«دكتور ساسة»، سلسلة علمية طبية، يُقدمها «ساسة بوست»، أسبوعيًّا، كل أربعاء. تتناول السلسلة في كل مرة، مرضًا مُختلفًا؛ لتعرض بصورة مُبسطة ماهيّته وأسبابه وأعراضه، وطرق الوقاية والعلاج منه، والأهم من ذلك أشهر المفاهيم الخاطئة عن هذا المرض. «دكتور ساسة» لا يعدك بخدمة بديلة عن استشارة الطبيب، لكنّه يعدك بخدمة معرفية، قد تُساعدك على الوقاية من الأمراض، أو الكشف عن الإصابة بها مُبكرًا، بما يكفي لعلاجها.

هناك الكثير من الأدوية التي يتعامل معها الناس في منطقتنا العربية بشكل مستمر ودائم. وبغض النظر عن نظام صرف الأدوية المتبع، ومدى تطبيقه بصورة ملائمة بين بلداننا العربية، فإن بعض الأدوية التي نتناولها بشكل متصل يجب أن نتعامل معها بحرص شديد أكثر مما نتخيله.

بدون روشتة

في المجال الطبي، وتحديدًا في مجال الأدوية، هناك عدد لا بأس به من الأدوية التي يطلق عليها اسم «أدوية بدون روشتة»، والتي تمثل عددًا من الأدوية التي لا يشترط أخذ رأي طبيب أو إذنه من أجل تناولها. ومن أبرز هذه الأدوية مادة «الباراسيتامول» المسكنة للآلام، و«الأدوية الملينة»، و«الأدوية المضادة للحموضة»، وبعض أنواع «أدوية القرحة».

وتعرف هذه الأدوية تحديدًا بأنها تلك الأدوية التي تتميز بأنها فعالة وآمنة عند الاستخدام من قبل الجمهور العام، بدون الحاجة لوصفة طبية. وهذه الأدوية عادًة ما تتواجد على أرفف الصيدليات، وبعض «السوبرماركت»، مع سهولة واضحة في وصول المريض إليها بمجرد طلبها. في الولايات المتحدة ـ على سبيل المثال ـ هناك أكثر من 80 نوع من أنواع الأدوية التي يمكنك صرفها، دون الحاجة للروشتة الطبية.

لكن بقية الأدوية تنص أغلب الأنظمة الطبية في العالم على أنها: أدوية لا يمكن صرفها من الصيدليات، دون وجود روشتة من طبيب مختص. وهذه الأدوية أيضًا تختلف في إمكانية صرفها: فهناك أدوية يمكن صرفها مرارًا وتكرارًا، مهما مر على تاريخ كتابة الروشتة لأول مرة. وهناك أدوية يتطلب صرفها أن يسحب الصيدلاني الروشتة منك، بعد أول مرة للصرف؛ حتى لا تقوم بتكرار الصرف. وهناك أدوية لا يمكن صرفها، إلا بروشتات مخصوصة، وهي تلك التي تتعلق بالأدوية التي تحتوي على نسبة من المواد المخدرة.

المشكلة التي تظهر في بعض الدول العربية تكمن في عدم تطبيق هذه الأنظمة بحذافيرها، لنجد أن الأدوية تصرف من الصيدليات، دون ضبط أو ربط، بل يصل الأمر إلى أن نجد أن الصيدلاني يقوم بعمل الطبيب، من تشخيص للمرض، وصرف للدواء، بشكل مباشر. هذا الأمر يتسبب في العديد من المشاكل، على المدى الزمني القريب والبعيد على الصحة العامة في هذه الدول.

النصيحة الفعالة التي يمكننا أن نقدمها لك هنا هي أن تستخدم هذه الأنواع من الأدوية التي تصرف، بدون روشتة، بدون مشاكل، لكن ابتعد عن استخدام الأنواع الأخرى من الأدوية التي تحتاج لوصفة طبية؛ حتى لو كان الوصول إليها متاحًا بسهولة في الصيدليات التي تقع في بلدك. ويمكنك معرفة الأدوية الآمنة الاستخدام عبر هذا الموقع.


