مع بداية انتشار فيروس كورونا في أنحاء العالم خلال هذا العام 2020، ظهرت محاولات غريبة من بعض المصابين بالفيروس لنشر العدوى للآخرين عن عمد، من خلال البصق والعطس في الأماكن العامة، وأحيانًا مع العاملين في قطاع الصحة بالذات، وقد استطاعت كاميرات المراقبة تسجيل بعض تلك الحالات في الصين، ومع انتشار الفيروس في أكثر من بلد، انتشر نفس التصرف الاجتماعي بالرغبة في نشر العدوى عن عمد.

هذا السلوك لا يعد جديدًا بين البشر؛ فحين عرف الناس مرض «الإيدز»، ظهرت فئة من المصابين بالمرض تنقل العدوى إلى الآخرين عن عمد، وخاصة في أمريكا التي صنفت تلك النوعية من السلوك بكونها سلوكًا إجراميًا يحاسب عليه القانون. في حالة نقل عدوى الإيدز عن عمد، والذي ينتقل عن طريق ممارسة الجنس، فغالبًا ما يكون هناك دافع شخصي لمن يفعل هذا، خاصة وأنه ينقل العدوى لشخص واحد فقط بعينه، ولكن ما يفعله المصابون بفيروس كورونا هو تصرف عام يستهدف المجتمع ككل، فما تفسير هذا السلوك الاجتماعي. هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا التقرير.

دعابة أم جريمة؟

لعق المنتجات عن عمد أثناء انتشار وباء كورونا، ينشر الخوف والاشمئزاز إلى جانب نشر خطر الإصابة بالعدوى، وهذا ما يعرف عالميًا باسم «إرهاب المستهلكين»، خاصة أن هناك البعض ممن يفعلون ذلك يصورون أنفسهم أثناء القيام بهذا الفعل، ثم ينشرون المقاطع المصورة على مواقع التواصل الاجتماعي على سبيل الدعابة، ولكن هذا الأمر لا يندرج تحت بند المزاح؛ فالحكومات تتعامل معه على أنه فعل إجرامي، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال جرى اتهام رجل بالإرهاب المحلي بسبب لعقه لمنتجات أحد المتاجر، وتعريض صحة المواطنين للخطر.

فسر بعض أطباء علم النفس هذا السلوك على أنه نوع من أنواع العدمية، ورغبة المصاب بالفيروس في تدمير العالم لعدم إيمانه به من الأساس، ولكن هناك أيضًا تفسيرًا أكثر دقة في علم النفس، وهو «التسلح ضد المجتمع»، وهذا المصطلح كان يطلق عادة على المصابين بالتهاب الكبد الوبائي، والذين يهددون الآخرين بالعض ونقل العدوى لهم.

تلك النوعية من البشر قبل إصابتها بالمرض – يرجح علم النفس – أنهم كانوا يشعرون بالضعف والدونية في المجتمع، وفجأة تحول مرضهم إلى سلاح في أيديهم ضد المجتمع، ولذلك يستخدم المصابون بفيروس كورونا هذا المرض في تهديد الناس بالعطس أو البصق في وجوههم في حالة الاقتراب من منازلهم، أو الاقتراب منهم، إذا قاموا بفعل غير قانوني.

وبعيدًا عن المصابين، فمن بين هؤلاء اللاعقين للمنتجات بعض المراهقين الذين يتعاملون مع الأمر على أنه دعابة يمكنها نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي للحصول على متابعين أكثر، وبين الضعفاء الذين يستخدمون المرض سلاحًا للدفاع عن أنفسهم، هناك نوع آخر من ناقلي المرض عن عمد، والذي يرجح أطباء النفس أنه النوع الأكثر انتشارًا.

الاعتلال الاجتماعي.. فرصة على طبق من ذهب

اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، أو الذي يطلق عليه أحيانًا «الاعتلال الاجتماعي»، هو اضطراب عقلي لا يهتم المصاب به بتقييم تصرفاته إذا كانت خاطئة أم لا، ويتجاهل عن عمد حقوق ومشاعر الآخرين، ويميل المصاب بهذا الاضطراب إلى استعداء الآخرين، والتلاعب بهم، ومعاملتهم بقسوة ولا مبالاة، وفي المقابل لا يشعرون بأي ذنب، أو ندم على سلوكياتهم.

