18,832

«نحن كائنات لا ينبغي أن توجد حسب قانون الطبيعة، فنحن أشياء تكدح وتجتهد مدفوعة بوهم امتلاك الذات، برمجتنا مشاعرنا وخبراتنا الحسية بتأكيد تام على أن لكل منا أهميته، بينما في الحقيقة لا أهمية لأحد، لذلك أعتقد أن رفض برمجتنا هو أنبل ما يمكن لجنسنا فعله، بأن نكف عن التناسل، نتوقف عن إعادة الإنتاج، نساعد بعضنا على الانقراض».

بهذه الكلمات التي تضمنتها إحدى مشاهد مسلسل «True Detective»، لخص الممثل الأمريكي «ماثيو ماكونهي»، والذي كان يؤدي دور المحقق «روستن كول»، وجهة النظر التي تبناها طوال حلقات المسلسل، وسعى لإثبات صحتها، والمتمثلة في «اللاإنجابية».

تعود الفلسفة اللاإنجابية إلى زمنٍ بعيد؛ إذ ظهرت على سبيل المثال في تاريخ اليونان القديم، وتحديدًا في أعمال الروائي والمسرحي اليوناني «سوفوكليس»، وكانت تُطرح في صور متعددة مرتبطة بالتشاؤمية، والعدمية، وتطورت بعد ذلك لترتبط بالشفقة على واقع الإنسانية الذي لا يحتاج لمزيد من الضحايا الجدد.

مؤخرًا بعدما أصبح الواقع العربي يعاني من الحروب، والصراعات، والمجاعات، طُرحت اللاإنجابية بوصفها حلًا يساعد في تقليل الخسائر، بل أصبح يُنظر أحيانًا إلى الآباء الذين ينجبون في مثل هذه الظروف غير المأمونة، بأنهم أجرموا في حق أبنائهم، فإذا كانوا لا يضمنون لأنفسهم أدنى متطلبات العيش، فكيف يسعون لانجاب أجيال جديدة تتجدد معهم نفس المعاناة، وربما أصعب؟!

الذكيات يمتنعن عن الإنجاب

توصل الباحث الياباني الدكتور «ساتوسي كانازافا»، المتخصص في علم النفس التطوري بجامعة لندن، إلى وجود علاقة تربط بين ذكاء المرأة ورغبتها في الإنجاب، فقد لاحظ أنه مع زيادة معامل الذكاء لدى المرأة بمقدار 15 نقطة، فإن رغبتها في الإنجاب تنخفض بنسبة 25%، وعلق «كانازافا»، على ذلك قائلًا: «إن جميع الكائنات الحية مصممة على التكاثر، عدا الإنسان، والذي نتيجة تطور عقله يستطيع اتخاذ قرارًا بالتوقف عن ذلك».

وجد الباحث الياباني أثناء إجراء دراسته أن المرأة الذكية على ما يبدو لا تمتلك الرغبة في مواصلة الخطوات الروتينية للوصول للهدف النهائي من الوجود البيولوجي، ويرجع ذلك إلى أن النساء الذكيات تكن احتمالية مواصلة تعليمهن العالي أكثر من غيرهن، وبالتالي ينخرطن في الحياة المهنية، والتي تفرض عليهن نمط حياة معين قد يكون غير ملائم لأخذ خطوة الإنجاب.

ويمكن الاقتناع بصحة هذا التبرير من خلال استعراض آراء السيدات اللاتي شاركن في الدراسة، فقد ألمحت بعضهن إلى أن مواعيد العمل الحالية جعلت من وجود طفل أمرًا غير مرغوب فيه، بينما أرجعت سيدات أخريات اتخاذهن هذا القرار إلى أنهن بكل بساطة ليس لديهن أية رغبة في إنجاب أطفال، ولكنهن في النهاية أجمعن على مواجهتهن باستمرار لمواقف تتطلب تبرير قرارهن بعدم الإنجاب؛ مما جعلهن يتساءلن عن السبب الذي يدفع الآخرين لتجنب السؤال عن لماذا لديكِ أطفال؟ بدلًا من تكرار التساؤل عن لماذا ليس لديكِ أطفال؟

أما عن انتشار اللاإنجابية بين السيدات الأمريكيات بلغة الأرقام فقد كشف المسح السكاني لمكتب الإحصاء الأمريكي عام 2014، أن 47% من النساء بين سن 15 و44 عامًا، ليس لديهن أطفال، وذلك يمثل ارتفاعًا عن عام 2012، إذ بلغت النسبة حينها 46%، وهذا يجعل النسبة التي ظهرت في عام 2014، أعلى نسبة لنساء ليس لديهن أطفال، منذ بدأ المكتب إنشاء قاعدة البيانات عام 1976.