المضادات الحيوية

باراسيتامول، أحد أشهر الأدوية بدون وصفة طبية

المضادات الحيوية

ويطلق عليها أيضًا اسم «مضادات البكتيريا»، وهي أحد أنواع الأدوية التي تستخدم كمادة مضادة للميكروبات بشكل عام. والمضادات الحيوية تشمل تلك الأدوية التي تستخدم في علاج أو الوقاية من العدوى البكتيرية، وهي إما أن تقتل البكتيريا أو تمنع نموها. والمضادات الحيوية تشمل قطاعًا واسعًا من الأدوية، وتشمل كل مجموعة منها آلية معينة في قتل البكتيريا. كذلك فإن لكل دواء مضاد حيوي واحد مجموعة البكتيريا التي يمكنه قتلها، دون غيرها.

طريقة الصرف الأمثل للمضادات الحيوية تتلخص في صرفها لمرة واحدة فقط، عن طريق سحب الروشتة من المريض في أعقاب ذهابه لصرف الدواء من الصيدلية لأول مرة؛ يأتي هذا الإجراء الذي تقوم به بوضوح الدول الغربية، ودول الخليج، بشكل صارم، نتيجة للآثار السلبية الفادحة؛ لتكرار تناول المريض لهذه المضادات الحيوية، دون ضبط.

وتعتبر المضادات الحيوية واحدة من أخطر مجموعات الأدوية التي يساء استخدامها، والتي يترتب عليها مشاكل صحية، ليست للمريض ذاته، ولكن على مستوى الدولة نفسها، وربما العالم أجمع؛ فالمضادات الحيوية تحوي عيبًا خطيرًا يتمثل في قدرة البكتيريا على تكوين مناعة ضدها مع مرور الوقت، وبالتالي قد تصبح بعض أنواع المضادات الحيوية غير قادرة على مقاومة أنواع معينة من البكتيريا، مما يقلل فعاليتها تجاه مقاومة ـ وبالتالي الشفاء من الأمراض التي تسببها ـ العدوى البكتيرية.

هناك عدد كبير من المضادات الحيوية، أصبح استخدامها محدودًا جدًا، وربما انتهى استخدامها تمامًا على مستوى الطب البشري؛ نتيجة تكون مناعة واسعة ضدها من قبل عدد كبير من البكتيريا: «مادة البنسلين»، وهي أول مضاد الحيوي يكتشف في العالم، وذلك عام 1928، أصبح لها حاليًا استخدامًا محدودًا للغاية في الطب، بعد أن كانت دواءً ثوريًا في مجال الطب، والقادرة على قتل أغلب أنواع البكتيريا وقت اكتشافها.

المضادات الحيوية

مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية تزداد بشكل غير مسبوق مؤخرًا

كيف تتعامل مع المضادات الحيوية؟

هناك مجموعة من النصائح الهامة التي يجب مراعاتها مع المضادات الحيوية، وبعد أن نذكر هذه النصائح، سنختم التقرير بمخاطر إساءة استخدام المضادات الحيوية على مستوى العالم. لنوضح أهمية هذا الأمر.

1- لا تتناول المضادات الحيوية أبدًا، إلا بعد استشارة الطبيب. ويجب عليك أن تعلم أنه في جميع الأنظمة الطبية المتقدمة، فإن الطبيب – والطبيب فقط – هو الشخص المخول بوصف المضادات الحيوية لك، دون غيره من جميع أفراد الفريق الطبي.

2- تناول المضادات الحيوية بالطريقة التي أخبرك بها الطبيب بحذافيرها. الكثير منا لا يكمل جرعة المضادات الحيوية الموصوفة له؛ بمجرد أن يبدأ في الشعور بالتحسن. هناك عليك أن تعلم أنه لا علاقة للتحسن من المرض بالموت التام للبكتيريا؛ ففي كثير من الأحيان عندما تقل أعداد البكتيريا عن حد معين يبدأ الجسم في التحسن، لكن الكمية القليلة المتبقية من البكتيريا يمكنها أن تعود للنشاط والتكاثر مرة أخرى، إذا قطعت عنها المضاد الحيوي، قبل أن تزال تمامًا من جسم الإنسان.

3- الوقت عامل مهم جدًا عند تناول المضادات الحيوية. إذا أخبرك الطبيب بتناول الدواء ثلاث مرات يوميًا، فليس معنى هذا أنك ستتناول ثلاث حبات فقط في أي مواعيد، لكن معناه أن تتناول حبة دواء واحدة كل ثماني ساعات بالضبط. عليك أن تحسب الوقت بمنتهى الدقة؛ لأن الاختلاف في مواعيد تناول الدواء يمكن أن يعطي فرصة للبكتيريا للتكاثر، ومقاومة الدواء.

