحلى بالمرونة النفسية لتجاوز الشدائد؟ علم النفس يشرح لك

واستطاع فيلو أيضًا الوصول إلى طريقة لعلاج هذه الأعراض النفسية والعصبية باستخدام المضادات الحيوية، فالتراترسيكلين والدويكسيسيكلين أظهرا نتائج مبهرة في علاج الاكتئاب والفصام.

وهذا يقودنا إلى استنتاج مذهل أن المضادات الحيوية تستطيع مساعدتنا على شفاء بعض الأمراض النفسية بجانب الأدوية النفسية. 

لكن ماذا عن مضادات الالتهابات؟

إذا كانت المضادات الحيوية تساهم في علاج الفصام، فهل تساعدنا مضادات الالتهابات على علاج الاكتئاب الحاد؟

في دراسة أجريت على 1610 مشتركين مصابين بالاكتئاب الحاد، فحص الباحثون مدى فعالية وأمان استخدام مضادات الالتهابات مثل أوميجا3 ومضادات الالتهابات اللاستيرويدية في علاج الاكتئاب الحاد، فتبين أن مضادات الالتهابات آمنة وفعالة في علاج الاكتئاب الحاد بمحاذاة مضادات الاكتئاب.

ومما سبق، يمكن القول بأن مستقبل المضادات الحيوية واستخدامها في علاج الأمراض النفسية، قد يكون واعدًا، ويصبح اكتشاف ألكسندر فلمنج أحد أعظم اكتشافات البشرية.

المصادر

تحميل المزيد