الإحصاءات تؤكد أن المواليد الجدد لن يحظوا بحياة جيدة

يستند مؤيدو الفلسفة اللاإنجابية إلى العديد من الحجج التي يؤكدون من خلالها منطقية قرارهم، في مقدمتها أن العالم لم يعد يسع المزيد من الضيوف الجدد، فعلى سبيل المثال كان عدد سكان قارة إفريقيا 133 مليون نسمة في عام 1900، ومن المتوقع أن يزيد هذا الرقم ليصل في عام 2050 إلى مليار و766 مليون نسمة، في حين أن الموارد الأساسية تتراجع بشكل مخيف، وسيظهر ذلك بشكل جلي عام 2025 فلن تستطيع القارة السمراء إنتاج سوى 25% فقط من احتياج سكانها، وفقًا لمعهد الموارد الطبيعية التابع لجامعة الأمم المتحدة في غانا.

ويبدو أن عالم الفيزياء الأمريكي «هنري واي كيندل»، الحائز على جائزة نوبل للفيزياء عام 1990، تنبأ بهذا الوضع الكارثي بقوله: «لو لم نسيطر طوعيًا على نمونا البشري خلال العقد أو العقدين المقبلين، ستقوم الطبيعة بهذه المهمة نيابة عنا، ستقوم بذلك بطريقة قاسية، والموضوع سيكون خارج إرادتنا حينذاك».

جانب آخر من الجوانب الهامة التي تدعم الفلسفة اللاإنجابية هو الوضع البيئي الذي يتجه من سيئ لأسوأ، ففي يونيو (حزيران) 2016 أظهرت نتائج دراسة مشتركة أجرتها جامعات «ستانفورد»، و«برينستون»، و«بيركلي»، أن التدهور الصحي الذي تعيشه الكرة الأرضية تسبب في دخولها الحقبة السادسة من الانقراض واسع النطاق، وسيكون البشر في مقدمة ضحايا هذا التدهور.

لذلك دعت دراسة للمركز الدولي للتنوع الحيوي، إلى وضع اللاإنجابية ضمن الحلول المقترحة لمواجهة هذا التدهور البيئي، وأكدت الدراسة أنه إذا ما بذلت امرأة أمريكية أقصى جهدها للحفاظ على البيئة بإعادة تدوير النفايات، وقيادة سيارة صديقة للبيئة، والعيش بمنزل يعمل بنظام طاقة مكتفِ ذاتيًا، كل ما سبق سيؤدي في النهاية لوقاية الغلاف الجوي من انبعاثات 486 طنًا من ثاني أكسيد الكربون طيلة حياتها، بينما لو أخذت قرارًا بالامتناع عن إنجاب طفل واحد فقط فستكون بذلك وفرت انبعاث 9441 طنًا، وهو ما يعادل عشرين ضعف الرقم الأول تقريبًا.

من العوامل المؤثرة أيضًا في جعل مستقبل المواليد القادمين لهذا العالم لا يبعث على الطمأنينة، التكلفة المادية لتربية الأطفال في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية الحالية، إذ أكدت دراسة أجرتها دائرة إدارة الزراعة في الولايات المتحدة عام 2014، أن تكلفة تربية طفل واحد في أميركا بلغت ربع مليون دولار كمتوسط، في عائلة متوسط دخل، وهذا على مدار الثمانية عشر سنة الأولى، وذلك يعني أن الأسرة ستسند إلى الطفل مسؤولية تأمين حياته الجامعية لو رغب استكمال دراسته.

نبوءة 2016: على الأرجح لن تُصبح غنيًا!

في مقدمتهم «شوبنهاور».. فلاسفة ومفكرين دعوا إلى اللاإنجابية

ناقش العديد من الفلاسفة الفلسفة اللاإنجابية في كتاباتهم، وكان من أبرزهم الفيلسوف الألماني «آرثر شوبنهاور»، الذي يعد أول من طرح هذه الفلسفة باعتبارها ضرورة أخلاقية، فمن وجهة نظره تخلو الحياة من السعادة، وفي أفضل حالاتها تتيح للإنسان قدرًا ضئيلًا منها، يضيع في ظل البؤس المسيطر عليها، لذلك من غير المنطقي إنجاب طفل ليعيش هذه التجربة غير المجدية، ويتساءل الفيلسوف الألماني قائلًا: «لو كان إنجاب الأطفال قرارًا يقوم على المنطق العقلي الصرف، هل سيستمر الجنس البشري بالوجود؟ ألن يمتلك الإنسان من الشفقة ما يكفي لإعفاء الجيل المقبل قسوة الوجود، أو على الأقل ألا يقوم بنفسه بدمٍ بارد بفرض عبء الوجود على أفراد جدد؟»

كيف يرى الفلاسفة الحُب؟ بين اختيار الوحدة وتعدّد العلاقات

لكن تثار العديد من الشكوك حول الدوافع الموضوعية لـ«شوبنهاور» التي جعلته يؤيد الفلسفة اللاإنجابية، فحياته الشخصية كانت شديدة البؤس، فقد مات والده منتحرًا، بعد سقوطه في النهر الذي يمر خلف بيتهم، ويُقال إن زوجته دفعته فسقط في الماء وغرق، ولذلك كان «شوبنهاور»، يكره أمه ودائم الخلاف معها، وفي إحدى المرات تطور خلافهما إلى شجار فدفعته على السلم ليسقط بعض الدرجات، ففضل مقاطعتها بعد ذلك ولم يرها حتى موتها؛ وانعكس ذلك على كتاباته؛ فكانت المرأة عنده تعكس معاني الخيانة والغدر، وفضل أن يعيش طوال حياته دون زوجة أو أولاد.

رأى «شوبنهاور»، أن الحياة شر مطلق وتعاسة، فليس كل تعاسة إلى سعادة، بل كل سعادة إلى تعاسة، وليس كل شقاء إلى راحة، بل كل راحة إلى شقاء، وليس كل مرض إلى شفاء، بل كل صحة إلى مرض، ومن هنا كان يرى أن الشقاء والعناء والمرض، والألم والموت، الأصل والأساس، وما عدا ذلك فهو استثناء.

من الفلاسفة الذين أيدوا اللاإنجابية أيضًا نجد الفيلسوف الشهير «أرسطو»، ففي كتاب «أخلاق يوديمس»، يقول في جزء من قصة تعبيرية: «بالنسبة للبشر فإن أفضل شيء بالنسبة لهم هو ألا يولدوا أبدًا، وألا يكونوا جزءً من هذا العالم، وهذا هو الخيار الأول الذي ينبغي أن نختاره إذا كان متاحًا، أما الخيار التالي الأفضل لنا، إذا حدث ووُلِدنا، فهو أن نموت في أقرب وقتٍ ممكن».

أما في الأدب العربي فهناك الأديب الشهير «أبو العلاء المعري»، الذي وصف الإنجاب بأنه «عقد إجاره باطل، غاب فيه التراضي، والأجير فيه لم يُبلغ ولم يحضر، وفيه غُبن»، ولذلك يقول في إحدى أبيات قصائده: «نصحتك لا تنكح فإن خفت مأثمًا… فأعـرِسْ ولا تنسِلْ فذلك أجـزمُ»، وعاش «المعري» حياته بلا زواج، أو أولاد، وأوصى بعد حين يُدفن أن يُنقش على قبره البيت الذي يقول فيه: «هذا جناهُ أبي عليّ … وما جنيتُ على أحدِ»، ليؤكد أن رحلة حياته بدأت بجناية أبيه عليه بأن أتى به إلى هذه الحياة القاسية.

يعتبر كتاب «الأفضل ألا تأتي أبدًا: ضرر القدوم إلى الوجود»، والذي ألفه الدكتور «ديفيد بينتار»، رئيس قسم الفلسفة بجامعة «كيب تاون»، في جنوب إفريقيا، من أهم المؤلفات التي تؤسس للفلسفة اللاإنجابية، إذ يوضح في إحدى صفحات الكتاب وجهة نظره في الإنجاب بقوله: «أصبح الإنجاب من تبعات ممارسة الجنس، بدلًا من أن يكون نتاج قرار واعي ومدرك للإتيان بأفراد جدد لهذا الوجود، حتى الأشخاص الذين يأخذون قرار الإنجاب بشكل واعي، فإنهم يفعلون ذلك لأسباب عديدة، لكن ليس من ضمنها التفكير في مصلحة الطفل نفسه، وأن مجيئه إلى هذا العالم سيكون شيئًا جيدًا بالنسبة إليه، لا يوجد أحد ينجب طفلًا لمصلحة الطفل نفسه».

ويرد «بينتار»، على الأشخاص الذين يقولون إنه ربما تكون هناك فرصة للمولود القادم أن يحيا حياة جيدة قائلًا: «حتى أكثر الناس أفضلية في ظروفهم قد ينجبون طفلًا يعاني أشد المعاناة، فقد يُغتصب، أو يُعتدى عليه، أو قد يُقـتل بوحشية، المتفائل بالتأكيد يتكبد عناء تبرير هذه المقامرة الإنجابية، لكن بمعرفـة أنه ليس هناك مزايا حقيقية يحصل عليها الإنسان بوجوده أكثر من عدمه، فإنه يصبح شيئًا صعبًا أن تستوعب كيف يمكن تبرير المخاطرة الكبيرة بإضرار الطفل الذي يتم جلبه للعالم، فإذا حصرنا الأضرار الشديدة بشكل غير عادي التي من الممكن أن تصيب أي إنسان بوجوده في هذا العالم، إلى جانب الأضرار الروتينية العادية التي لا تخلو منها حياة أي إنسان، فإننا نجد أن الأمور لا زالت سيئة جدًا بالنسبة لمنجبي الأطفال المتفائلين، إن هذا يوضح أن هؤلاء إنما يلعبون لعـبة الروليت الروسية بمسدس محشو بالرصاص، وهو موجه بالطبع، ليس نحو رؤوسهم، ولكن نحو رؤوس ذريتهم المستقبلية».

لم يكن هذا رأي «بينتار» وحده، فالمخرج الأمريكي «وودي آلن»، شاركه ذلك الرأي بقوله في مقابلة صحافية نُشرت في صحيفة «صانداي تايمز» البريطانية: «لم أر أبدًا أنني أصنع معروفًا بأن أحضر أطفالًا إلى العالم، مع كون الناس على ما هم عليه من القسوة مع بعضهم البعض، فإن هذا يعتبر اقتراحًا مرعبًا، أفضل حياة على وجه الأرض تظل حزينة ومأساوية»، وعندما تعجب المحاور من قوله؛ لأن شخصًا مثل «آلن» بما لديه من ثروة يستطيع بالتأكيد أن يضمن لطفله حياة كريمة! رد عليه المخرج الأمريكي قائلًا: «أنا لا أستطيع أضمن لطفلي شيئًا، لا أستطيع حتى أن أضمن له أن أبقى حيًا بعد ولادته بخمس دقائق».

مصريًا.. كيف تظهر اللاإنجابية على أرض الواقع؟

«أثناء حدوث ثورة يناير كنت صغيرة في السن، ولكن كان لدي حماس لكل شيء، ومؤمنة بأن هناك أحلامًا سيحققها جيلي، والأجيال الآتية من بعده، لذلك أعتقد أنني لو كان سني أكبر آنذاك، لم أكن أتخذ قراري بالامتناع عن الإنجاب».

هكذا تحدثت «شروق محمد» -اسم مستعار-، 22 عامًا، لـ«ساسة بوست» عن علاقة الواقع السياسي المصري الحالي باتخاذها قبل ثلاثة أعوام قرارًا بالامتناع عن الانجاب، فمن وجهة نظرها سيكون من الجنون الإتيان بأطفال في هذه الأوضاع المضطربة.

واجهت شروق صعوبة في إقناع أهلها بهذا القرار، فمن وجهة نظرهم مرت مصر بالعديد من الأزمات، ووقعت تحت الاحتلال الإنجليزي لفترة، وبالرغم من ذلك لم يمتنع المجتمع عن الإنجاب، ولكنها ترى أن ذلك التبرير يرجع لعدم إدراكهم حجم الهزيمة النفسية التي حدثت لجيل الشباب الذين عاصروا الثورة.

هذا الرأي لا تتفق معه فتاة مصرية أخرى، وهي «هند عبدالحميد»، البالغة من العمر 26 عامًا، التي اتخذت قرارًا قاطعًا بالامتناع عن الإنجاب، فهي ترى أن الفترة من بداية ثورة يناير (كانون الثاني) وما تلاها من تطورات لم تكن وردية بالنسبة إليها، وإنما كانت مليئة بالقلق والترقب، وتنظر «هند» إلى الحياة بأنها مأساوية بطبعها ولا تحتمل بأن تزيد مأساويتها بالإتيان بأطفال جدد، وتنفي أن ذلك سيجعلها تكتئب وتعتزل الحياة، فهي تعتقد بوجود الكثير من الأشياء التي يمكن فعلها لجعل حياتها أفضل، لكنها لا تتضمن بأي شكل من الأشكال إنجابها لأطفال.

على جانب آخر تجاوزت الفلسفة اللاإنجابية عند «غادة خالد»، 26 عامًا، مساحة الاعتقاد الشخصي، فقد أكدت على رغبتها في المشاركة في صناعة مبادرات شبابية للتوعية باللاإنجابية ونشرها في المجتمع المصري، وترى أن نقطة البداية يمكن أن تكون من على مواقع «السوشيال ميديا»، بطرح رؤية واضحة مبنية على أسس فلسفية تدعم بالمنطق الهدف وراء المبادرة.

ترى «غادة» أن الإنجاب في مجتمعها يقوم به الأفراد دون أي مبرر حقيقي، وأصبح جزءً من العادات المجتمعية، ومعظم من حولها يؤمنون بأنه على جميع الأشخاص أن يعيشوا نفس دورة الحياة المعتادة التي عاشها من قبلهم، ومن الممنوع على أي شخص أن يسلك طريقًا مختلفًا حتى بمجرد إعلانه عن أفكار لا تتفق معهم.