4- المضادات الحيوية ليست نوعًا واحدًا، وبالتالي لا تفكر في تناول مضاد حيوي بديلًا لمضاد حيوي آخر. الحالة الوحيدة التي يصلح فيها هذا الأمر هي أن يصرف لك الصيدلي عقارًا جنيسًا للعقار المطلوب. وبمعنى آخر: أن يعطيك دواءً يحتوي على نفس المادة الفعالة بنفس الكمية، والتركيز، بدلًا من الدواء المطلوب، ففي هذه الحالة يكون الدواءان متطابقين، لكن مع اختلاف الشركة المنتجة، لا تحاول الحصول على دواء بديل بمادة فعالة مختلفة أبدًا.

5- نزلة البرد أو الإنفلونزا، ليست مرضًا بكتيريًا، لكنه مرض فيروسي، وعليك أن تأخذها قاعدة عامة: أن المضادات الحيوية لا تقتل الفيروسات، ولكن تقتل البكتيريا فقط. وبالتالي، فإياك أن تسارع بتناول مضادات حيوية بمجرد إصابتك بنزلة برد مصحوبة بارتفاع طفيف في درجة الحرارة، أو نزلة إنفلونزا، ولو كانت شديدة. الحالة الوحيدة لتناول المضادات الحيوية عند الإصابة بنزلة البرد أو الإنفلونزا، هي عندما تكون هناك عدوى بكتيرية ثانوية مصاحبة للمرض الأساسي، وهذه الحالة لا يستطيع أن يكتشفها سوى الطبيب.

6- المضادات الحيوية هي مادة قاتلة للبكتيريا، وبالتالي فإن لها درجة سمية على الكائنات الحية. هذا الأمر يعني أن جميع المضادات الحيوية ـ بلا استثناء ـ لها آثار جانبية على جسم الإنسان. بعض هذه الآثار تكون طفيفة ويمكن تحملها بسهولة، والبعض الآخر يكون شديدًا، وربما خطيرًا على الجسم. لا تتردد في سؤال الطبيب عن الآثار الجانبية المحتملة للدواء الذي يكتبه لك، وكيف تتعامل مع كل أثر منها.

المضادات الحيوية

نزلات البرد لا تحتاج إلى مضادات حيوية

 

تغيير التعامل مع المضادات الحيوية

وقد نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا منذ أيام قليلة، دعى المرضى والأطباء ـ على حد سواء ـ إلى تغيير طريقتهم في التعامل مع المضادات الحيوية؛ فخلال السنوات الأخيرة تسببت مشكلة زيادة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية في موت 23 ألف شخص سنويًا في الولايات المتحدة وحدها.

وعدد التقرير بعض الوسائل التي تؤدي لمشكلة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، مثل تباطؤ اكتشاف مضادات حيوية جديدة، والمستشفيات التي تمتلئ بالبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، والمضادات الحيوية التي تنتقل للإنسان، بعد أن تعطى لحيوانات المزارع؛ لعلاجها من أمراض معينة أو وقايتها من أمراض خطيرة، فتنتقل لنا عبر الغذاء.

وقد كشف تقرير نشرته صحيفة «ديلي ميل» البريطانية أن مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية قد تتسبب في وفاة عدد من البشر، أكثر من عدد الناس الذين يتوفون جراء مرض السرطان. وأشار التقرير أن مقاومة البكتيريا، قد تتسبب في وفاة عشرة ملايين شخص سنويًا، بحلول عام 2050 على مستوى العالم. هذا الرقم قد يقل؛ إذا تمكن العلماء من ضخ أدوية مضادات حيوي جديدة عبر اكتشاف أنواع جديدة.

التقرير أشار ـ أيضًا ـ إلى أن هذه المشكلة التي وصفها بالخطيرة جاءت نتيجة الإفراط في وصف المضادات الحيوية للأمراض التي لا تستدعي استخدامها. فهناك عدد كبير من الأطباء يقومون بوصف هذه الأدوية لمرضى «نزلات البرد والإنفلونزا والكحة، وبعض أنواع الحمى الناجمة عن عدوى فيروسية»، وهذه أمراض لا تحتاج في الغالب لأي مضادات حيوية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد