في الوقت الذي تُعافر فيه الأنطمة الصحية حول العالم من أجل مواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد «كوفيد 19»، وتبذل قصارى جهدها للسيطرة على الوضع، وتفادي استنزاف كوادرها الطبية ومنشآتها الصحية. يعمل الباحثون الألمان على الجانب الآخر، على تطوير اختبار للكشف عن الحصانة ضد الفيروس، والتعجيل بفك الحظر، والخروج من عزلة الحجر الصحي، وإدارة عجلة الإنتاج، وذلك في خطوة استباقية تحاول بها ألمانيا تجاوز حدود الحاضر، والسير بخطى سريعة تعبر بها نافذة المستقبل؛ لتصل إلى مرحلة الحياة ما بعد كوفيد 19، وبث الحياة في دورة الاقتصاد من جديد.

فما قصة هذا الاختبار؟ وما النتائج التي يمكن أن يعود بالنفع بها على البشرية؟ وهل من عقبات قد تقف في طريقه؟ وكيف تتسابق كبرى شركات التكنولوجيا الحيوية من أجل توفير اختبارات أولية للكشف المبدئي عن الإصابة بالفيروس المستجد؟ 

ما خطة ألمانيا لإعادة الحياة إلى ما قبل كورونا المستجد؟

بينما يحاول العالم السيطرة على أذرع الفيروس التاجي الجديد المتشعبة، واحتواء المرض في الوقت الحالي، إلى حين الوصول إلى علاجٍ أو لقاحٍ له، يفكر الألمان في مرحلة ما بعد كورونا المستجد، وفي الطريقة التي ستعود الحياة بها أدراجها، ويواصل المتعافون منه حياتهم اليومية؛ وتلافي التبعات الاقتصادية الناتجة من العزل.

ورغم احتوائها على خامس أكبر عدد من الحالات المصابة بفيروس كورونا المستجد في العالم، فإن لدى ألمانيا أحد أدنى معدلات الوفيات بالفيروس الجديد، والتي يرجع الفضل فيها جزئيًّا إلى نظام الاختبار الاستباقي للحكومة. فضلًا عن ذلك، تملك ألمانيا أحد أكبر الأنظمة الصحية في العالم، إذ لديها رابع أعلى إنفاق صحي في العالم للفرد، ورابع أعلى معدل أسرَّة مستشفيات لكل ألف مواطن. 

وبالإضافة لقوة النظام الصحي، فرضت ألمانيا إجراءات قوية لمكافحة انتشار جائحة كورونا المستجد؛ فبدأت بإجراء الفحوصات في وقت مبكر للغاية، بما يشمل حتى الأفراد الذين ظهرت عليهم أعراض ضعيفة. واتخذت إجراءات للحد من التجمعات، لكسب الوقت، والابتعاد عن السيناريو الأسوأ الذي حذرت منه المستشارة أنجيلا ميركل في وقت سابق، الذي يتمثل في إصابة ما بين 60 و70% من الشعب بالفيروس. ونتيجة لذلك؛ تملك ألمانيا أحد أقل معدل وفيات بالفيروس في العالم بـ0.3%، مقارنة بـ9% في إيطاليا، و4.6% في المملكة المتحدة. 

وفي الوقت الراهن، يستعد العلماء في ألمانيا لإجراء اختبار للكشف عن الأشخاص الذين كانوا حاملين لفيروس كوفيد 19 أو مصابين وتعافوا منه بالفعل، وطور جهازهم المناعي أجسامًا مضادة لمحاربته، حسبما أفادت صحيفة «دير شبيجل»، وأضافت الصحيفة أيضًا أن نتائج الاختبار ستُظهر عدد الأشخاص الذين أصيبوا بالعدوى، وطوروا أجسامًا مضادة، بالإضافة إلى بيانات أكثر دقة حول عدد الأشخاص الذين توفوا من المصابين.

وحددت الصحيفة أن الباحثين قد يبدأون اختبارًا جماعيًّا على مئات الآلاف من الأشخاص؛ للكشف عن تطور المناعة ضد فيروس كورونا المستجد. وبناء على نتائج الاختبار، يحصل الأشخاص الذين يملكون الأجسام المضادة للفيروس على «شهادات مناعة» موثقة، تسمح لهم بمغادرة الحجر الصحي الصارم المفروض في بعض أنحاء البلاد. وقد صرح جيرارد كراوس، عالم الأوبئة الذي يقود البحث، للمجلة بأن الأشخاص الذين يتمتعون بمناعة يمكن إعطاؤهم نوعًا من البطاقات، التي تسمح لهم على سبيل المثال بالإعفاء من القيود المفروضة على عملهم.

ومع حالة الحظر التي تعيشها الولايات في جميع أنحاء ألمانيا، يرغب الباحثون في مركز «هيلمهولتز» لأبحاث العدوى في براونشفايج، في إرسال مئات الآلاف من اختبارات الأجسام المضادة خلال الأسابيع المقبلة، والتي قد تسمح للمصابين بالخروج من الحجر الصحي. وإذا حصل الباحثون على الموافقة المسبقة من السلطات الصحية الحكومية، فسيجرون الاختبارات الأولية باستخدام عينات الدم الخاصة بـ100 ألف شخص، في وقت مبكر من شهر أبريل (نيسان) الجاري. على أن يجري تكرارها دوريًّا، وقد تظهر أولى النتائج مع نهاية الشهر.

دولي

منذ شهرين
كيف تواجه الدول الأكثر إنفاقًا على الصحة في العالم أزمة «كورونا»؟

نتائج مبشرة وتساؤلات محيرة

منذ وصول جائحة كوفيد 19 إلى ألمانيا، لجأت السلطات إلى إجراء نحو 300 إلى 500 ألف فحص؛ للكشف عن الفيروس أسبوعيًّا، وتتجه حاليًا إلى رفع الحد ليصل إلى 200 ألف فحص يوميًّا، وتستند استراتيجية الألمان في مواجهة الفيروس استنادًا رئيسيًّا إلى إجراء الفحوص المكثفة، ووضع المرضى في الحجر الصحي، منعًا لاستنفاد طاقات مستشفياتها، وأطقمها الطبية.

ويعتقد الباحثون أن نتائج الاختبار الذي يجري العمل عليه، يمكنها إعطاء فكرة أفضل عن عدد الأشخاص الذين أصيبوا بالفيروس، مع وجود مؤشرات في ألمانيا وأماكن أخرى، تُشير إلى إصابة نسبة كبيرة من السكان دون علمهم، خاصةً وأن نحو 30% من الإصابات بالفيروس قد تحدث دون ظهور أعراض. إلى جانب فحص جميع الأشخاص المحتمل إصابتهم، ممن كانوا على تواصل مع المصابين بالفيروس، وتحديد أماكن أولئك الذين تثبت إصابتهم.

علاوة على ذلك، يمكن أن تساعد النتائج في تحديد متى يمكن إنهاء الحظر، وإعادة فتح المدارس، وعودة الناس إلى العمل، والسماح بالتجمعات الجماعية، أو بعبارة أخرى عودة الحياة إلى طبيعتها في ألمانيا نسبيًّا. كذلك، ستعطي النتائج إحصاءات ومعلومات حول المناطق السكنية التي بدأ يتطور بها ما يُعرف بـ«مناعة القطيع»، التي بات يعلق عليها العالم آماله، في ظل التوقعات بتأخر اكتشاف علاج أو لقاح للفيروس؛ وبالتالي يمكن رفع الحظر أو تخفيفه على تلك المناطق.

ولكن الطريق ليس مفروشًا بالورود، إذ ما تزال هناك بعض المشكلات في اختبار الأجسام المضادة (Sars-Cov-2)، والتي تظهر أحيانًا عند التعرض لفيروسات تاجية أخرى، والتي يكون 90% من البالغين محصنين ضدها بالفعل. لذلك؛ سيعمل الباحثون على تطوير اختبار أكثر دقة خلال الشهرين إلى ثلاثة أشهر القادمة.

وأيضًا من الأسئلة التي تبقى دون إجابة إلى الآن، هل يكتسب المتعافي من الإصابة بكورونا المستجد مناعة دائمة، تحميه من تكرار الإصابة بالعدوى، أم أنها مناعة مؤقتة؟ وإذا كانت مؤقتة فكم تبلغ الفترة التي يمكن أن تستمر خلالها؟

توجه «ساسة بوست» للدكتور أحمد عماد الدين عرفة، الباحث في مجال الصحة العامة بجامعة أوساكا، بالأسئلة حول الموضوع وعلَّق قائلًا: «لدي بعض التحفظات، أولها أنه لم يثبت إلى الآن أن الإصابة بالفيروس تُكسب المصاب مناعة دائمة، خاصةً مع ظهور بعض الحالات المسجلة التي تكرر إصابتها بالفيروس بعد التعافي (reinfection)، إحداها في مدينة أوساكا عاودتها الإصابة بعد التعافي بأربعة أيام». 

وأضاف عرفة أيضًا أنه إلى الآن تمكن باحثون أمريكيون من تحديد ثماني فصائل مختلفة من الفيروس؛ الذي يتطور بسرعة رهيبة إلى الحد الذي يجعل البعض يفترض أن الفيروس ربما قد وُجد مسبقًا، وتسبب في أعراض شبيهة بالإنفلونزا، وأن ما حدث في ديسمبر (كانون الأول) الماضي كان محض ظهور لفصيل جديد عنيف. 

وعند سؤاله عن احتمالية كون هذه الإجراءات وما يُشابهها غير فعالة، في ظل الوتيرة السريعة التي يتطور بها الفيروس، أجاب: «ربما، لأن الإصابة بالفيروس -كوفيد 19- غالبًا ستكون مثل الإصابة بالإنفلونزا، التي من الممكن أن نصاب بها أكثر من مرة، لتعدد أنواع الفصائل التي تسببها، وحتى الأشخاص الذين يتلقون تطعيمًا ضد الإنفلونزا، قد يُصابون بها أحيانًا للسبب ذاته». وعلق أيضًا أنه بالنظر من زاوية أخرى، فمن المبشر عودة الأفراد إلى مباشرة العمل، واستمرارية عجلة الإنتاج؛ وهو الأمر الضروري جدًّا.

مجتمع

منذ شهر
هكذا سيتغير السلوك الإنساني في عالم ما بعد كورونا

لكن ألمانيا ليست الوحيدة في هذه المحاولة

يبدو أن ألمانيا ليست الوحيدة في المنطقة؛ إذ تظهر في المملكة المتحدة خطط مماثلة؛ لبدء اختبار الأجسام المضادة لتخفيف الحظر. وقالت البروفيسورة شارون بيكوك، مديرة خدمة العدوى الوطنية في الصحة العامة البريطانية، للبرلمان البريطاني، إنهم عملوا على تطوير اختبارات منزلية بسيطة؛ لتحديد ما إذا كان الشخص قد أصيب بالفيروس من قبل، عبر وخز الإصبع، ثم إرسال العينة إلى المختبر. وقالت شارون إن هذه الاختبارات يمكن أن تكون متوفرة قريبًا للطلب في المملكة المتحدة، وبمجرد طرحها سيتمكن العامة من شرائها من الصيدليات ومتاجر التجزئة، وعبر المتاجر الإلكترونية مثل أمازون.

ويحتد السباق نحو الوصول إلى اختبار منزلي للكشف عن الإصابة بكوفيد 19، في مارثون محموم تتنافس فيه كبرى شركات التكنولوجيا الحيوية؛ لإصدار نسختها من الاختبار الأسرع، والأرخص، والأكثر ملاءمة، فمن بريطانيا إلى أستراليا، وإسبانيا، والولايات المتحدة، برزت موجة جديدة من اختبارات كوفيد 19؛ لتلبية الحاجة المُلِّحة لمزيد من الاختبارات خلال جائحة الفيروس التاجي الجديد.

بَيْد أن نتائج بعض هذه الاختبارات تتأرجح بين الخطأ والصواب، وتختلف في دقتها حول العالم. في إسبانيا على سبيل المثال، أعادت البلاد عشرات الآلاف من اختبارات الفيروسات التاجية السريعة إلى الشركة الصينية التي ورَّدتها إليها، بعد اكتشاف عدم صحة نتائجها. وعلى صعيد آخر، أظهرت بعض الاختبارات أيضًا نتائج إيجابية خاطئة، نتيجة الكشف عن أجسام مضادة لفيروسات تاجية أخرى أكثر شيوعًا.

ولكن مؤخرًا، أُعلن عن طرح عدد من اختبارات الكشف المنزلية؛ وذلك بعد أن أعطت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) الضوء الأخضر لعدد من الشركات لطرح منتجاتها تحت «ترخيص الطوارئ»؛ من أجل مكافحة الوباء العالمي. ومن بين هذه الاختبارات، اختبار شركة «معامل أبوت» الجزيئي لسلالة كوفيد 19، الذي تقول الشركة إنه يمكن استخدامه في مواقع الفحص المؤقت، ويمكنه الكشف عن الحالات الإيجابية في أقل من خمس دقائق، والسلبية في خلال 13 دقيقة.

ومن الاختبارات التشخيصية التي حصلت على موافقة الـ(FDA) أيضًا، اختبار شركة «Mesa Biotech» الذي يُظهر نتائج الفحص في غضون 30 دقيقة. واختبار شركة «Cepheid»، والتي تعمل أيضًا على زيادة الإنتاج لتلبية الطلب غير المسبوق.

صحة

منذ شهرين
هل يقي لقاح الدرن من الإصابة بكورونا؟ كل ما تريد معرفته عن تطعيم السُّل

المصادر

تحميل المزيد