غالبًا ما ينتهك الأفراد المصابون من اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع القانون والتقاليد ليصبحوا مجرمين، قد لا تأتي الفرصة بسهولة لمعظهم، ولكن انتشار فيروس – مثل فيروس كورونا والذي يعد وباءًا عالميًا – كان لهم فرصة على طبق من ذهب، فهم ليسوا في حاجة لارتكاب جريمة قتل بأيديهم وتعريض أنفسهم للمساءلة القانونية، وغالبًا هؤلاء لم يصوروا أنفسهم، وهم يرتكبون هذا الفعل، كل ما عليهم فعله هو نشر الفيروس في جميع وسائل المواصلات العامة، والمتاجر؛ ليضمنوا إيذاءهم للمجتمع ككل، والهرب من فعلتهم بسهولة إذا لم يكتشف أمرهم أحد، وهو أمر يسهل تنفيذه بمجرد تجنب كاميرات المراقبة.

يتميز المصاب بالاعتلال النفسي بنقص كامل في الشعور بالتعاطف تجاه الآخرين، ويصف أطباء النفس أصحاب هذا المرض بكونهم «باردين مثل الحجر» تعبيرًا عن مدى قسوتهم وعدم شعورهم بالتعاطف تجاه أي إنسان آخر. والغريب أن هؤلاء الأشخاص عادة ما يظهرون أمام الناس كشخصيات ساحرة وجذابة وخفيفة الظل أيضًا، ولكن في الوقت المناسب تظهر أعراضهم من سرعة انفعال وعدوانية لا يمكنهم السيطرة عليها، وفي المقابل يكون لديهم العديد من الشكاوى الجسدية، وعادة ما يحاولون الانتحار في مرحلة متأخرة من مرضهم، ومن الصعب حتى على أطباء النفس عند الحديث مع هؤلاء المرضى معرفة متى يقولون الحقيقة، ومتى يكذبون، وعادة ما يكون القتلة المتسلسلون مصابين بهذا المرض.

ولكن هناك أيضًا تفسير آخر.

«الأوتوفوبيا».. لا تتركوني وحيدًا

هل تتذكر  هذا الامتحان الذي وجدته في غاية الصعوبة ولم تستطع الإجابة بالشكل المرجو؟ هل تتذكر هذا الشعور بالخوف والرهبة أثناء جلوسك في لجنة الإمتحان متخيلًا رسوبك في هذه المادة؟ هل تتذكر أيضًا شعورك بالارتياح عندما خرجت من اللجنة ووجدت كل زملائك يتحدثون عن مدى صعوبة الامتحان، واحتمالية رسوبهم فيه، وكأنك تنفست الصعداء؟

خطر الرسوب في المادة لم يزل موجودًا، وصعوبة الامتحان لم يلغها اتفاق زملائك على كونه امتحانًا صعبًا، ولكن إحساسك بالخوف تضاءل؛ لأنك لم تعد تشعر أنك «وحدك» في تلك المشكلة، أو أنك إذا رسبت في الامتحان لن ترسب وحدك. بمنتهى البساطة هذا المثال يعبر عن حالة نفسية تسمى «أوتوفوبيا»، أو في حالات أكبر تتحول إلى الخوف المرضي من أن يكون الشخص وحيدًا أو معزولًا وحده، حتى لو كان في أكثر مكان مريح بالنسبة له، أو في مكان مثالي للترفيه، والمصاب بفيروس كورونا أول ما ينصحه به الأطباء هو العزل الصحي لمدة لا تقل عن أسبوعين.

في بعض الأحوال بعض المصابين بهذا المرض يشعرون بفزع شديد في حالة تفكيرهم أنهم سيكونون وحيدين في منزلهم، وكل منهم يكون لديه تخيل مختلف وفقًا لثقافته وقناعاته؛ عن المخاطر التي قد يتعرض لها وهو وحيد في المنزل، سواء كانت أشباحًا، أو مجرمين، أو حتى أصوات وطاقات مجهولة تسكن المنزل.

يرجح الأطباء النفسيون أن هذا الخوف المرضي قد يكون واحدًا من الأسباب التي قد تدفع المصابين بفيروس كورونا بالبصق والعطس عمدًا في الأماكن العامة لنقل العدوى للآخرين؛ لأنهم بدون وعي منهم لا يريدون أن يكونوا وحدهم في تلك الأزمة، فهذا امتحان صعب، ولا يريدون أن يخوضوه وحدهم.

المصادر

تحميل المزيد